الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 275الرجوع إلى "الثقافة"

من قصص الصين :، الغني

Share

في بلد من البلدان كان الاباء يعلمون أولادهم كلمات  يرونها مهمة ، والأولاد لا زالوا في مهادهم ، وكان الناس يمتدحون كل أب يستطيع تعليم أبنائه تلك الكلمات، وأصيب الأولاد بتلك الكلمات حينما ولدوا كما أصيبوا بالرضاع والبكاء ، ولهذا كانوا يؤمنون بها إيمانا وطيدا ويعملون بها ، وأصبحت منهم كالطعام حين يجوعون ، والشراب حين يصيبهم العطش تلك الكلمات هي :

" أيها الأولاد ! اجتهدوا في العمل ، فإذا اجتهدتم أمكنكم أن تكسبوا نقودا  كثيرة ، وتملؤا بها جيوبكم وصناديقكم وخزانكم ، وتكونوا أغنياء ! إن أعظم الناس في العالم وأعزهم الغنى ، له سلطان ، وله قوة . إن أسعد الناس الغنى أيضا ؛ لأنه لا يعمل شيئا ولا يتعب ، أنها الأولاد ! اتعبوا أولا ، تكونوا سعداء في الوقت الذي تصبحون فيه أغنياء " .

وهذه الحكاية لم يقس الأباء تعليمها لأولادهم حين يولدون ، ولم يول أبناؤهم عن سماع هذه الكلمات ، حتى كثر الأغنياء ، وظنوا بذلك ان آباءهم لم يتعلقوا حين علموهم ، فهذا هو السلطان المرغوب والقوة بأيديهم حقا ، فهم إن أرادوا رفع أبنيتهم أو توسيع بيوتهم وجدوا العمال بلا مشتقة يرفعون لهم ويوسعون ، وهم إذا حاولوا الانتقال وجدوا الحمالين يحملونهم والآلات تنقل أمتعتهم ، وهم دائما مستريحون ، وإذا طلبوا الأكل والملابس وجدوا ذلك بسهولة ، وهم مفضلون على الناس غاية التفضيل ، ومسرورون كل السرور ، لا هم لهم إلا الضحك والقهقهة ودائما في عيشة سعيدة

ونظر إليهم غيرهم نظرة طعيعة ، واخذوا يفكرون ويقولون :

" ما أشرف الأغنياء وما أسعدهم ! يجب علينا ان تجتهد في العمل أكثر مما كانوا يجتهدون ، لنصل إلي مكأنهم " واجتهدوا  كل الاجتهاد لأنه الوسيلة الوحيدة التي يصلون بها إلي الغني .

ثم بدأ الأغنياء يكثرون ، وشرع الذي لم يصل إلي مكانتهم يريد في الاجتهاد ويحمل الأعباء في كل شئ . كالزراعة والصناعة وغيرهما من الأعمال الشاقة ، وفي هذا الوقت ارتفعت أثمان الحاجيات ، وجاد الأغنياء ، فحصل الفقراء على النقود بسهولة ، ووصلوا إلي مكانة الاغنياء بسرعة . واجتمع الأغنياء يتصادفون ويتضاحكون وجها لوجه ، ويرقصون ويشربون حتى يبلغ بهم الفرح حد الجنون ، وزاد السكر حتى طغي علي عقولهم فأخذوا يرتلون هذا النشيد :

" هذا المكان وهذا اليوم عالم ذهبى وجنة عدن " وقل الفقراء في البلد شيئا فشيئا ، وزاد الاغنياء كل يوم ، وكان يشجع هؤلاء الفقراء القليلين على العمل ما رأوه من أفراح الأغنياء وتقلبهم في ذلك النعيم ، وتاكدوا أنهم لابد سيصيرون الأغنياء ، وأن الغنى سوف يأتيهم بعد يوم أو يومين ، فاشتغلوا كثيرا ، وتعبوا ليل نهار ، لأن هذا التعب تعب أخير ، وستأتى بعده حياة سعيدة . ومن ذا الذي لا يصير على هذا التعب الأخير في سبيل تلك الحياة السعيدة ؟

وذهب معدن إلى جبل فانفق أن وجد فيه معدن الذهب بكمية ضخمة في مساحة تبلغ مئات الافدنة وعمق يصل إلي مئات الأمتار ، ففرح المعدن فرحا شديدا وقال في نفسه " ما أجمل هذا الذهب الذي رأيته الآن وجعلني غنيا في الحال ! " ثم رجع إلي بيته وجمع أهله     كبارا

وصغارا - فجعل الكبير صندوقا كبيرا ، وأخذ الصغير سلة صغيرة ، ثم ذهبوا إلي الجبل يحفرون عن المعدن ، ويجمعون الذهب حتى أسدل الليل ستاره ، وتعبوا غاية التعب ، فحسب المعدن أن الذهب الذي جمعه هو وأهله أكثر من الذهب الذي عند أغني الأغبياء في البلد وقال في نفسه : " لقد أصبحت الآن  أكبر الأغنياء في البلد وسأعيش عيشة سعيدة ، وما أكثر الفرح اليوم ! " . ورجع مع أهله إلي البيت .

