لم يكن الناس يعرفون للأحمق اسما .
لأنه لما خرج من بطن امه أرسل إلى الصندوق الكبر المعلق على حائط ملجأ اللقطاء . هل عرفتم يا أصدقائى الأطفال الأعزاء هذا الصندوق ؟ إنه واسع عميق ، طليت جوانبه بالقار كأنه تابوت ميت صغير . ومن خبره أنه إذا ولد مولود ولم يرض والداه عن بقائه عندهما أرسل إلي هذا الصندوق في ليلة حالكة ، ولا يعلم به إلا واضعه ؛ وعندما يصبح الصباح يري أهل الملجأ الطفل فيأخذونه ، ثم يسلم إلي المراضع . ولكن هل اللبن الذي لم ينبع من ندي الأم
ذو لذة وحلاوة ؟! كلا ! وإنما تربي الأحمق بهذا اللين الذي عدم حلاوته ولذته .
وبلع عمر الأحمق سنتين ، ولم يزل ضعيفا نحيف الجسم ، قد ارتسمت على وجهه خطوط دقيقة كأنها خطوط الكبر ، لا يعرف الكلام وإنما تسمعه بصوت " وآوا وا ..." فهو لم يعرف مناغاة الناس ، فقد فقد من يحبه ويناغيه، فلا أب ولا أم ، ولم يعرف الضحك أيضا ! !
وذات يوم كانت المرضعة مسرورة فحملته تداعبه ، وأخذت قطعة من الحلوى بفمها وقربتها من فيه لياخذها ، فعندما هم بقضمها لم يتمكن من ذلك ، وقطعت ثناياه الجديدة الحادة شفتها ونزل الدم وشعرت بألم شديد ، فثارت وضربته ضربا مبرحا وشتمته قائلة : "انت أحمق ! " . من ذلك اليوم عرف بين الناس " بالأحمق " .
وغادر الأحمق ملجأ اللقطاء وقد بلغ ست سنوات ، فأخذه نجار تلميذا له . وجد الأحمق وأجهد نفسه في العمل ،
فكان كلما رفع القدوم ارتعشت يدء وسقطت بالقدوم على الخشب فلا يقطع إلا قليلا من قشره ، وكلما جر المنشار احمر وجهه لضعف جسمه ، فيساعده والنحار بعد أن يضربه ضربا شديداً ؛ ولكنه لا يبكي لأنه لم يعرف البكاء ، وكأنه لم يعرف الألم ! بل إذا استطاع رفع القدوم قطع الخشب ، وإذا امكنه جر المنشار نشره بلا انتظار ، حتى قال جيران النجار حين رأوه : " أحمق بغير شك " !
وفي ليلة من ليالي الشتاء الباردة ظل الأحمق يعمل ، ذلك لأن غنيا طلب إلى النجار بناء حجرة خشبية لتكون مدفئة في الشتاء ، وتعجله في ذلك فأمر الأحمق والصي الآخر بأن ينشرا الخشب طول الليل قائلا : " لا تناما حتي تنشرا الخشب كله لنأخذه غدا إلي بيت الغني ، وإن لم تتما نشره عاقبتكما عقابا شديداً " . ثم ذهب إلي حجرة نومه وراح في سبات عميق .
ولما سمع الأحمق غطيط النجار أدرك أنه قد نام ، فقال لصاحبه بصوت خافت : " إن الجو بارد جداً متعب لك ، فيجب أن تنام " .
فقال صاحبه : " نعم ! قد أخذني النوم الآن حتى ليصعب على فتح عيني ، ولكن إن لم يتم نشر الخشب فكيف نواجه معلمنا غدا ؟ " فضرب الأحمق صدره قائلا : " لا تخف ، فاني كفيل بإنهاء ذلك الليلة . إن لحافك لا يكفي لدفئك فخذ لحافي والتف به مع لحافك "
فأخذ الصبي لحافه ولحاف الأحمق القديم الممزق وفرشهما على الأرض ، وراح يغط في نوم عميق ويسبح في عالم الدفء والراحة .
وسر الأحمق لأن صاحبه أطاعه ، ولأن لحافه أصبح حدود عالم الدف والراحة ، وقال : " ما أجمل هذا المنظر ! " ثم جر المنشار واستمر في عمله . وهب الهواء بارداً فقيد حركة الاحمق ، وصار لا يحس بالمنشار في يدء من شدة
البرد ، وأخذت ذبالة المصباح الضعيفة تتمايل وتضطرب تحت تأثير تيار الهواء الداخلى من ثقب النافذة ، وانطمث أمامه الخطوط السوداء المرسومة على الخشب لضعف الضوء . كل ذلك لم يوهن من عزيمة الأحمق فلم يهتم لشئ منه ، وأخذ ينشر الخشب كأنه آلة صنعت لذلك
وأشرق الفجر ، وقد بقى لدي الأحمق قطعتان من الخشب لم ينشرهما . واستيقظ النجار وصوت النفشار لا يزال يرتفع ، فوجد الأحمق يشق الخشب وحده . وأما الآخر فلا ينفك غارقا في سبات عميق وقد التف في اللحاف القديم الممزق ؛ فثار وهب من سريره ، وقصد النائم ورفع اللحاف عنه يريد ضربه ، فأسرع الأحمق وامسك بيده قائلا : " إنه لم يرد النوم وإنما أنا دفعته إلي النوم ، فلا يجمل بك أن اضربه يا عم " .
