الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 340الرجوع إلى "الثقافة"

من قصص الأطفال الصيفية :، البلبل

Share

سكن بلبل قفصا من النحاس الأصغر ، كانت أسلاكه تعكس أشعة الشمس حين تطلع وميضا يخطف البصر ، فيتألق بالبريق كما يتألق قصر الملك بين الأضواء ، وفى ركن منه فنجان من الأحجار الكريمة الخضراء لوضع الماء الذي يشرب منه ، يشف صفاء لون اناء ونقاؤه عن صفاء لون الفنجان ، وآخر من العقيق لوضع الحبوب التى تشبه حبوب العقيق الصغير ، وثلاثة عيدان عاجية ، يقف عليها إذا أراد أن يستريح ، وأما خارج القفص فقد أحيط بستار من الحرير الناعم يمد روافه عليه ليلا .

وكان ذلك البلبل غزير الريش الناعم المرتب فى استرساله فلم تكن فيه ريشة مفلفلة ، ولا خلا موضع ريشة لسقوطها ، إذ أنه كان يأكل أكلا لذيذا جيدا ، ويستحم فى كل يوم ، ويحيى حياة رغدة فرحا مسرورا ، كلما ملأ حوصلته بالأكل اللذيذ ونضح جسمه بالماء النقى أخذ يمرح فى أرجاء القفص ، فتارة يقف على عود العاج فى جانب القفص الأيمن ، ومرة يقف على العود الآخر فى وسطه ، وأحيانا يقف على الأسلاك ، وكلما وقف فى مكان من هذه الأماكن صفق بجناحيه وأدار رأسه يمينا وشمالا ونظر حوله بخفة وظرف ، ثم لا يلبث أن يعاود طيرانه ورقصه .

واستطاع البلبل بصوته الرقيق الناعم أن يغنى غناء جميلا رائعا ، إذا سمعته شعرت بنشوة وسرور ، كما لو شربت خمرا ، فتركتك فى حالة طرب وبهجة . وكان صاحبه يجلب له الماء من عين فى الجبل ، ويغسل الحبوب وينتقى منها الحب السمين المستدير وينقى عنها الحصا والتراب ثم يقدمها

له ، وما تعب صاحبه من أجله هذا التعب وأسكنه فى هذا القفص الذى أشبه القصر إلا لأنه أحب غناءه الذى يسره ويطربه غاية السرور ونهاية الطرب كلما سمعه .

فلما أدرك البلبل أن صاحبه يحبه ويحب غناءه غنى له بدون انقطاع ، حتى تعب تعبا شديدا ، وكان لا يرى فى غنائه شيئا جديرا بإعجاب أو حب ، فعجب لحب صاحبه الجم وإعزازه إياه ، ففكر كثيرا ولكن بدون جدوى ، فلم يعرف لذلك سببا . وكان صاحبه يدعو أصدقاءه ، وصديقاته أحيانا ليسمعوا تغريد بلبله قائلا لهم : " إن عندى بلبلا جميلا ظريفا ، وأحب أن أدعوكم إليه لتسمعوا غناءه " . فيحضرون ويسمعون فى طرب وارتياح ، ولكن البلبل يعجب ويقول فى نفسه : " إنى أرى أن غنائى ليس خليقا بإعجاب ولا جديرا بحب أبدا ، فكيف أعجبوا به كما أعجب صاحبى ؟ " وأراد أن لا يغنى بعد ذلك ، ولكن وجود أصدقاء صاحبه وصديقاته جعله يرجع عن رأيه احتراما لهم واتقاء لغضب صاحبه من أجلهم ، فغنى لهم كثيرا .

ومر الزمن يوما بعد يوم ، والبلبل فى نفسه مرح فرح ، يعيش عيشة سعيدة ، ويغنى لصاحبه ولأصدقائه بدون توان ، ولكنه لا يفهم سر إعجابهم من غنائه الذى لم ير فيه موجبا للإعجاب .

وسيطر الشك على البلبل من أجل ذلك ، وعزم على أن يحاول معرفة سبب هذا الإعجاب . وذات يوم فتح صاحبه باب القفص وقدم له الحبوب الجديدة والماء الصافى ، ثم انصرف ونسى أن يغلق الباب ، فخرج البلبل من القفص وطار إلى سطح البيت ، فلم يلبث أن دهش لما حوله من مشاهد كمشاهد الجنة : فى السماء الزرقاء طفت السحب البيضاء ، كأشرعة السفر الصغيرة ، وتحركت أطراف الصفصاف الخضراء حركة خفيفة جميلة ، وابتسمت زهور المشمش الحمراء للنسيم ابتسامة جذابة ، وأحاط الضباب الخفيف الأبيض بالجبال البعيدة ، فصارت كأنها فى سبات

عميق ، وتعجب البلبل من هذه المناظر الجميلة ، فطار راقصا فى الهواء زمنا طويلا .

