الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 318الرجوع إلى "الثقافة"

من فواجع الاستبداء :، على هامش الحديث

Share

بمناسبة الأحاديث التي يحررها الأستاذ صاحب الثقافة عن السيد الكواكبي رأيت أن أطرف القراء بهذه اللمعة الصغيرة من مأساة فاجعة ذات علاقة وثيقة بآثار هذا الصلح العظيم .

فقد حدثني موظف متقاعد من أبناء مدينة صيداء حديث الثقة العارف عن تلك الكارثة التي غير عليها ما ينوف على الثلاثين من السنين ولكنها لا تزال حية مائلة في أذهان الكثرة من شيوخ الصيداويين . وخلاصتها أن رجلا من الموظفين ، وكان في ذلك العهد ناظرا لأوقاف المسجد المعروف بجامع البحر ، في تلك المدينة ، قد اتخذ من إحدى غرف الجامع مقرا لعمله ، وكان يتردد عليه هناك جماعة من أصدقائه يقضون بعض السمر في الأحاديث العادية أو في مطالعة بعض الكتب من الفقه والقصص . .

وذات يوم وصل إلى أسماع المسؤولين هناك وشاية ترمي هؤلاء المساكين بتهمة العمل السياسي ، فإذا بقلة من جنود الدولة تطبق على ناديهم في إحدى الأماسي وإذ لم يسفر تفتيشهم عن شيء ذهبوا بالجميع إلى السجن ثم عمدوا إلى بيوتهم يبحثون وينتقبون . وكان من سوء الحظ أن عثروا في دار خادمهم ، وهو ابن أحد الحذائين في صيداء ، على نسخة من كتاب "أم القرى" قد طمره، التيار على رف قديم فكان ذلك كافيا لأن يقضي هؤلاء الأبرياء ، وعددرهم حوالى العشرة ، أكثر من عامين في غيابة السجن ، ثم لم يغادروه إلا حين أنقذهم الموت واحدا تلو الآخر ، كلهم إلا رجلا واحدا من آل البزرى قدر له أن يكون الوحيد الذي خرج حيا إلى الدنيا من بين رفاقه جميعا

على أن أروع ما عرف من تلك المأساة أن أحد الضحايا ، وهو تركي من موظفي المالية ، وكان يعرف باسم محمود أفندي ابن حاجي آنا ، قد اعتوره الجنون وهو في السجن ثم لم يطل به الأمد حتى أسلم روحه ، ولم يكن في بيته سوى زوجته وقد ضعضعتها الكارثة فإذا هي تجن أيضا ثم ما لبثت أن لحقت بحليلها إلي الدار الآخرة .

وهكذا كان كتاب " أم القرى " في يوم من الأيام ذريعة القدر إلى نكبة دامية هي صورة ناطقة من آثار الاستبداد الذي طالما أفض مضجع السيد الكواكبي رحمه الله .

طرطوس - سوريا

اشترك في نشرتنا البريدية