" إلي قصاص البدو ، ومصور البادية ، وباعث الحياة في الربوع الهامدة ؛ إلى الأستاذ النابغة " محمد فريد أبو حديد " أهدى هذه الأقصوصة الريفية " .
على ضفة الجدول الشادي ، وفي ظل النخلة الباسقة التي يهزها النسيم ، فتساقط الرطب الذي يذهب ببعضه ماء الجدول ، ويصيب من بعضه بعض الطير ، جلست زينب ؛ تلك الفتاة القروية الحسناء متكئة على جرتـها تستمع في شغف إلي حديث إبراهيم ؛ إلى حديث الحب ، إلي حديث الشباب في ربيع الحياه :
الحياة الحب ، والحب الحياه
هو من سر حبها سر النواه
وعلى صحرائها مرت يداه
فجرت ماء وظلا وجني
جلست زينب تستمع إلي إبراهيم فيحدثها بحديث قلبه ويستمع إليها إبراهيم فتحدثه بحديث قلبها ، حتى دنت الشمس من الغروب ، وعاد الفلاحون من كل صوب بماشيتهم إلى القرية يغنون ، وعادت الطير من كل ناحية تهزج إلي العشاش ، ونظرت زينب فلم تجد رجلا في حقل يعمل عملا ، ولا فتاة على ماء تملأ جرة ، فثابت إلي نفسها وقامت متثاقلة إلي جرتها ، فشمرت عن ساقيها ونزلت بها إلي الماء مذعورة تتلفت ، وطفق إبراهيم بنظر في لهفة إلي ساقيها العاريتين الجميلتين يلثعهما الموج ، وإلى جرتـها يقهقه فيها الماء ، وحانت منها التفاتة ، فاشتبك النظران ، وخجل الحبيبان وأغمضت الجفون .
وثبت زينب في خفة الغزال إلي الشاطئ . وسحبت جرتها من الماء ، ورفعتها بمعاونة فتاها إلي رأسها ,
وسوتـها على حويتها ، وبدت بها وهي تنظر إلي الرطب المتساقط من النخلة في الجدول يتقاذفه الموج ، وعلى الشاطئ يتخاصم عليه الطير كحورية على شاطئ الكوثر ، وظلت كذلك برهة كانت فيها فتنة كل من يراها ، ثم نظرت إلي فتاها نظرة ساحرة ، زلزلت قلبه ، وزلزلت الأرض تحت قدميه ، ثم ولت عنه تتهادي بجرتـها في طريق القرية بين الأشجار التى يصدح من فوق أغصانـها الطير .
ظل الفتى المفتون في ظل النخلة الحبيبة إلي الفتاة الجميلة في الطريق حتى توارت عنه ، فعاد ينظر إلي النخلة ، وإلى الزلال العذب تحت النخلة ، ظل بنظر مبهورا يناجيه الحب في كل مايري ويسمع ، حتى سحبت الشمس الغاربة في رفق آخر أذيالها عن الوادي ، ولف الكون سكون شامل لا يقطعه إلا أنين ساقية يحمل الريح بكاها ، أو حفيف شجرة يقطع القلب أساها ، فكل بصره واضطربت المناظر أمام عينيه فعاد ينظر إلي النخلة التى جري في ظلها حديث الهوي فأشجي الطبيعة ووله الطير .
ظل الفني المفتون في ظل النخلة الحبيبة ساهما يستروح نسمات الماء ويستمع إلى مناجاة الطير حتى سجا الليل وأطبق الظلام ، فثاب إلي نفسه وودع نخلته وعاد إلي القرية ؛ القرية التي عادت إليها زينب ؛ زينب حبيبته ، فهل هو ملاقيها هناك ؟ ذاك شئ لايدريه ؛ ولكن الذي يدريه ، أن أمامه أهوال ليل طويل ؛ فهل أمام حبيبته مثل أهوال هذا الليل الطويل ؟ ذاك شئ ولا شك فيه ؛ ألم تكن تبادله النجوي منذ حين ، ألم تكن تستمع فيحدثها ويستمع إليها فتحدثه ؟ ألم يجمعهما الحب في خلوة فينسيا كل جليل في الحياة إلا هذا الحب ؟
لا بد لكل من الفتى والفتاة من سهر طويل يخلو
فيه إلي نفسه فيستعيد ما مر في النخلة من أحاديث ، ولا بد لكل منهما أن يمر على مخيلته ما مر عليه في ظل النخلة من صور ، ولا بد لكل منهما بعد هذا السهر أن ينال حظا من النوم ، ومن يدري لعلهما يريان في نومهما أنـهما جالسان إلى النخلة ؟ ومن يدري لعل النخلة تقترب منهما حينا وتبتعد عنهما حينا آخر ؟ ومن يدري لعلهما يظلان في هذا الحلم ، وفي غير هذا الحلم حتى يصحوا على أصوات الطير في الفجر ، فتهزهما هزا ، وتدفعهما دفعا حيث يتسابقان خفافا إلي النخلة التي في ظلها الفينان يتلاقيان .