فلما علم زملاؤه - الفقراء الباقون - هذا الخير وعرفوا أنهم سيجدون ذهبا كثيرا بطريق سهل ، ويصيرون أغنياء في الحال ، تركوا أعمالهم الشاقة ، وذهبوا جميعا - كبارا وصغارا - إلي الجبل ، وحفروا عن المعدن وجمعوا الذهب حتي تعبوا جدا وظن كل منهم أن الذهب الذي عنده أكثر من ذهب أكبر الأغنياء في البلد ، فيقول في نفسه : لقد أصبحت أول الأغنياء " . ورجعوا إلي بيوتهم .

والأن لا يوجد في ذلك البلد أحد ليس عنده ذهب كثير ولم يقتنع به ومع ذلك فالذهب الذي بالجبل لم ينقص شيئا مذكورا ولم يؤخذ منه إلا بمقدار اثنين أو ثلاثة من عشرة .

وأصبح كل واحد في ذلك البلد غنيا وصاحب ذهب كثير ؛ ما أسعد هذا البلد ! ولكن حدث حادث عجيب لم يتوقعه أحد من قبل : فإن الأغنياء الجدد تركوا أعمالهم الشافة بالطبع وأخذوا يفكرون في أموالهم الكثيرة : كيف يتمتعون بها وكيف يصنعون الملابس الجميلة وكيف يبنون العمارات الفخمة إذ يجب عليهم أن يظهروا أمام الناس بمظهر الأغنياء فأخذوا أكياسهم التي ملؤوها بالذهب واتجهوا إلي شركة الملابس - بعد ان كانوا لا يمكنهم أن يدخلوا هذه الشركة إلا ان يطوفوا وينظروا من الخارج ولكنهم اليوم سيدخلونها مستكبرين ومختارين

وسيشترون منها اللابس الجميلة والفساتين الفاخرة - ولكنهم لما وصلوا إلى الشركة وجدوها مغلقة وذهبوا إلى الثانية والثالثة والرابعة و . . فكانت كلها مغلقة ، وذلك لأن أصحاب شركات الملابس كلهم أصبحوا أغنياء أيضا والملابس التى كانت عندهم وزعوها على أهلهم وليسوا منها ولهذا أغلقوا أبواب شركاتهم وركبوا السيارات يرتادون السينما والملاهي .

وبعد أن خاب أمل هؤلاء المشترين في شراء الملابس من الشركات قال بعضهم لبعض : " إن كل شركات الملابس مغلفة ولن تبيع أبدا إذن ، فلنذهب إلي مصانع الغزل والنسج ونشتري منها الأقمصة الجميلة والحرير الجيد وتأتي بالخياطين يخيطون لنا الملابس ليلا ونهارا ونلبسها ، فذهبوا إلي المصانع سريعا ، ولكنهم ما كادون يصلون حتى وجدوها مغلقة ولم ينالوا بغيتهم ولم يجدوا فيها أحدا حتى البواب ، وأين أصوات آلات الغزل والنسج لم يصمموا شيئا من ذلك و وجدوا مداخن المصانع التي كانت ترمي الدخان من فوهاتها إلى السماء فيحجبها لا يظهر منها شئ وقد كف الدخان وصمتت عن إرساله إلى السماء ، والعصافير الصغيرة تغني وترفص عليها ، فلا حول لهم ولاقوة إلا ان يذهبوا إلي الخياطين يستشيرونهم ويطلبون منهم ان يفكروا معهم كيف يأتون بالأقمشة كي يخيطوا لهم الملابس الجميلة وأغروهم بالنقود الكثيرة أجرا لهم على عملهم ذلك ، فضحك الخياطون قائلين :

نحن الآن مثلكم أصبحنا أغنياء ونبحث عن الخياطين كي يخيطوا لنا الملابس الجديدة وأما النقود فمن يحتاج إليها ؟ وعندنا ذهب كثير لا يحصى ولا يعد ! " .

