الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 322الرجوع إلى "الثقافة"

من قصص الأطفال الصيفية :، الإنسان المتفائل، للكاتب الصيني الكبير "به _شاو_كين"

Share

هل يوجد في هذا العالم إنسان متفائل ؟ ومن هو ذلك المتفائل ؟

كل إنسان يسر بهذا العالم هو الإنسان المتفائل وسأقص عليكم قصته :

إنه رجل عجيب غريب - أخشى أن لا تصدقوني إذا أبنت لكم صفته - وإنى أؤكد لكم انه  رجل عجيب غريب ، لان جسمه محاط بحجاب خفيف رفيق ، ليس من صنعه ، ولا من صنع غيره ، ولكنه طبيعي ، وكان معه حين خرج من بطن امه ، ولا استطيع ان اصف هذا الحجاب بدقة ، فلو قلت إنه كالزجاج شفاف رقيق لم أكن محقا ، لأن الزجاج أكثف منه ، ولو قلت إنه كقشر البيض يحيط

بالجسم كل الإحاطة لم اصب أيضا لأن القشر ليس شفافا ، اما هو فشفاف ، وصفوة القول ان هذا الحجاب خفيف لا يوزن ، رقيق لا يلمس ، متين لأيمزق ، شفاف لا يحجب ، يحيط بالإنسان المتفائل ، ولكنه لا يعلم انه يحيطه بل ولا يشعر به .

وعاش الانسان المتفائل في داخل الحجاب متفائلا كل شىء ومتفائلا في كل وقت ، ونظر خارج حجابه إلي كل مكان فسر منه وإلى كل منظر فتفاءل به .

وذات يوم جلس الإنسان المتفائل في بيته فإذا بضيفين قد جاءا اليه ، وكان هذان الضيفان من الخداعين يريدان ان يشربا الخمر ويلعبا القمار ، ولكنهما لايملكان نقودا ، وعلما ان الإنسان المتفائل غني لا يستطيع أن يعرف حقيقة غيره ، إذ ان الحجاب يحجب جسمه ، فعزما على أن يخدعاه ليحصلا منه على النقود فجاء إلى بيته وقالا له بصوت حزين رقيق : " إن كوارث القحط والغرق والحرب أصابت البلدان المجاورة ، فمات بعض سكانها بسببها وهرب البعض

الآخر إلى بلدنا ، ورأينا جياع القحط قد عرت أجسامهم إلا من العظام والجلد ، والمرضي الناجين من الغرق قد تورمت ابدانهم واصفرت ونزل منها الماء قطرة قطرة ، وجرحي الحرب مكسوري الأيدي يبكون من شدة الآلم . وبعضهم يحملون أولادهم الذين قاربوا الموت في حجورهم يصبحون صياحا مؤلما ، فاثارت احوال هؤلاء ، المساكين المتشردين عواطفنا ، وكان واجبنا الإنساني ان تعطف عليهم وننقذ حياتهم ونمد لهم يد المساعدة ، فتبرعنا وتبرع أغنياء البلد بمبالغ كبيرة ، وعرفنا انك غني ، فنرجو ان تتبرع  لهؤلاء المساكين ، جزاك الله خير الجزاء " .

ولما سمع الإنسان المتفائل كلام الضيفين تأثر به تأثرا شديدا ، ورأي ان هؤلاء المصابين المساكين يستحقون العطف والشفقة ، وان إخلاص الضيفين للانسانية وأداء واجبهما يجب ان يحترم ، وأخرج من جيبه قطعة كبيرة من الذهب واعطاهما إياها وقال لهما : " إني أرجو منكما ان تعطيا هذه القطعة إلي هؤلاء المساكين نيابة عني وأشكركما شكرا جزيلا " . فأخذا القطعة الذهبية وخرجا من بيت الإنسان المتفائل يضحكان منه ، ثم ذهبا إلى اما كن اللهو يشربان الخمر ويلعبان القمار .

