قال صديقي :
كان الوقت مساء ونهر دجلة ينساب في هدوئه المعتاد بين شطين مظللين بالنخيل السامقة وأشجار التين المنبسطة بخضرتها الداكنة وأوراقها الخشنة . . وكانت تنظر إلي الشمس المائلة للغروب بروح صافية واغتباط جلي . . وقد كانت تكون في جلستها البريئة الشعرية منظرا من أجمل مناظر الحياة
ظلت تحدق إلي ألوان المساء ، وجريان الماء والزوارق الصغيرة المندفعة إلي الجزر القائمة في كبد النهر أو في منعطفه الطويل . . وكنت بدوري اتأمل عينيها الزرقاوين المتألقتين ، وانظر أجفانها الطويلة ترتفع وتهبط بين الفينة والأخري بفتور وارتخاء
وهبت نسمات الغرب وكانت مشوبة بعطر مجهول
فلفحت وجهها وداعبت خصل شعرها الذهبية ، فتململت ثملة بما شهدت ورأت من جمال اخاذ .
وقالت وهي تلتفت إلي ، ما أجمل بلادكم ! . . إن الشرق بلد السحر حقا . . إن كل شئ هنا طبيعي وساذج ، وهكذا تتابع الحياة عندكم دورانها الحقيقي ، وتخلق هذه المشاهد الجميلة لكم مسرات خالدة وحين أجلس معك هنا امجد بلادكم تعاودني ذكريات جمة عن بلادي ايضا . بلاد المخربة تحت ضربات قنابل جائرة . .
إن المأسي أحيانا تكون سببا للشراسة ، وهكذا أجد في روحي عاطفة عميقة للانتقام . . أنت لا تستطيع أن تصور ويلات الحرب ويلات التخريب المنظم . . ويلات المجاعات والفقر والخوف . . ولكننا نحن الذين قدر لنا التاريخ ان نكون شهود كل تلك الأشياء المخيفة وان تكون في بلادنا المسرح الأول لهذه الحرب الفظيعة لنعرف ما نقول
ليست بولونيا الجميلة وحدها التى نالت الضرب المبرح والتهديم البربري ، ولكن بلد كل إنسان عزيز عليه من دون البلدان
قلت لها وأنا أخفف من لوعتها : ليست الحروب يا سيدتي العزيزة غير صور متكررة لأحزان طويلة تمر في فترات من عمر الإنسانية . . وما علينا أمام الواقع الأليم إلا الجلد والصبر إنى أشعر معك بألمك . . وأقدس فيك ذلك الضمير الحي الذي لا ينسيك بلادك لحظة ، ولكن ما جدوي الآحزان في مثل هذه الساعة ؟ !
انظري . . إنها سماء الشرق ، فالشمس لم تترك وراءها غير اشعة حمراء تصبغ ذرا النخيل وغير غبش يتقدم من الشاطئين . .
قالت متأسفة : - شكرا لك . . أظنني سببت لك بعض المتاعب . . لو أنك ياسيدي رأيت بولونيا لعرفت كم هي جديرة بالحب والرثاء . . وإذا كنت تقول الشعر فكم يحلو لي ان اصور لك بولونيا بغادة جميلة ناعمة في محفة
من أشواك . . إن هذه التصورات يا سيدي تؤلمنى ، وليست لي من حيلة في ذلك . . شكرا لك على هذه الساعات التي تحاول فيها أن تنسيني الشقاء . .
ونظرت إلي عينيها من جديد . . عينيها المتألقتين بضوء باهر فيه الذكري وفيه الاعتراف بالجميل وفيه الخوف من القدر . . ثم قلت : - ألا تذهبين في جولة قارب ؟ إن النهر هاديء هنا وليس من خوف من الضلال . . وإنه ليسرني أن تحبي بغداد كما تحبين وارسو
ولمعت على وجهها الوردي ابتسامة لطيفة وقالت : أحبه . أحب بغداد من كل قلبي . إن الشرق كله يحمل طيبة القلب والمسامحة والإنسانية ، دافعا امامه عواطفه الدينية وتذكارات مجده الإبداعي في حقول الفن والحياة وإذا تركت بغداد وعادت الحياة السعيدة ثانية إلى بولونيا الجميلة سأذكرك بكثير من الإخلاص . .
أيها الصديق العزيز العابر إن الحرب التي تسبب لنا فقدان كثير من الاعزاء تربط بيننا بأواشج جديدة ، وتعوضنا بأحباب واصدقاء ، اخرين . . شكرا لهذه المصادفات ، هل لي ان اطلب إليك تمضية بعض هذه الليلة في فلم " بلاليكا "
مشينا على الطريق المبلطة السوداء ننظر إلي الناس يسيرون زرافات وعلى وجوههم ضحكات بريئة . . أما صاحبتي فلم تكف عن التفكير ببلادها لحظة . . وكذلك فكرت معها ببولونيا الشهيدة مشاركا إياها بالمأساة الكبرى التي خلقتها أنانية الرجال
رجع صديقي إلي بوجه شاحب وصوت خفيف ، وكان عهدي به طليق المحيا دائم البشاشة والبشر ، واخذ محله في المقهى المعتاد متهالكا على كرسي من الخيزران وراح ينظر إلي النهر بذهول
ربت على كتفه بحنان وزمالة وقلت : ما بك
يا صديقي ؟ أراك مبتئسا هذه الليلة ، فهل من أحزان طارئة تبعثها مناظر الفقر والثراء
قال بصوته الواطئ المتألم : - لا . ليس ذلك ياصديقى إنها لاحزان نفسي . إنها التذكارات المريرة التي تطوف في ذهني . وإنه لظلام روحي المتعبة هذه الليلة .
قلت : - علي مهلك يا صديقي هل أنت جاد فيما تقول ؟ اتشقى وانت بصحبة ذلك البدر الطالع والوجه الساحر والأدب الوفير . . اتشقى وانت زميل فتاة شجاعة في جمال . . وبراعة في ادب . . إن غرامك هو موضع احاديثنا وحبك موئل أحزاننا حدثنا يا صديقي عنها . . حدثنا فليس من الحق أن تحرمنا حتى من الحديث . .
زور ما بين عينيه بحدة وألم ، وتنفس بانقباض أليم وقال : اتعنيها قلت : أجل . . أعنى تلك البولونية الجميلة . تلك الصديقة الودود . فأخرج من علبته سيكاره وأشعلها ثم سحب منها نفسا طويلا وقال بألم عميق : لقد رحلت يا صديقي ! وأكب يقرأ رسالة زرقاء . . ويرسل الدخان بددا في الهواء .
) بغداد (
