ما أجمل زهور الأقحوان تحت شجرة الصفصاف الخضراء ! كانت كالنجوم ترسل أشعتها الذهبية فوق الأرض لامعة ، وهبت الريح تداعبها وتدفعها وتحركها بلا انقطاع ، فتحركت الزهور حركة خفيفة كأنها خجلت من تلك المداعبة ، وسرت الريح بشكلها الخجول فلم ترض التوقف عن دفعها وتحريكها ، وتعبت الزهور من ذلك تعبا شديدا .
وبجوار زهور الأقحوان رقد حيوان صغير ، قد فتح فمه الأصفر ينتظر قبلة أمه الحارة . ولكن الأم لم تأته ، فحزن وصاح . كان هذا الحيوان الصغير جميلا ظريفا ، على جسمه ريش ذهبى لامع ، وفى عنقه عقد أحمر ، ولكنه مسكين لأنه جريح قد سال على ظهره الدم .
ولم يكن هذا الحيوان الصغير يعرف أن فى هذه الدنيا شرا وألما ، فكيف يحذرهما ويدفعهما عن نفسه ؟ عندما أصبح الصباح استيقظ من النوم وغنى أناشيد الصباحية وقبل أٌمه وضحك قائلا لها : (( إنى أريد أن أرى مناظر الربيع الجميلة ، وأسمع أغنية جيراننا الرائعة ، فهل تسمحين لى بأن أخرج وأتنزه قليلا يا أمى العزيزة؟ ))
وأذنت الأم له بأن يخرج ، وقبلت عنقه الأحمر قائلة : (( اخرج مع سلامة الله يا حببيى! ))
فخرج الحيوان من البيت ، وسمع فى طريقه نجوى الأنهار الجارية . ورأى ابتسامات الأزهار الخفيفة . ووقف على قمة التل الصغير يغنى أناشيده ، واستحم فى جانب الترعة الجميلة الجذابة ، ثم شعر بتعب وأراد أن
يستريح قليلا فوقف على فرع من فروع الصفصاف الخضراء .
وفجأة أصابت ذلك الحيوان حصاة من الطين وسط ظهره ، وهو لا يعرف مصدرها ، فشعر بألم وسقط من فرع الصفصاف إلى الأرض بجوار الأقحوان ، وقلب ريشه بمنقاره الصغير فوجد شيئا أحمر يبلل ظهره فعرف أنه دم فزاد ألله وبكى وصاح قائلا : (( أين أنت يا أمى العزيزة ؟ لقد جرح حبيبك ! أين أنت يا أمى العزيزة ؟ ))
ولكن الأم فى مكان بعيد لا تستطيع أن تسمع بكاءه! ولما سمعت شجرة الصفصاف الخضراء بكاءه واسته قائلة : (( يا صغيرى المسكين . لقد جرحت ! هل تظن أن لا يكون فى هذه الدنيا ألم ولا شر ! أين أمك ؟ لو لم تكن يدى لينة ضعيفة كنت أساعدك .))
وسمع ماء الترعة بكاءه فواساه قائلا : (( أيها الصديق الصغير . لقد جرحت ! هل تظن أن لا يكون فى هذه الدنيا ألم ولا شر ! أين أمك ؟ لو لم تكن الشواطئ تحيط بى وتحجزنى كنت أغسل جرحك .))
ولما سمعت النحلة بكاءه واسته قائلة : (( أيها الصديق العزيز لقد جرحت ! هل تظن أن لا يكون فى هذه الدنيا ألم ولا شر ! أين أمك ؟ لو لم يكن جناحاى ضعيفتين رقيقتين كنت أحملك إلى منزلك . ))
وأما الأقحوان الذى يرقد بجواره فقد سمع بكاءه عن قريب ، فأشفق عليه وواساه قائلا : (( يا صغيرى الجميل ! لا تبك ! إن أمك ستأتى ههنا ، فاسترح عندى قليلا ، إنى أحفظك وأمرضك ، فاهدأ ولا تبك .))
ولما سمع الحيوان الصغير هذه الكلمات الطيبة شعر بأن الألم يخف عنه ، وقال فى نفسه : (( إن مواساتهم جميعا خرجت من قلوبهم الخيرة ، ولكن كلهم نصحنى بأن لا أظن أن الدنيا تخلو من ألم أو شر ، وهل يوجد فى الواقع ألم وشر ؟ ))
كان ذلك فى عطلة لدى الصبية (( كين - زى )) ، فخرجت من منزلها تريد أن تقطف الزهور كى تهديها إلى صديقتها (( يو - عا )) ، وكانت (( كين- زى)) تلبس رداء أزرق ، وقد عرت ساعديها ، وهبت الريح تداعب شعرها المتهدل على كتفيها ، وكانت تمشى بخطى وليدة ، وقد شاع السرور فى جوانحها .
قطفت (( كين - زى )) بعض الزهور الحمراء والبيضاء ، ولما رأت زهور الأقحوان الصفراء أرادت أن تقطف بعضها ، فلما دنت منها سمعت بكاء الحيوان الصغير ، فتلفتت حولها ، فرأته وقالت : (( يا لها من سنونوة صغيرة جميلة ! ولكن ما هذا الدم الذي بلل ريشها الذهبى اللامع !))
