في هذا النهر الجميل الساكن يقطن السمك وعندما يأتي النهار ترسل الشمس أشعتها الذهبية على أمواجه الدقيقة الرقيقة فتظهر كأنها الحرير الهندي ، وحين يقبل الليل ، يسطع نور القمر الفضي ومن حوله النجوم المضيئة كأنها ألماس ، وتغمر أضواؤء الهادئة كل شئ فوق النهر أو على شاطئه ، فينام نوما آمنا ملؤه الأحلام اللذيذة ، وتحت تلك الحريرة الهندية ، ونور القمر ذلك الفائر ، واضواء النجوم المتلألئة ، يعيش السمك كباره وصغاره - عيشة ناعمة مفعمة بالآحلام الحلوة .
لم يدرك السمك في هذا النهر الأهوال ولم يهرب منها أو يحذرها ، من أجل ذلك لم يفهم معانيها ، وأخذ يتجول في النهر عائما ، صاعدا هابطا ، مقبلا مدبرا ، كما يتجول الناس
في الحدائق ، يغمره الفرح ويعمه السرور وكم من مرة لعبت الأسماك حول النبات المائي ، فهي تحرك زعانفها وتهز ذيولها ، وتسرع في السباحة ، حتى تدخل ورقة في فم سمك فتذهب بها إلى القاع ويجيء غيرها إلي مكانها ؛ وتصطدم الرءوس بعضها ببعض ، وتتلاطم الذيول وتضطرب الزعانف ، فيرمين الورقة في القاع فيتسابقن إليها واحدة واحدة ، حينئذ تعلو الأصوات ويظهر الزبد الكبير على وجه الماء وما تنقضي برهة حبي يذهب الزبد وتتلاشي الأصوات ، ويعود السمك فيسبح في هدوء والنهر ساكن فاذا نظرت إلي الماء ما ظننت به سمكا ! تلك كانت عيشة السمك .
وكان للسمك أصدقاء من طيور الشاطئ تسكن الحشائش على جانبيه ، كالحجل والفاق وغيرهما ؛ وتستطيع تلك الطيور أن تسبح في البر كالزوارق الصغيرة . فتذهب إلي الماء تزور السمك ، ويذهب السمك إلى الحشائش بزورها ، فتقص على السمك القصص الظريف ، أو يغنيها السمك غناء رائعا ، ولعلهما قد يرقصان رقصة جميلة ، إذ كل يوم عندهما الحفلات الفاخرة ، سعدت بها حياتهما .
من أجل ذلك حسن ظن السمك بالحياة ، واعتقد أن كل أرض يسطع بها نور الشمس ويشرق عليها نور القمر والنجوم يضارع نهره ، فيها العيشة السعيدة ، والأصدقاء المخلصون كاصدقائه ، وحفلات فاخرة تقام كل يوم كحفلاته . وتحدثت كبار السمك باعتقادها على مسمع من صغاره ، فأجاب الصغار :
" إننا نعيش هنا عيشة سعيدة ، لذلك نعتقد ان كل أرض توجد فيها انوار الشمس واضواء القمر والنجوم مثل نهرنا ، هانئة بعيشتها ، ما اسعد هذا العالم وما اسعدنا ؟ "
وأصبحت هذه الكلمات أنشودة السمك ، فعندما تغرب الشمس وتغني خفاف الرياح ، ويبزغ القمر وتشرق
النجوم ، ويكون النهر عند المساء كجنة عدن ، يردد السمك أنشودته الجميلة فرحا بحياته السعيدة .