وزاد غضب النجار عند ما جمع ذلك ، إذ وجد الأحمق أفسد صاحبه وساعده في الفساد وأعاره لحافه ، وكان بذلك سببا في تأخير الميعاد مع الفتى وهو يخاف عتابه ، فأخذ عصا طويلة وضربه وشتمه قائلا : " أنت أحمق ! " .
ومنع الأحمق عن الطعام يوما كاملا جزاء عمله. واكتفي الأحمق يومذاك برؤية غيره بأكل بشهية ولذة .
وذات يوم رجع الأحمق مساء من بيت صاحب العمل ، وبينما هو يدلف في أحد الشوارع إذ وقعت قدمه علي شئ فالتقطه ، فإذا به كيس ثقيل ، ففتحه وقربه من مصباح الشارع ، فوجد به بضعة عشر ريالا من الفضة لامعة تخطف النظر .
فوقف الأحمني وقال : " هذه الأشياء البيضاء اللامعة لا تنفعنى أبدا ، إذ أنني آكل كل ليلة رغيف خبز ، والتف بلحافي القديم الممزق ؛ وهما في البيت ؛ وإذا أخذت تلك الأشياء إلي البيت ورآها النجار أحبها حبا جما ، وأنا لا أعرف لماذا يحبها ؟ "
وفكر الأحمق وأطال التفكير ، ولكنه لم يدرك لذلك سببا ، فقال في نفسه : " لماذا افكر في ذلك ؟ في حين أنى لا أحتاج إلى تلك الأشياء ، وأظن أنه من الخير أن أطرحها " . ولكنه لما هم بطرحها في صندوق القمامة عادت نفسه فحدثته قائلة : " لعلها ضاعت من شخص مثل نجارنا يحب أمثال هذه الأشياء ، وهو لا بد حزين لضياعها ، ولعله يبكي الآن حتى يكاد يموت " ! فظل واقفا مكانه تحت الصباح .
عاد باعة الليل المتجولون إلي منازلهم ، وأرجع السكران إلي بيته ، وهي الشرطى يجوب الشوارع بعد أن أغلقت المحال التجارية أبوابها ، وخلت الشوارع إلا من تلك المصابيح الكهربائية البيضاء الهادئة ، والأحمق منتظر ولم يأته أحد يبحث عن هذه الأشياء . فقال : " هذا غريب ! أهل أضاعها هذا المصباح ؟ وإلا فلماذا يفتح عينه اللامسة ويأتي أن يغمضها لينام كما ينام الناس ؟ "
وفجأة سمع صوت اقدام مسرعة خفيفة ، فأيقن أن الآتى لا بد صاحب تلك الأشياء . ولما مر صاحبها أمام الصباح وجده عجوزاً قد ملأت عينيها الدموع ، وهي تدقق النظر إلي الأرض ، فلم تر الأحمق .
فنادها : " يا سيدتي ! هل تبحثين عن كيس فيه أشياء بيضاء لامعة ؟ هاهوذا ! " " هات ! الحمد لله ! " . قالت العجوز هذه الكلمة وعلت الابتسامة وجهها المتجمد النحيف . فكانت ابتسامه قبيحة غاية القبح .
ولما وجد النجار أن الأحمق لم يرجع إلي البيت ظن انه غرق في النهر ، أو خدعه أحد وأخذه إلي مكان ما ، ونام في ميعاده كأن لم يحدث شئ ولم يبحث عن الأحمق وعندما عاد الأحمق وجد غرفته حالكة الظلام فدخلها يتلمس طريقه كالأعمى ، وغطيط النجار بقلق المليل ، حتى عثر بلحافه القديم الممزق فالتف به مسرعا ونام
نوماً عميقاً .
وفي الصباح رآه صاحبه نائماً بجوازه ، فأيقظه وسأله أين كان أمس . فأجابه بتفصيل ما حدث له . فأخرج صاحبه يده اليمنى من لحافه وأشار بسبابته إلى جبين الأحمق وقال له : " أنت أحمق ! " .
وذات يوم بدأ الأحمق وأصحابه بناء بيت عند أسرة كبيرة ، وفي العادة أن يوزع صاحب البيت في بدء البناء الكعك والخبز على العمال للتبرك ، فأخذ الأحمق منها كعكتين ورغيفين من الخبز
وحينما عاد الأحمق قابل في الطريق جماعة من الفقراء اللاجئين ، ورأي بعض نسائهم يحملن أولادهن العرايا في جيوبهن الممزقة القذرة على ظهورهن ، وبعضهن يحملن أولادهن في احجارهن برضعنهم ، وهم يصيحون صياحا مؤلما ، ويسترحمون الناس كأنهم غربان سنة القحط .