فوضعت الزهور على الأرض ، وأخذت السنونوة الصغيرة ، وأخرجت منديلها الأبيض من جيبها ، وجففت به دمها ، ومسحت ريشها مسحا خفيفا ، وقربت خدها الأيمن من جسمها قائلة بصوت رقيق : (( يا صغيرتى المسكينة ! إنك متعبة ، من ظلمك ! من ظلمك ! إني أظن أن ألمك قد ذهب ، وسأنيمك على سرير وثير ، وأطعمك طعاما لذيذا ، وأكون لك صديقة مخلصة ، فاذهبى معى إلى بيتى يا صغيرتى ! ))
ولما رقدت السنونوة الصغيرة فى يد (( كين - زى )) الناعمة شعرت بدفء وراحة خف الألم عنها ، وكفت عن البكاء ، ولكنها عادت فتذكرت أمها فهتقت قائلة : (( يا أماه ! إنى الآن وجدت صبية جميلة كريمة ، وهى تحبنى وستأخذنى إلى بيتها ، وأرجو منك أن تاتى إليها لتزورينى ، وإنى الآن وجدت الراحة والسلامة ، وأرجو أن تأتينى فى الحال ! ))
ولما رأت شجرة الصفصاف الخضراء وماء الترعة والنحلة والأقحوان أن الصبية أخذت السنونوة الصغيرة استراحت قلوبها ، وودعتها بعبارة رقيقة : (( اذهبى أيتها السنونوة الصغيرة مع هذه الصبية إليها ! إنها صبية
كريمة تحبك كما نحبك نحن ، فإذا جاءت أمك هنا تخبرها عن مكانك ، وإلى اللقاء يا صغيرتنا السعيدة ! ))
وأخذت (( كين - زى )) السنونوة إلى بيتها ، ثم ذهبت إلى بيت (( يو - عا )) وقدمت لها الزهور وأخبرتها بالقصة ، فلما سمعت (( يو - عا )) خبر السنونوة سرت سرورا ، وقالت ل (( كين - زى )) : (( يجب علينا أن نرعاها بكل اهتمام كى نرجع إليها نشاطها )) .
فقدمت (( كين - زى )) للسنونوة طعاما لذيذا ، وجاءت (( يو -عا )) بحشائش لينة وفرشها فى صندوق وجعلته عشا للسنونوة ، فلما شبعت السنونوة شعرت بحاجتها إلى النوم ، فوقفت (( كين - زى )) و (( يو - عا )) أمامها وغنتالها أناشيد النوم قائلين : (( نامى آمنة يا صغيرتنا ! فإذا جاء القط ضربناه ، وإذا جاء الكلب طردناه ، نامى آمنة يا صغيرتنا ! )) فنامت نوما عميقا .
ولما استيقظت السنونوة من النوم رأت الصبيتين مبتسمتين أمامها ، وفكرت قليلا فتذكرت قصة جرحها وإنقاذ الصبية حياتها وقالت : (( يا أماه ! لماذا لم تأت ههنا؟ أظن أنك الآن تبحثين عنى ولكنك لا تعرفين أننى أنتظرك هنا ، إن الصبية تكرمنى ، ولكن لماذا لم تدعك إلى هنا ؟ )) ونزلت دموع الشوق من عيونها بلا انقطاع .
ورأت (( كين - زى )) أن السنونوة تبكى فحزنت وبكت هى الأخرى وقالت لها : (( اصبرى يا صغيرتى! إننا لا نعرف مكان أمك فكيف ندعوها إلى هنا ؟ واجعلى بيتنا بيتك مؤقتا ، واستريحى حتى يشفى جرحك ، وسنبحث عن أمك بكل جهدنا )) .
ونزلت الدموع من عين السنونوة ولم تتكلم . وقالت (( يو - عا )) للسنونوة : (( إنك تجيدين الغناء ، ونحب أن تسمعينا ، وسأغنى لك غناء كى يخفف حزنك )) . فغنت (( يو - عا )) : (( من أين جاءت حمرة على فروع الأشجار ؟
ومن أين جاءت خضرة على قمم الجبال ؟ يا صغيرتى الجميلة ، يا ذات العنق الأحمر! إنك جئت بتباشير الربيع ! (( من أين جاءت الأمواج الخضراء ؟ ومن أين جاءت روائح التراب الطيبة ؟ يا صغيرتى الجميلة يا ذات العنق الأحمر ! إنك جئت بتباشير الربيع ! (( من أين جاءت الرياح المدفئة المسكرة ؟ ومن أين جاءت المناظر الجميلة الجذابة ؟ يا صغيرتى الجميلة ، يا ذات العنق الأحمر ! إنك جئت بتباشير الربيع ! ))
وطربت (( كين - زى )) من غناء (( يو - عا )) طربا زاده روعة وجمالا ، وقربت (( كين - زى )) وجهها من الصندوق وقالت للسنونوة : (( هل سررت بهذا الغناء ؟ وهل هو حسن مثل غنائك ؟ ))
وكانت السنونوة تحب الغناء حبا جما ، ولما سمعت هذا الغناء لم تملك نفسها ، فغنت غناء حزينا : (( أين أنت يا أمى العزيزة ؟ أين أنت يا أمى العزيزة ؟ إن حبيبتك ههنا ، من يخبرك بأننى هنا ؟ (( هل تبحثين عنى فى قمم الجبال ؟ هل تبحثين عنى فى جوانب الأنهار ؟ إن حبيبتك ههنا ؟ من يخبرك بأننى هنا ؟ (( إنى أنتظرك هنا ! إنى أنتظرك هنا أريد أن أنام فى حجرك ، من يخبرك بأننى هنا ؟ )) فربتتت (( كين - زى )) كتف (( يو - عا )) قائلة :
(( لتكتب لها إعلانا ونشر ، فى الجرائد ، فإذا قرأته أمها أتت هنا فى الحال )) .