وذات يوم جاء النهر زورق صغير ، لم يستغربه السمك ، لأن البنين والبنات كانت تركب الزوارق كل يوم تقريبا وتمر به ، يحملون الخبز والكعك وينادونه بأصوات رقاق : " أيها السمك ، تعال نطعمك خبزا وكعكا فعندنا أكل كثير ، تعال يا سمك تعال
ويعوم السمك إلي وجه الماء يأكل الخبز والكعك ويلعب مع البنين والبنات . فلما اتي هذا الزورق ظنه من زوارقهم فسبح إلي وجه الماء فرحا مغتبطا كعادته
ولم يجد السمك في الزورق البنين والبنات ، وإنما وجد رجلا يدفعه بالمجداف ، وقد وقفت فيه بضعة عشر من طير القاف ترفع رؤوسها إلى السماء ، فقال السمك في نفسه ؛ لعل هذه القاف اخوات اصدقائنا التى تسكن الحشائش ، وربما أحبت الصداقة كما تحب أخواتها ، وتلك أول مرة تمر بنهرنا ، فيجب علينا أن ندعوها ونكرمها ؛ فناداها بتعظيم :
" أيتها الأصدقاء الغرباء ، قلما أتيتن إلي هنا ، فتعالين استرحن عندنا ، فإن لنا اصدقاء مخلصين اخواتكن اللاتى يسكن الحشائش تعالين نتصادق ونخلص الصداقة ، وانزلن في الماء نلعب معا ونمرح " !
وعند ما وجه السمك دعوته المخلصة إلي القاف رفع رؤوسه ينتظر نزولها إلي الماء .
ولبت القاف دعوة السمك ، فنظرت إلي الماء وبسطت أجنحتها ونزلت كلها فيه ، ولكنها أمسكت السمك بأفواهها ، ثم رجعت إلي الزورق ورمته في طست خشبى . وهاج النهر واضطرب ، وارتفعت الامواج بالضوضاء ، وعرف السمك الهول والرعب ، واحس بالهلع والفزع لأول مرة في حياته ، فهرب إلى قاع النهر ، بل اختبأ
في الطين ؛ وعرف انه يجب ان يترقب في أي وقت عودة هاته الضيوف المتوحشة وان يحذرها
وبعد برهة ذهب الزورق وعاد الهدوء ، وسكن وجه الماء وانقطع تطاير الزبد ، حتى كأن النهر لم يحدث به شئ ، غير ان قلوب السمك ما زالت تستشعر الخوف والرعب ، وقد أحست بفقدان كثير من اخواتها ، فبكى بكاء مرا على فراق اخواته العزيزات ومخافة ان تعود هاته الضيوف المتوحشة مرة ثانية لخطف السمك كله ولم يكن السمك يعتقد ان هاته الوحوش التي تشبه اصدقاءه لصوص ، فتساءل : لماذا وجدت هاته الوحوش في العالم ! وتمت عنده فكرة جديدة ، لانه ظن ان النهر اخذ يتغير الآن ويشابه جهنما ؛ إذن كل مكان تشرق عليه الشمس وتسطع به أنوار القمر والنجوم ، هاديء الظاهر لكن باطنه يحكى جهنما ، مثلما حدث في نهره . واعتقد كل السمك هذا الاعتقاد ، فقال جميعا ؛
" حقا ، إن نهرنا يتغير الآن ويصبر كجنهم ، وإلا فلماذا اختطفت الوحوش أخواتنا مع ترحيبنا بها واستقبالنا لها بالإخلاص ؟ وإذا نظرنا إلي تغير هذا النهر فربما كان العالم قد تغير قلبه ، واصبحنا نعيش في عالم مخيف ، ما اشقانا ! "
وأصبح السمك وهذه الكلمات أنشودته الحزينة
ولنعد الآن إلى السمك الذي يرقد في الطست الخشبي نري في الطست ماء قليلا يبلغ أنصاف أجسام السمك فقط ، وكان السمك قد اغمي عليه حين امسكت به طيور الفاق من شدة رعبه ؛ وبعد وقت قصير افاق من غشيته فشعر بالتعب والالم ونظر بعين واحدة إلى السماء ، ووجد الدنيا تغيرت ، وحاول ان يعوم فأخذ يحرك زعانفه وذيوله ولم تفده الحركة شيئا ، لان جسمه لا يزال ملتصقا بقاع الطست ، فحزن أشد الحزن ، وقال في نفسه : كيف اصبحنا في هذه الحال السيئة ؟ واين نحن الآن ؟ لا نري إلا السور
الخشبى واخواتنا الراقدات بجوارنا ! فسأل بعضه بعضا قائلا :
" هل تعرف أين نحن الآن ؟ وهل تري منظرا آخر ؟ إن رأيت أو فهمت أكثر تستطيع أن تقدر هذا المكان الذي نحن فيه الآن .