وشعر الأحمق كأن عيونهم تري أشعتها إلي كعكه وخبزه فقال : " غريب جداً ! هل يريدون أن يأكلوا الكعك والخبز ؟ لعلهم لم يعرفوا أن الكعك حلو وأن الخبز لذيذ ، فيجب على أن أذيقهم الكعك الحلو والخبز اللذيذ ، وخصوصاً أنه لاحق لي في أكلهما ، فخبزي ينتظرني عند النجار آكله حين أعود إلي البيت "
فوزع الكعك والخبز على اللاجئين
ولم يكن اللاجئون يتوقعون مثل هذه الهدية الفاخرة ، فكفوا عن السياح ، واخذوا يقطعونها قطعا صغيرة ويوزعونها على أنفسهم - صغيرهم وكبيرهم - وتحركت أفواههم معاً ، وأكلوها بشهية كما لو كانوا بأكلون الحمام أو الدجاج . فسر الأحمق لذلك المنظر سروراً كبيراً وانصرف .
وعلم جاره أنه سيرجع الليلة ومعه الكعك والخبز ، فانتظره حتى أني ، وأوقفه قائلا : " هات نصف كعك
البناء وخبزه "
فأظهر له الأحمق يديه الخاليتين وضحك قائلا : " لم لم تقل لي من قبل ؟ فقد وزعتهما على اللاجئين . وإني آسف من أجلك جداً " .
فغضب وعبس وجهه ، وبصق على الأرض وقال وهو بمط صوته احتقاراً : " أنت . . أحمق . . ! " .
وفي يوم ترك العمال أعمالهم واستراح الناس أجمعين ، وذهبوا إلى الميدان الكبير ليستمعوا إلى خطاب سيلقيه الملك في ذلك الميدان . وكان هذا الملك شجاعا ، ما حارب عدواً إلا وقهره ، ولكنه هزم في المرة الأخيرة ، وهي أول هزيمة أصابته .
وذهب الأحمق مع زملائه إلي الميدان ، والناس مزدحمون كانهم ثمال . وحاول في ذلك المزدحم أن يري الملك فخاض بين الناس حتى وصل إلي المنبر ؛ فلما رفع رأسه رأي وجه الملك قد علاه الغضب ، وكأن عينيه جمرتان من نار ، ولحيته تشبه الأسلحة قامت على جانبي وجهه وأخذ يخطب الناس ، فقال : " ... إن هذه الهزيمة لمن أكبر العيوب ؛ إن هذه الهزيمة لمن أكبر العيوب ! لقد كنا نقهر ولا نقهر ، أما اليوم فقد صرنا من المقهورين أهل من أحد يأتي الآن فأقطع رأسه بضربة واحدة ؟ ! ..."
وكان الهدوء يسود الميدان فلا يسمع إلا صوت الملك . ورأي الأحمق أن الملك المسكين قد يقضي عليه غضبه ، فلا بد من حيلة لإزالة ذلك الغضب ؛ ففكر قليلا وواتته الحيلة فصاح قائلا : " يا مولاي الملك ! اظن أنه لن يأتيكم عدو ، وإن كنتم تريدون قتل أحد حتى يفرغ غضبكم فها هو ذا عنقي ! "
" يا أحمق ! يا أحمق ! " هكذا ناداه الناس في الميدان وسبوة كما يسبون الكلاب والخنازير ، فقد قطع خطاب الملك الخطير ، وضحكوا من حمقه .
ولكن الملك لما جمع كلام الأحمق ذهب عنه الغضب سريعاً ، وشع نور الرحمة من عينيه ، وعلت الابتسامة وجهه ، وقال للأحمق :
" إنك الآن تؤديني ! إذ أنني أريد قهو عدوي وأود لو قتلته ، ولكنك ترضى لنفسك الموت بدلا عنه ، ولذلك كنت أكرم مني : والله لن أحارب أحداً بعد اليوم ! " .
فأمسك الملك بيد الأحمق راجعين إلي القصر ، ودعاه إلي وليمة كبري ، وكانا يشربان وجها لوجه .
ولما علم الملك أن الأحمق نجار ، أمره أن يصنع قوس نصر خشبياً كبيراً مرتفعاً ليكون تذكاراً لتحريم القتال . فصنعه الآحمق بدقة وإحكام ، وكانت تعلوه صور آلهة السلم تحمل على أيديها آلات الموسيقى ، وصور حيوانات خاشعة كأنها تستمع إلي الموسيقى ، وحولها صور الأشجار الكثيفة والأزهار المتفتحة تظهر جميعها فرحة مسرورة.
وثم صنع القوس . وفي يوم الاحتفال بإزاحة الستار عنه ، جاء الملك وعلق بيده الكريمة إكليلا كبيراً في وسطه ، فهتف الناس وهللوا ورفعوا الأحمق على الأعناق وصاروا برمونه بالأزهار والرياحين .
ومن ذلك اليوم كلما مر إنسان بهذا القوس أشار إليه قائلا : "هذه مأثرة الأحمق " . ترجمة