ونسى قفصه وعزم على أن يغادر سطح البيت ففتح جناحيه وشرع طائرا فى رحلة طويلة . وبعد أن مر فوق السهول الخضراء السندسية ، ونهر بانجتس الهائل . والأودية الرملية الواسعة ، والنهر الأصفر ذو الماء العكر لما خالطه من الطين ، بلغ مدينة من المدن ، وكان قد أنهكه الثعب ، وأراد أن يستريح فجمع جناحيه ونزل إليها ووقف على باب قلعتها ثم اطل على شوارعها ، فظهر كل شىء أمامه واضحا جليا .

رأى البليل فى هذه المدينة منظرا عجيبا ، فهذه شوارعها وفيها آلات(1) كثيرة جدا ، على جانبى كل منها عجلتان ، قد جلس فى كل واحدة رجل وجره آخر يعدو سريعا كالطائرة جيئة وذهابا ، فقال فى نفسه : " أليست لهؤلاء الحجلسين على هذه الآلات أرجل فلا يستطيعون أن يمشوا بأنفسهم ؟ وإلا فلماذا استعان كل واحد من هؤلاء ، الناس بآخر يجره ؟ إذ لن يستقيم الرأى على أن خمسين فى المائة من الناس مثلا يعملون ويتعبون والخمسون الباقون لا يعملون شيئا ! " ولكنه لما دقق النظر فى الحالسين وجد أن لهم أرجلا تحت معاطفهم تلبس الأحذية السوداء اللامعة ، فقال : " ما دامت لهم أرجل فلماذا جلسوا على هذه الآلات ولم يمشوا بأنفسهم وتركوا الناس الآخرين يجرون بهم ؟ " وأطال التفكير فلم يعرف لذلك سببا .

فقال : " لعل هؤلاء الناس الذين يجرون الآلات برضون من ذلك العمل ويسرون منه ؟ " ولكنه لما نظر بدقة أكثر شعر بأنه مخطىء فى تقديره ذلك ، إذ رأى أن هؤلاء العدائين بتلك الآلات أجهدوا أنفسهم للعدو ، حتى سال العرق من جباههم كثيرا ، فصارت كأنها أغطية قدور الطعام التى ملأها البخار ، وانتفخت وجوههم

واحمرت وصارت مخيفة ، وعدوا حانين ظهورهم ، دافعين رءوسهم إلى الأمام مرة بعد مرة ، ويرفعونها أحيانا ليتنفسوا ، ولا تكاد أطراف أصابع أرجلهم تلمس الأرض حتى ترفع عنها بسرعة لشدة عدوهم ، وعند ما يشير لهم الجالسون إلى الشمال أو إلى اليمين يوقفون أرجلهم ويديرونها بخفة إلى الشمال أو اليمين ، وهكذا يعدون ويتعبون لأجل غيرهم ، عندئذ ادرك البلبل وقال : " إن هؤلاء العدائين يعدون ويتعبون لأجل غيرهم ، وأما هم أنفسهم فلا يرضون عن هذا العدو وذاك التعب ولا يسرون لهما البتة " .

وحزن حزنا شديدا وغنى رثاء لهؤلاء المساكين الذين يجهدون أنفسهم من أجل غيرهم ويعملون عملا ليس فيه فرح أو سرور .

ولم يرض البلبل عن منظر هؤلاء المساكين ، فأراد أن يذهب إلى مكان آخر ، فطار إلى بيت ووقف على شرفته التى غطيت جوانبها بطلاء أخضر ، وعندما نظر إلى داخل حجرة من حجراته وجد أصحاب البيت قد لبسوا ثيانا جميلة فاخرة ، واجتمعوا حول موائد قد فرشت عليها الأقمشة البيضاء الناصعة ، ووضعت عليها الملاقط والملاعق اللامعة ، والكؤوس الزجاجية البديعة الشكل ، وصحاف الخزف الصينى المزخرفة ، وآنية الورود الظريفة عمرت بشتى الزهور من شتى الألوان ، ورأى أن أولئك الناس جميعهم ذوو وجوه لامعة ظهر فى قسماتها الكبر والاغتباط . ولفت نظره حركة فى إحدي الحجرات فى الطابق الأسفل من البيت ، فنظر فرأى أن الحال فيها خلاف الحال فى الحجرة الأولى التى أمام الشرفة ، إذ رأى فيها أجسام السمك قد قطعت أنصافا وعلقت على الحائط ، واللحوم المفرومة وبراغيث البحر(1) المقشورة ، وأجسام الدجاج والبط المقطعة ، والقصاع والجفان والصحاف على