وكاد الجواب أن يكون واحدا :
" لا إني مثلك ، لا اعرف في أي مكان نحن الآن ، فكيف أجيبك ؟ ولا أري إلا السور الخشببي واخواتنا الراقدات ؟
" إن هذا المكان لعجيب ! لا نجد فيه إلا ماء قليلا ، وها هو السور الخشبى يحيط بنا ، حتى لا يمكننا أن نتحرك ، ويحتمل الا نرجع إلي وطننا العزيز ونري أخواتنا المحبوبات ، وربما متنا هنا ! " . قالت هذا الكلام سمكة ، ثم زفرت زفرة طويلة جافة ، إذ لم تجد ماء كافيا منذ وقت طويل
واشتد التعب بسمكة صغيرة ، فأغمضت عينها الباقية وقالت : " على كل حال لا أفهم لماذا جئنا هذا المكان العجيب ! هل نحن في عالم الأحلام ؟ "
وحركت سمكة طويلة ذيلها كأنها تنذر أخواتها وقالت :
لقد تذكرت ، فهل تذكرتن ان زورقا صغيرا جاء نهرنا وعليه ضيوف مثل اصدقائنا اللاتي يمكثن في الحشائش ، فرحبنا بها ودعوناها إلينا ، فنزلت في الماء . ولما أمسكتني إحداها بفمها ذهب رشدي وأغمى علي ، فربما كانت تدعونا إلي هذا المكان العجيب " !
فقالت السمكة الصغيرة : " إذن ، نكون في عالم الأحلام بالتأكيد ، لأننا رحبنا بالضيوف ودعوناها بإخلاص ، ولكنها جلبتنا إلي هذا المكان العجيب ؟ هذا أمر غير معقول " .
فقالت سمكة أخري بصوت حزين :
" هل نحن في عالم الآحلام أو في غيره ليس امرا مهما ، وإنما يهمنا جفاف أجسامنا الآن وتعبنا وألمنا . فيجب علينا أن نفكر فيما يخفف التعب ويزيل الألم "
" لو كسرنا السور الخشبى "
" لو جئنا بالماء من النهر "
" لو صبرنا على الوجود في هذا المكان مع عدم وجود الراحة ) " .
قالت هذه الجمل بعض الأسماك ، ولكن البعض الآخر ردها في الحال بالجمل الآخرى .
إن أجسامنا لا تستطيع الحركة فكيف نكسر السور ؟ "
" نعم ، إن الماء يفيدنا ، ولكن من يقدر علي الإتيان به ؟ " .
" ولو أمكننا أن نصبر على الوجود في هذا المكان ما خفنا شيئا ، ولكن لن نجد الماء وسنموت عطاشا "
حاولت كل الأسماك أن تنتقل من المكان الذي هي فيه قليلا ؛ فحركت زعانفها وضربت بذيولها ، ولكنها لم تستطع شيئا ، فزفرت زفرة طويلة ، ولم تر عيونها التي التصقت بقاع الطست إلا الظلمة ، وما رأت عيونها الأخرى إلا السور الخشبي وأخواتها المسكينة
فقالت سمكة : " قد مرت الضيوف بوطننا العزيز مرات ، وقد رحبنا بها كل مرة ، فمن يدري اننا خدعنا هذه المرة ؟ "
وقالت أخري : " ليس هذا ذنبنا ، لأن هاتيك اللصوص المتوحشة من أخوات أصدقائنا اللاتي يمكثن في الحشائش ! وكنا نظن أنها كأخواتها مستأنسة مخلصة تقبل ترحيبنا ، ومن يدري ان نفوسها قد تغيرت ومالت إلى الوحشية ، وليست مثل اخواتها ؟ "
وقالت أخري : " ما فائدة بقائنا هنا ؟ أو ليس الجدير بها أن تكرمنا كالضيوف ونعظمها كالمضيفين ؟ "
وقالت اخرى : " وجود هؤلاء المتوحشين في هذا العالم أليس عيبا عليه ؟ وقد مدحناه من قبل ، وظننا انه لا يحوي إلا فرحا وسرورا ، ونحن الآن لا نجد به إلا الألم والبؤس ؟ إذن يجب أن نلعنه "
وقالت أخري : " نعم ، يجب علينا أن نلعنه ! إننا أسماك صغار ، وإن اصواتنا ضئيلة ، ولكن صياحنا يستطيع أن يجعل عواصف العالم تثور وتقضي على كل الآلام والأحزان ! "
وقالت أخري : " نعم نعم ، لا نستطيع الآن إلا أن نلعن ، فلنلعن هذا السور الخشبي الذي جعلنا نعجز عن رؤية الأشياء الخارجية ! ولنلعن هاته اللصوص التى لم تقبل ترحيبنا وخدعتنا ! ولنلعن أيضا هذا العالم الذي فيه هذا السور وهاتيك اللصوص ! " .