ولما خرج الضيفان بالذهب قال الإنسان المتفائل نفسه : " أخذ هذان الضيفان الذهب وسارعا إلي إخواننا المصابين يوزعونه عليهم ، فيجد الجياع الهزالي المأكولات في الحال وسيصيرون سمانا اقوياء ، تجد الأجسام المتورمة الصفرة المعالجة توا وستغدو نشيطة قوية ، وتجير مكسور الأيدي أيديهم ، وتنقذ حياة الأولاد الذين قاربوا الموت ، ما اعظم هذا التبرع ! وما افخم هذا السرور الذي وجدته بمجيء هذين الضيفين الكريمين او ما اعظم شرفي وسروي ! " واشتد سروره فاخرجه عن طوره ، ووقف امام مراة معلقة على الحائط وأخذ يضحك بلا انقطاع .

وعلمت زوجة المتفائل أنه انخدع بكلام الضيفين

الماكرين ، وكانت دائما تغضب من فعله مثل ذلك ، وتريد ان تمنعه ولكنها كانت حين تري وجهه الذي يملؤه السرور والتفاؤل لا تستطيع ذلك ، فتهيجه بالكلام الجارح وتعرض به، ولكنه كان لا يفهم ، إذ ان حجاب السرور كان يحيط بكل جسمه

وفي هذه المرة غضبت الزوجة من المتفائل غضبا شديدا لأن المخادعين أخذا قطعة ذهب كبيرة بدون سبب ولا تعب ، فأرادت أن تؤدبه بكلمات شديدة وتمنعه أن لا يفعل مثل هذا الفعل مرة ثانية ، فقصدت إليه بسرعة ، وقد ملأ وجهها الغضب ، ولكنها لما رأت وجهه الذي يملؤه السرور والتفاؤل ذهب غضبها واختفت من فمها الكلمات التي كانت تريد ان تتكلم بها معه ، ورجعت إلي باطنها ولم يمكنها إلا ان تعرض بالكلام لتفهمه خطأه ضاحكة منه ، فقالت : " إنك لرجل عظيم ! لأنك فعلت فعلا عظيما وأعطيت بدون تفكير قطعة كبيرة من الذهب إلي شخصين لا تعرفها ولا تشك فيهما ! إنك الرجل المخلص الوحيد في هذه الدنيا ) وإني لارجو منك ان تفعل مثل هذا الفعل مرات كثيرة ، لأنك كلما أكثرت من مثل هذا الفعل زاد إخلاصك وظهرت عظمتك .

ولما رأي الإنسان المتفائل وجه زوجته البسام المخلص وجمع كلامها اللذيذ العاطف سر إلي حد الجنون وضحك ضحكا شديدا ، وبعد وقت طويل كف عن الضحك وقال : " إن كل إنسان عرفته طيب القلب مخلص الضمير ، وانت منهم بالطبع ، بل انت احسنهم ، لان قلبك المخلص جعلني لا اقدر على ان امدحك بكلمة تناسبك ، وإن قلبك مثل قلبي يرضى عن افعالى كلها ، وما انت وأنا إلا روح واحدة في جسمين ، وقد زاد سروري مدحك هذا التبرع الهائل ، فيجب على ان اسمع كلامك وأقبل إخلاصك في النصح وأفعل مثل هذا الفعل مرات كثيرة إن شاء الله ! " ثم أخذ قطعا كبيرة من الذهب وخرج من البيت .

وذهب المتفائل إلي قرية ، فوجد فيها حقولا كبيرة واسعة شاسعة ، قد زرعت فيها أشجار التوت القصيرة ذات الأوراق الخضراء ، ورأي رجالا ونساء يقطفون أوراق التوت ليربوا عليها دود القز . ولم تكن أشجار التوت ملكا لهؤلاء العمال ، لأنهم فقراء ، بل كانوا يشترون أوراقها من أصحابها الأغنياء ، ولم تكن لديهم نقود تزيد عن نفقات معاشهم اليومية ، فلما جاء موسم تربية الدود باعوا ملابسهم الشتوية وارتهنوا أثاثهم القديم البالي وأخذوا النقود وأعطوها أصحاب أشجار التوت وقطفوا أوراقها وأخذوها إلي بيوتهم ، ولذلك كانت روائح نقودهم خبيثة لأنها كانت نقود الأغنياء الذين اشتروا ملابسهم الشتوية بثمن يخس وباعوها بربح كبير ، وارتهنوا منهم أثاثهم القديم البالي وأكلوا الربا ، وقد انتشرت هذه الروائح الخبيثة في الحقول الواسعة حتى نفت روائح الزهور الطيبة وغزل ترب أرضها الذكي ، ولعجلة الدود في أكل أوراق التوت أجهد هؤلاء الناس في قطف الأوراق ولم يناموا منذ أيام وتعبوا تعبا شديدا ، وأصفرت وجوههم لقلة الدم ، وأصبحت عيونهم حمراء ، ولصقت القذارة والغبار بأطراف عيونهم ، وهم يشرفون على الإغماء الشدة ما تكلفوا العمل في قطف الأوراق بدون راحة وبدون توان ، وقد عكر منظر هؤلاء الناس المتعبين صفو إشراق شمس الربيع وأحال من خضرة الأشجار الجميلة .