اختلاف أنواعها بجانب ، والدلاء التى امتلأت بالمياه النقية والقذرة وأوانى الملح والزيت والخل بجوار الحطب والفحم ، وكل هذه الأشياء قد تبعثرت فى الحجرة بدون ترتيب . ورأى فيها رجالا يطبخون ، وقد اختلطت القذارة بالزيت على أجسامهم ، وصدت الروائح المنتنة تنفسهم ، وغلى الزيت فى القدور وارتفع فورانه حتى كادت أيديهم أن تدخل فيه ، وخرجت ألسنة النار من تحت القدور تلسع أعضاءهم فتحرقها ، ولما نضج الطعام وضعوه فى الصحاف ، وهنا أقبل خادم يلبس ثيابا بيضاء احتمله إلى الحجرة التى يجلس فيها ذوو الوجوه اللامعة ، ووضعه على الموائد ، فتحركت الملاقط والملاعق ، وهى تلمع صاعدة نازلة بين أفواههم والصحاف ، وأخذوا يأكلون بشهية ولذة .

فقال البلبل فى نفسه : " لماذا أدفأ أولئك الناس أجسامهم بالنار فى الطابق الأسفل طول اليوم ؟ هل أصابهم مرض أم يشعرون براحة فى هذا المكان ويسرون من ذلك العمل ؟ " ولكنه لما فكر كثيرا شعر بأنه مخطىء فى تقديره ، لأن أولئك الناس إن كانوا يشعرون بالبرد فلماذا لم يدفئوا أجسامهم بالنار فى بيوتهم ؟ وإن كانوا يشعرون براحة هنا ويسرون من ذلك العمل فلماذا لم يأخذوا الطعام الذى صنعوه ويأكلوه ؟ ولو كانوا كذلك لظهر الفرح والسرور على وجوههم ولاغتبطوا لذلك العمل ، ولكنهم لما طهوا الطعام كانوا عابسى الوجوه ، وذلك بعد أن جاءهم الأمر من الخادم ذى الثياب البيضاء ، فعرف البلبل أنهم يعملون لأمر الخادم ليتمتع غيرهم بالطعام اللذيذ وهم لا يعرفون معنى للراحة من العمل أو السرور من الحياة

وحزن حزنا شديدا وغنى رثاء لهؤلاء المساكين الذين يعملون كأنهم آلة للطهو ويجهدون أنفسهم ليتمتع غيرهم بالطعام اللذيذ ولا يشعرون براحة ولا سرور .

ولم يرض البلبل عن بقائه فى هذا الكان ورؤية هؤلاء المساكين ، وأراد أن يذهب إلى مكان آخر ، فطار فوق

المدينة ، ومر بزقاق منحن خال من الضوضاء ، فسمع من أحد بيوته صوت رباب وفتاة تغنى ، فحط على سطح البيت ، تم نظر من مسقط الضوء الزجاجى إلى داخل البيت ، فرأى رجلا أسمر طويل القامة يعزف بالرباب ، وفتاة تناهز الثانية عشرة أو الثالثة عشرة من عمرها تغنى مع الرباب ، فقال فى نفسه : " ما أسعد هذين الشخصين ! أحدهما يعزف والآخر يغنى ، إنهما يعرفان فنون الموسيقى والغناء ويتمتعان بها ، فما أعظم ذلك ! " ودقق سمعه فى الموسيقى والغناء . فوجد أن الواقع لا يوافقه على تقديره ذلك ، فقد كانت الفتاة تغنى فى تحامل وتكلف ، كلما أجهدت نفسها فى الغناء أحمر وجهها ، وتجعد جبينها ، وانتفخت أوداجها ، وأخذ صدرها يعلو ويهبط ، واندفع الصوت من فيها شديدا كتدفق الماء حتى كاد أن ينقطع نفسها ثم حشرج ، فثار الرجل وصاح قائلا : " أعيدى هذا الصوت مرة أخرى وأحسنيه ! فإن الناس لا يعجبون لهذه الحشرجة ! " فلما انتهى من كلامه كانت الفتاة فى حالة فزع ورعب ، فابتدأت تعهد الصوت ، وأجهدت نفسها فى ضغطه كى لا يحشرج مرة أخرى ، فاستحالت حمرة وجهها زرقة كلون البنفسج حتى صار مظهرها كمظهر الباكية .