فجاءت (( يو - عا )) بالقلم والورق على عجل ، وقالت : ( إنى أكتب لها ، إنى أكتب لها )) .
وكتبت (( يو - عا )) هذا الإعلان : (( أمى العزيزة : لقد أصابتنى الأقدار ، فجرحت جرحا خفيفا ، وأخذتنى الصبية (( كين - زى )) إلى بيتها ، وعالجت جرحى ، وجعلتنى اعيش عيشة سعيدة ، وأرجو منك أن تأتى إلى بيتها فى الحال ، وتطيرى إلى على قدر جهدك ، ولكن لا تتعبى كثيرا ، تعالى يا أمى العزيزة ! تعالى يا أمى العزيزة ! صغيرتك المحبوبة )) .
فضحكت (( كين - زى )) وقالت للسنونوة : (( إذا قرأت أمك هذا الإعلان أتت إلى هنا فى الحال ، فكفى عن بكائك ولا تحزنى ! ))
فجففت السنونوة دموعها ، ووقفت (( كين - زى )) و (( يو - عا )) بجوارها تقصان عليها قصص الأطفال الجميلة وعندما جاء الليل غنتا لها تحت النور الذهبى أناشيد الملائكة حتى أخذها سبات عميق . ورأت السنونوة فى النوم أنها تزور مع أمها الحجل ، وأضافهما على ثمار الصنوبر ، وقضتا عنده زمنا طويلا .
وعندما أصبح الصباح جاءت أم السنونوة تطير مسرعة إلى بيت (( كين - زى )) . ولما رأت بنتها الصغيرة فتحت لها جناحيها وحملتها فى حجرها قائلة : (( لقد بحثت عنك كثيرا وتعبت حتى كدت أموت ؟ أين جرحك يا حببيتى )).
ولما رأت السنونوة الصغيرة أمها فرحت فرحا شديدا ، ونزلت الدموع من عينيها بلا انقطاع ، وفتحت فمها الصغير الأصفر وقبلت أمها قبلات حارة ، وقالت : (( عندما وجدتك بجوارى شعرت براحة كبيرة وسررت غاية السرور ، وإن جرحى قد التأم وآلامى قد ذهبت ؟ )) .
فقالت الأم : (( هذا لحسن حظك ولا تظنى بعد
الآن أن لا يكون فى هذه الدنيا ألم ولا شر ! ))
وقالت السنونوة الصغيرة فى دلال : (( لقد وجدت فى رحلتى هذه المواساة والعطف والقلوب الطيبة ، وأما الشر فقد أصابنى من حيث لا أدرى ، فلذلك أعتقد أنه ليس أصيلا فى هذه الدنيا ، وكأنه لم يكن موجودا ، وأظن أنه أصابنى هذه المرة - وهى المرة الأخيرة - ولن يصيبنى مرة ثانية )) .
فقالت الأم فى عطف زائد : (( لنرجع إلى بيتنا )) . فنزلت الدموع من عينى (( كين - زى )) و (( يو-عا)) لأنهما لا تستطيعان أن تفارفا السنونوة الصغيرة ولكنهما لا ترضيان عن بقائها عندهما مع بعدها عن أمها .
وواستهما السنونوة الصغيرة قائلة : لا تبكيا يا آنستى .
إنى سآتيكما كل يوم لأزوركما ، وإن كان عندى غناء جديد فسأغنى لكما ، وإذا كنت أملك شيئا قيما فسأقدمه هدية لكما جزاء إكرامكما لى )) .
وذهبت السنونوة مع أمها ، وبعد ذلك أخذت تتردد على (( كين - زى )) و (( يو - عا )) لتزورهما وتغنى لهما غناء رائعا وترقص معهما رقصا جميلا ، وعندما ترجع فى الربيع كل عام من الجنوب تقدم لهما المرجان الأحمر والأبيض والمحارة الجميلة .
ورأت (( كين - زى )) و (( يو - عا )) أنها تتردد عليهما كثيرا ، فأخرجتا صندوقها الذى كانت تنام فيه وقالتا لها : (( مرحبا بك يا صغيرتنا العزيزة ! هذا بيتك القديم معد لراحتك فى كل وقت ))
(ترجمة)