ودخل المتفائل حقلا من هذه الحقول ، فلم يدرك تعب هؤلاء الناس ولم يشعر بتلك الروائح الخبيثة ، إذ ان الحجاب محيط بكل جسمه ، وإن كان شفافا رقيقا ، بل سر بذلك المنظر غاية السرور وقال في نفسه : " ما اجمل هذا المنظر ! وما اسعد هؤلاء الناس ! إنهم يقطفون اوراق التوت ويربون بها دود القز ويعيشون بهذا العمل البسيط عيشة رغيدة طيبة كعيشة آبائنا القدماء ، فما اسعدهم ! " ووقف في وسط الحفل ، وبينما هو يري الرجال والنساء يقطفون الأوراق ويضمونها في السلال إذ تدفقت عواطفه

الشعرية من قلبه كتدفق الينبوع ، فغني قائلا :

يالها من سحب خضراء تملأ الحقول ،

يمشي الناس فيها جيئة وذهابا ،

ويقطفونها ويربون بها دود القز ،

فيصنع الدود الحرير جميلا بهيا ،

النساء يرسلن شعورهن على الأكتاف ،

ألسن ملائكة في السحب الخضراء ؟

الرجال ذوو الأجسام القوية والأعضاء الغليظة ،

أليسوا كأبائنا القدماء السعداء ؟

سر الإنسان المتفائل كل السرور وكرر غناء شعره الجديد حتى خيل إليه أن الصور والأنهار تغني معه ، ولو سأل سائل : " أين عالم التفاؤل ؟ " لأجابه سريعا : " إن عالمنا هذا هو عالم التفاؤل ، إذ ليس هنا احد من الناس ولا شىء من الحصى والحشائش والأوراق لايتفاءل بهذا العالم " .

وغادر المتفائل الحقول ، وذهب إلي مدينة ، وكان في هذه المدينة مصنع النسح والغزل ، وهو بناء كبير ذو خمس طبقات ، جميل يجتذب الأنظار ، وحوائطه وجدرانه المبنية بالحجارة البيضاء ملساء لامعة ، ونوافذها المصنوعة من الخشب والزجاج كلها مفتوحة وعلى حافتها أصص الزهور الجميلة ، وأصوات الآلات تخرج من هذه النوافذ مدوية رانية ، وكان كل عمال هدا المصنع نساء ، قد التحقن بالمصنع ليحصلن على النقود ويساعدن بها أزواجهن الذين لا يكفي رزقهم لان يعول أهلهم . أو يساعدن بها آباءهم المتعطلين الذين لا يجدون العمل ، وكان هؤلاء النساء يأتين إلي المصنع صباحا في الساعة السادسة والنصف ويرجعن إلى بيوتهن بعد المغرب ، ويقضين الوقت كله في كد متواصل ، وعند الغداء يأكلن الطعام التافه الذي يجئن به من بيوتهن ، حتى إنهن لا يجدن وقتا يمشطن شعورهن فيه ، أو يغسلن ملابسهن ، ، بل لقد كن لا يستطعن أن يرضعن أولادهن ؛ ولهذا كن إذا اجتمعمن في المصنع

خرجت من اجسامهن رائحة خبيئة كثيفة ، وعلت وجوههن الكآبة ، حتى اصبحن في منظر حزين مؤلم ، وقد انتشرت هذه الرائحة وذلك المنظر داخل المصنع وتسربت من نوافذه وأحاطت به من الخارج ، حتى صار البناء الجميل كانه مدفون في الرمل والطين او كانه غائص في ترعة موحلة .