قفهم البليل الحقيقة وقال : " إن هذه الفتاة تغنى ليطرب غيرها ، وأما هى فلا تريد أن تتعب مثل هذا التعب الضنى ، ولا تطرب لذلك الغناء المتكلف ، وكم ودت أن تستريح قليلا ولكنها لا تملك ذلك ، إذ يجب عليها أن تحفظ الصوت حتى تجيده لتغنيه أمام الناس ، قد يكون وقت التمرين غير قصير ؟ ولكن الرجل يكرهها على التمرين كى تسمع الناس ، وأخذ يعزف على الرباب هو الآخر ، حتى يجيد ويعزف للناس أيضا ، فهم يحبون أن يسمعوا الموسيقى والغناء ، لذلك لم يعرف الرجل والفتاة طعم الراحة أو معنى السرور " .

تأثر البلبل لذلك فغنى رثاء لحظ هذين الشخصين

الذين يتحاملان على نفسيهما ويتكلفان الغناء والعزف ليطرب الناس ، ولا ينعمان براحة ولا يلتذان بسرور .

وتأمل الليل فيما رأى فشعر بأن حياته وحياتهم صنوان فى البؤس ، وإلفان فى الشفاء ، فعزم على أن لا يرجع إلى صاحبه ، وزهد فى سكنى القفص النحاسى الذى يشبه القصر ، كان يغنى لصاحبه ولأصدقائه وصديقاته بدون راحة ، ويتعب نفسه بدون رضى عن الغناء ، وكان يظن أن حياته هى منتهى السعادة وغاية الرغد ، ولكنه أدرك الآن أنه مثل هؤلاء المساكين ، فخزن لهم ولنفسه ، وبكى كثيرا فسالت الدموع من عينيه كأنه الطائر الباكى " دوجيان "(1) .

ورحل البلبل إلى واد بعيد عن القرى والمدن ، وسكن فوق شجرة عالية من أشجاره ذوات الأشواك ، إذا جاع اغتذى من حشائش الوادى أو ثمر شجره ، وإذا أراد الاستحمام ذهب إلى ترعة هناك واستحم فى أحد جوانبها ، وعندما يأتى النهار يطير فى الهواء حرا نشيطا لا حبيسا فى القفص ، وإذا تعب حط فى أى مكان يريد وأخذ قسطه من الراحة ، وكلما رأى ما يحزنه صدح بالغناء ليزيل الألم عن قلبه . والعجيب أنه يسر بذلك الغناء ويواسى قلبه ، بل إنه لا يملك صبرا عن ترديده ، حتى إنه ليشعر بانقباض القلب وضيق النفس إذا توانى عن الغناء قليلا ، فإذا غنى انشرح صدره وانبسطت أسارير نفسه ؛ وعرف معنى الناء ولذته .

أفعمت الدنيا بالآلام والأحزان فى المدن والقرى ، والجبال والوهاد ، والأكواخ والقصور . ولما رآها البلبل أدركه التأثر واستولى عليه الحزن ، فغنى حزينا يرثى

المتألمين ويفرج كرب قلبه لا ليطرب الناس ويسرهم .

ولما سمع تغريده العامل المجهد ، والغلاح المكدود ، والغزالة المسكينة التى تشتغل طول يومها ، والعداء الذى يجر العربة حتى ينقطع نفسه لشدة الجرى ، والبقرة العجفاء التى تعرى جلدها من الوبر ، والحمار النحيف الذى ظهرت عظامه من تحت جلده ، والقردة التى تمثل أمام الناس ، والحمامة الزاجلة ، و ...... سروا به سرورا كبيرا

وسلوا عن أنفسهم ، ونسوا حزنهم وشقاوتهم ، ورفعوا رءوسهم جميعا ، وقد علت الابتسامة وجوههم وانشرحت للتغريد صدورهم ، وصاحوا قائلين بأصوات رفاق : " يا له من صوت جميل ! ويا له من بلبل ظريف ! " .

اشترك في نشرتنا البريدية