الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 287الرجوع إلى "الثقافة"

من قصص أندرسون :، زهرة السماء، La Fleur Du Ciel

Share

طار ملك في عليين ، في صفاء الأثير من جنة الخلد ، وبيمناء زهرة طبع عليها قبلة طويلة ، فسقطت منها ورقة إلي الأرض ، وسرعان ما امتدت جذورها في إحدي الغابات ، وسمت فروعها وسط المخاضر .

ولكن كل أنواع النبات أبت أن تعترف بها ، وعدتها شذوذا لا يستقيم . وكان أول ما سخر منها أشواك السعدان ، وأعشاب القراص (1) . فقال السعدان ساخرا : " من أين جلبت هذه ؟! لعلها بعض هجين النبات ! " وهمس القراص : " ما أسرع ما تنمو ! أتظن أننا ستسندها إذ تميل ، وتحفظها حين تعيا على التماسك ؟! " .

وجاء الشتاء ، وغطت تلوجه الأرض  ونشرت زهرة السماء على الثلج ضياء عجيبا ، كأن أشعة الشمس تخللته فأشرقت جوانبه .

وفي الربيع حملت تلك النبتة زهرة لم تر الأرض مثلها . وأخير بها عالم النبات بتلك الجهة ، فأسرع إليها مزودا بشهادات تضئ عن غزير علمه ، ففحصها ، ودرسها ، وذاق أوراقها ، إنها لا تشبه شيئا مما درس ، ولم يجد لها جنسا تندرج تحته ، ولا أصلا تتشعب عنه ؟ فقال : " تلك وحشية شاذة ، لا تدخل فيما عرفنا من نظم النبات " . فردد قوله السعدان والقراص ، ولكن الدوح رأى وسمع ، ولم ينبس بخير أو شر ، فمثل دور العاقل الحكيم .

ونزلت الغابة فتاة صغيرة بائسة ، طاهرة القلب ، نقية السريرة ، قد تم ذكاؤها ، وكمل إيمانها ، لا تملك من الدنيا غير كتاب مقدس تناجي به الله ؟ قد خبرت الناس ، وأدركت خبث طويتهم ، لكنها تعلمت أنه ، عندما يدهمنا شرهم ويؤذبنا جهلهم ، ويسخرون منا ، يجب ان نتذكر

المثل العليا من عباد الله المخلصين الذين أوزوا فقالوا : " ربنا اغفر لقومنا فإنهم لا يعلمون " .

وقفت الفتاة أمام نبتة السماء ترسل أريجا يعبق به الهواء ، وتلتمع أزهارها الحمراء على أشعة الشمس كأنما صيغت من لهيب ، ويداعبها النسيم فترسل حقيقها أنغاما شجية كأنما تهبط من السماء ؛ فوقفت الفشاة دهشة أمام تلك الآعجوبة ، وملت عليها تتأملها وتنقسم عبيرها ، فأحست كأنما انتعش قلبها ، وأضاءت روحها بالحكمة العليا . وأرادت أن تقطف زهرة ، ولكنها فكرت أن شرا عظيما أن تذوي مثل هذه الزهور ، فأخذت ورقة صغيرة منها ، ووضعتها بين صفحات الكتاب المقدس ، فبقيت خضراء نضرة ، تضوع وتندي .

وبعد أسابيع وضع الكتاب بما فيه تحت رأس الفتاة المضطجمة في لحدها ، حيث استراحت ، وعلى وجهها الوديع أمارات السعادة ؛ إنها حررت من دفس هذا العالم ولبت نداء خالقها .

وفي أثناء ذلك نمت الشجرة وأزهرت ، فكان الطير ينحني لها تحية وإجلالا ، فيعيبه السعدان والقراص : " واما لهؤلا ، الحمقى الذين يسرقون في التكريم والإجلال ، معاذ الله أن نتخلق بهذا الخلق " . ثم مر أحد الرعاة بجمع الحطب للنار ، وأخذ يقتلع الأشواك ، ثم اجتث تلك الشجرة الجميلة وهو يقول : " إن مثل هذه تكون طيبة في إنضاج الطعام " .

ولكن ملك البلاد خيم عليه حزن أسود تعذر منه الشفاء ، لقد حاول أن يتخلص منه الانغماس في شئون شعبه ، ويتصفح الكتب القيمة ، ثم المؤلفات الملهية ، فلم يفلح ؛ فتوجه إلى حكيم ذلك الزمان ، فأشار بأنه لا طريقة لشفائه إلا بورقة من زهرة السماء التي نجمت في بلاده . ثم وصفها فتحركت الرغبة منذ ذلك إلى استطلاعها .

فقال الراعي : " ويل لي ! لقد اقتلمتها ، ولم يبق منها إلا رماد تذروه الريح ، هذه جناية الجهل ! " . وخجل

الراعي من فعلته ، وأسرها في نفسه ، ولكنه أصاب في اعترافه ، فهل كان للعلماء مثل ذلك الصواب ؟ .

اختفت الشجرة الطيبة ، ولم يبق من زهرائها إلا أوراق في قبر الفتاة لا يدريها أحد . وحضر الملك بنفسه ليتأكد من زوالها ، ثم قال آسفا : " ها هنا كان ننبتها ؟ وفي تلك التربة كان مطلها ! ليقدس هذا المكان " ، وأحاطه بسور من ذهب ، وأقام عليه حرسا ترعاه . وألف عالم النبات كتابا شرح فيه خصائص زهرة السماء أو بين فداحة المصاب بفقدها ؛ وزين الملك صفحات كتابه بالذهب ، وأغدق عليه ، فكان هو الرابح بما دون من أقوال لم تغن من الحق شيئا !

ودام الملك شجوه وأساء ، وظل الحرص بؤساء في الغابة ، يصنفهم السأم ويقتلهم الملال .

اشترك في نشرتنا البريدية