ودخل الإنسان المتفائل المصنع ، فلم يشعر بالرائحة الخبيثة ولم يحس بالنظر المؤتم ، إذ أن الحجاب كان يحيط بكل جسمه ، وإن كان شفافا رقيقا ، بل تفاءل بكل ما هو أمام عينيه وقال في نفسه : " إن اختراع هذه الآلات لمن سعادة الناس ! انظر إليها ! ما ابدع صنعها ! وما اسرع حركاتها ! وإن هؤلاء النساء لمن السعداء ، لانهن لا يعملن عملا ثقيلا ، بل يرشدن الآلات فقط . " ولما رأي الآلات تدور ، والنساء يعملن ، والقطن يخرج منها غزلا ، تدفقت عواطفه الشعرية كتدفق الينبوع ، فغني قائلا :

إذا أردت أن تعرف فطنة الإنسان فاسمع أصوات الآلات . إذا أردت أن تعرف فطنة الإنسان فانظر دوران الآلات .

هذه الآلات تعطينا الأشياء - الأشياء النافعة نحن نقبل هديتها - الهدية الفاخرة أمدح هؤلاء النساء العاملات يحيط الغزل الأبيض النقي بأجسامهن . مهما كن يعملن عملا خفيفا . فإن الناس يتمتعون بإنتاجهن

سر الإنسان المتفائل كل السرور وكرر غناء شعره الجديد حتي خيل إليه ان عجلات الآلات تغني معه ، وراي النساء يحركن رؤوسهن كأنهن معجبات بشعره وكأنهن يمدحنه ، ولو سأله سائل : " اين عالم التفاؤل ؟ " لأجابه سريعا : " إن هذا المكان هو عالم التفاؤل ايضا ، إذ ليس هنا احد من الناس ولاشىء من الغزل والحديد

والنسيح لا يتفاءل بهذا العالم .

ولما خرج المتفائل من المصنع أقبل عليه جماعة من الناس واكتنفوه وحبوه وهتفوا باسمه هتافا شديدا بصوت مدو كالرعد ، وكان هؤلاء ، الناس يعلمون ان عند المتفائل قطعا كثيرة من الذهب ، وارادوا ان يستخرجوها منه كي يشربوا بها الخمر ويدخنوا المخدرات فأتوه ، ولكن المتفائل كأن لا يعرف حقيقتهم إذ ان الحجاب تححب جسمه

فقال له واحد من هؤلاء مبتسما : " إن حضرتك تعتقد أن كل هذا العالم خير وسعادة وأن كل الناس يتفاءلون به ، ونحن نعتقد كذلك ، إذا فلا بد لنا من أن نبني برجا لذكري التفاؤل ، فهل توافقنا ؟ "

فقال الإنسان المتفائل مكررا : " أوافق ! أوافق ! " اخرج الذهب كله من جيبه واعطاهم إياه ، فأخذوه وهتفوا باسمه ، ثم انصرفوا وقسموا الذهب على انفسهم واشتروا الخمر والمخدرات يشربون ويدخنون . وأما المتفائل فقد سر إلي حد الجنون بفعله هذا ورجع إلي بيته وظن أن هؤلاء الناس أخذوا الذهب وبنوا به البرج الجميل المرتفع ، حتى إذا تم البناء عملوا حفلة كبيرة لإزاحة الستار عنه ، ودعوه إليها ليعترفوا بفضله ؛ وفي تلك الليلة سمعته زوجته يصيح في المنام صياحا عاليا ويضحك ضحكا شديدا شديدا

هذه قصة الإنسان المتفائل في يوم واحد ، وقد عاش في كل حياته على هذا النسق .

وذات يوم روي الناس أنه مات . أما بأي مرض مات فلا يعرفون ثم قيل " إنه لم يصبه مرض ، وإنما قتله إله من آلهة الشر ، وكان هذا الإله لا يريد ان يبقى إنسان متفائل في هذا العالم ، فطاف في الأرض وبحث عنه ، ولما وجد هذا المتفائل طعنه بسلاح من سحره أصاب حجابه الشفاف الرقيق ، فمات في الحال " .

اشترك في نشرتنا البريدية