وحينئذ تأكدوا أنهم لن يستطيعوا لبس الملابس الجديدة فحزنوا حزنا شديدا لأنهم أغنياء ولا يمكنهم أن يظهروا بمظهر الأغنياء ؛ ولكن لما رأوا الذهب الأصغر الذي ملأ جيوبهم وصناديقهم ومخازنهم وغرهم بريقه فرحوا

وعزوا أنفسهم قائلين :

" علي كل حال عندنا ذهب كثير ومحن الآن أغنياء وإن لم نستطع لبس الملابس الجديدة " .

وهناك أمر خطير جعل وجوه الأغنياء المبتسمة محزونة ، ذلك أن الغلال والأطعمة عندهم نفدت ولابد أن يشتروها لكي يسدوا جوعهم ، فذهبوا ومعهم الذهب إلى محل الغلال ، فوجدوا غلال أول محل قد نفدت وأراد صاحبه ان يشتريها أيضا ، ثم ذهبوا معه إلى محل اخر ووجدوه كالأول - نقدت غلاله أيضا ، وذهبوا إلى ثالث ورابع . . ولم يروا أي محل مفتوحا ، وطافوا با البلد كله يحملون الأكياس التى ملؤها بالذهب ولنقلها تنزل العرق من جبينهم إذ تعبوا ثعبا شديدا .

فقال أحد عقلائهم : " إذا كنا لم نجد الغلال في الهلات فلنذهب إلي القري ونشتريها من الفلاحين ! " أيقظهم هذا الكلام ، فقالوا جميعا : " نعم لنذهب إلي القري فإن التلال والحبوب لا تنبت من المحلات والدكاكين وإنما تنبت من الأرض والحقول ، وإذا ذهبنا إلي القري وجدناها عند الفلاحين حتما ، هيا بنا ! هيا بنا ! " .

ومشوا في الأرض مطمئين صائحين معتقدين أنهم إذا وصلوا إلى الفلاحين وجدوا الغلال في الحال ، ثم ذهبوا إلى قرية وقابلو الفلاحين هناك وقالوا لهم : " فلاحونا الاعزاء ! نريد أن نشتري منكم الغلال ، وسنعطيكم ذهبا كثيرا ، قولوا ! قولوا ! كم من الذهب تريدون ! " .

وضحك الفلاحون وعزوا رؤسهم قائلين : " إننا مثلكم أصبحنا أغنياء ولسنا فلاحين وعندنا ذهب لا يعد ولا يحمى ونريد أن نشتري الغلال ايضا " .

فذهبوا مع هؤلاء الفلاحين إلي قرية أخري ولم يجدوا قليلا من الغلال أيضا ، ومشوا في كل قرية يبحثون عن الفلاحين كأنهم يبحثون عن اللؤلؤ في الرمال ولكنهم لم ينالوا طلبتهم .

ثم أيقنوا أنهم لن يجدوا الغلال فذهبوا إلي الحقول ليأخذوا قليلا من الذرة او البطاطة يسدون بها جوعهم وتفرقوا فيها مسرعين يبحثون . وكانت تزرع في الحقول أشجار الذرة والبطاطة وتغل غلة كثيرة جدا ، ولكن لما أصبح الفلاحون أغنياء ، ويعيشون عيشة المترفين لم يسقوا الأرض ولم يصلحوها فلم تنبت الأشجار وأكلت الدود الذرة والبطاطة ، واستحالت هذه الحقول الواسعة إلي صحراء قاحلة لم يجدوا شيئا فيها يسد جوعهم ، فحزنوا حزنا شديدا ونزلت من أعينهم الدموع " الأمطار ولكن لما نظروا الذهب اللامع في أيديهم جففوا الدموع وتكلفوا الضحك وتعازوا قائلين :

" وعلي كل حال أصبحنا أغنياء ، وإن لم تجد الغلال والأطعمة وجاءت بطوننا ! "

جاع الأغنياء كلهم جوعا شديدا فهكت قواهم وخروا صرعي مترامين في الحقول هنا وهناك وتحت رؤوسهم أكياس الذهب وفي أيديهم قطع صغيرة منه ويريدون أن يأتوا بها إلى أفواههم ليأكلوها ولكن لا يستطيعون حراكا ، وخرجت من أفواههم أصوات خفيفة كأصوات البعوض - يقولون كلمات آبائهم :

" اتعبوا أولا تكونوا سعداء في الوقت الذي تصبحون فيه أغنياء ؛ "

اشترك في نشرتنا البريدية