شغلت الأسماك اللعنة ، ولم تحاول أن تتحرك لتغادر هذا المكان ، وتخللت اصوات لعنتها الزفرات الطويلة . ولم تفكر في بقائها فيما يهددها بالموت عطشا وجفافا .
مكثت الأسماك على هذا مدة طويلة ، وإذا بها تري نفسها قد شعرت بالرطوبة حول اجسامها ، وادركت أنها لم تمت عطشا ، بل هذا الماء يحيط بها ، إن هذا لغريب تري هل ندمت اللصوص على تركها في الطست بدون سبب واتتها بالماء لإنقاذها ؟ او انكسر السور الخشبي ودخل الماء الذي حوله ؟ ولكن سمكة صغيرة أدركت بذكائها حقيقة الأمر ؛ فقالت لأخواتها :
هذا مستحيل ؛ كيف يساعدنا هؤلاء اللصوص ؟ بل كيف ينكسر السور الخشبى بنفسه ؟ تلك دموعنا خرجت من قلوبنا إلى عيوننا ، ثم تقاطرت في الطست حتى امتلأت فأنقذتنا من الموت والعطش "
وسمعت الأسماك قول اختها ، وعرفت ان الماء الذي
حولها إنما هو من دموعها بالتأكيد ، ورأت انها تنجو من الموت بدموعها ، وتنقذ حياتها بنفسها ؛ فعلمت ان العالم الذي يستحق اللعنة قد يوجد فيه قليل الخير مع قليل الفرح والسعادة ؛ وادركها تأثر شديد ، فسالت دموعها كتدفق الينابيع .
واستطاعت الأسماك أن تتحرك بعد رقادها ، وها هي تذهب وتجيء ، وتعوم في الماء الذي حولها .
وسالت الدموع بلا انقطاع حتى ملأت الطست وفاضت عنه ، ونزلت في الزورق حتى ملأته ، فعام الطست على الدمع ، ومال الزورق إلى جانبه قليلا فاندفع الطست إلى النهر
وعامت الأسماك بسرعة بعد الرقاد الطويل ، ووجدت الماء ، من جديد ، ولكنها لم تستطع ان تتخطي السور ، فحزنت مرة ثانية . وقفزت سمكة من الطست فسقطت في النهر ، ووجدت الأمواج الدقيقة الرقيقة تحيط بها كانها الحرير الهندي ، فأدركت انه وطنها العزيز فغمرها الفرح ، ولم تطق أن صاحت بأخواتها قائلة :
" اقفزن من هذا السور الملعون ! فهذا وطنكن وافرحتاه ! أنا الآن في الوطن ؛ "
ولما سمعت الأسماك في الطست كلامها قفزن سراعا متتابعات ، حتى لم يبق في الطست إلا الماء ، قطغا على وجه النهر وجري في تياره إلي مكان مجهول .
وخرجت الأسماك من قاع النهر تستقبل أخواتها التي نجت من الموت ، واقبلت طيور الحجل والفاق التى تمكث في الحشائش إلى النهر تؤانس صديقاتها المخلصات ، وسالت دموع من عيونها سيلانا ، لهذا ظل الماء في النهر لا ينضب !