ظلت النخلة ملتقى الحبيبين ؛ يتلاقيان عندها في شغف ، ويفترقان عندها في لوعة حتى كان أصيل من الآصال ، فإذا بزينب آتية من القرية في بعض لدانـها من فتيات الريف يحملن جراتـهن ساعيات في طلب الماء ، وهن يتحدثن في شئون الحقل والدار ، والأسرة والوطن مرحات لهن ضحكات عالية يتردد صداها في الفضاء ، حتى بلغن أول ماء فملن إليه ، إلا زينب ، فقد أبت أن تملأ منه جرتها ، وقالت لرفيقاـها وهي تواصل سيرها منفردة ؛ الماء جميل عند النخلة ، وأشارت إلي باسقة يداعبها الريح على ماء بعيد .
ظلت زينب تتهادي بجرتها في طريقها إلي الورد المحبوب في ظل النخلة الحبيبة حتى أدركتها ريح هوجاء تتقلب في الفضاء وتطعن في أحشاء الشجر ، فجعلت تعبث بثوبـها الفضفاض فتجذبه حينا وتلصقه ببدنـها حينا آخر فتبدو مفاتن جسمها الجميل : قد معتدل طويل في غير افراط ، ممتلئ في غير ترهل ، قد رسم الجمال كما شاء خطوطه وصور أعضاءه ، يشرف على هذا القد من فوق رقبة طويلة ساحرة النحر وجه جميل ، به عينان ساحرتان ، قد جعلهما الله في هذا الوجه لعباده
فتنة يضل بهما من يشاء ، ينبعث من هاتين العينين لغة لا يفقهها غير الملهمين من أهل الأدب ، والمتيمين من أهل الحب .
ظلت زينب تسير وهي تتعثر بأذيالها وسط هذه العاصفة الهوجاء التي تزمجر من حولها حتى وصلت إلي المكان المحبوب ، حيث كان فتاها ورفيق صباها وحده في ظل النخلة التي تتمايل كالشارب النشوان ، ينتظر على أحر من الجمر فتاته ورفيقة صباه ، فهلت عليه فجأة من جانب كثيب أهيل تتلفت تلفت الظبي المذعور ، فخفق فؤاده خفقانا شديداً ، وعيت ساقاه عن حمل جسمه ، فجلس وجلست إليه حبيبته يشملهما صمت شعري رهيب ، هو أبلغ كلام في لغة الوجدان
وبينما هما في صمتهما الشعري الرهيب يستمعان إلي أنين النخلة وعويل الريح إذ سقطت عليهما ثمرة فتذوقها الفتي فإذا هي مرة فلفظها ، وتذوقتها الفتاة فإذا هي مرة فلفظتها أيضا ، وعاذ الفتى والفتاة إلي صمتهما الأول ، تخاطب عينا كل منهما عيني الآخر ، وفجأة انتصبت زينب واقفة تستروح ريح النخلة وتنظر إلي الوادي وإلي الشمس الغاربة ، ثم إلى حبيبها وتبكي ، وينظر الفتي إلى حبيبته الباكية فيري الجمال في أروع صورة فيبكي بكاءً مراً من بكاء حبيبته التي امتنعت أن تخبره عن سببه .
حدقت الفتاة طويلا في وجه الفتي بعينين مخضلتين بالدمع ، ثم ولت عنه تتهادي بالجرة إلي القرية ، تاركة إياه في جوار النخلة ؟ النخلة التي شب في ظلها المقدس أسمي ما في الوجود من معاني الخلود ؛ النخلة التي شاهدت قصة هواه ؛ النخلة التي سمعت حديثه ونجواه ؛ ظل الفتي في ظل نخلته الحبيبة يستمع إلي لغة الحب من حناجر الطير ؛ ويتنسم ريح الحب من شجرات الحقل حتي أظلم الليل ، فعاد إلي القرية ولم يدر ماخبأ له القدر في الغيب .
في أمسية حزينة من أمسيات الصيف سمعت من بيت زينب ضجة يتخللها غناء صبية وزغردة نساء ما الخبر قالوا زينب بنت عمران تزف إلي أحمد بن سعد ؛ زينب تزف إلي غير حبيبها ؟ ! زينب تزف إلي غير إبراهيم ؟ ! ياللفجيعة يالسخرية القدر ! يالشقاء الحياة ! فيم إذن كانت كل هذه الأحاديث ؟ ما أقساك أيها القدر ! ما أتعسكم أيها الناس !
طنبدي - منوفية

