كان الفتى الراكب أجمل الفتيان ، وكانت فرسه العربية الكريمة أجود الجياد . كان الفتى فى ميعة الشباب ، خلعت عليه سن العشرين رونقها ، وهو يهتز للنسيم البلبل ، فى صباح يوم صاف من أيام الشتاء ، فى واد ضيق من وديان نجد ببلاد العرب ، وسار وراءه كلب طويل الجسم ، ضامر الحشا ، تظهر عليه الشراسة والضراوة ، وهو يتطلع بين حين وآخر نحو سيده ، كأنه ينتظر إشارته .
كان الفتى سمهرى القوام ، له ذلك اللون الأسمر الخمرى الذى تخلعه الصحراء ، وتجرى فى وجناته دماء الشباب القوى ، تكاد تنبض من تحت بشرته الرقيقة ، وكانت عيناه سوداوين واسعتين ، يبرق سوادهما الفاحم فى وسط بياضهما الناصع ، ثم تطرفان بأهداب طويلة تلمس أطرافها حاجبين دقيقين مقرونين . وكان الفتى فى ركوبه يرفع رأسه فى شىء من الميل ، فيبدى جانب أنفه الأقنى رقيقا كأنه حد السيف البدوى ، ويقلب نظره باسما فى أثناء سيره بالوادى فيتأمل عراره وخزاماه ، ويهتز لاخضرار عشبه وابتلال أغصانه ، فيتمايل على ظهر فرسه كأنه يجيب ألحان الحياة الخفية التى ينبض بها شبابه . بلغ به السير بعد قليل إلى دارة جلجل ، وهى قطعة
من الوادى ذات صخور ملساء ، بها وحدة فسيحة اجتمع بها ماء المطر الصافى المتلألىء ، يجعد وجهه مرور النسيم ، ويرقص عليه شعاع الضياء ، فنزل خفيفا عن فرسه ، وألقى زمامها على غاربها ، ومسح بيده على جبينها الواسع ، فجعلت الفرس تشم كتفيه وصدره متوددة ، وتضرب الأرض بحافرها كأنها تأبى على صاحبها أن يقف بها عند مثل هذا المكان القريب .
ووقف الكلب إلى ناحية كأنه غيران من تدليل سيده لفرسه ، وأقعى يلهث فى انتظار استئناف السير .
وذهب الشاب إلى الحوض فملأ منه إداوته ، ثم مال إليه فاحتسى منه لنفسه حفنتين ارتوى بهما ، ثم رفع رأسه فملأ صدره من الهواء الصافى ، وتبسم بسمة هادئة تنم عما كان يجيش فى نفسه من الارتياح إلى الحياة والتنعم بها .
وذهب إلى فرسه فعلق الإداوة فى جانبها ، ثم مر بيده على كفلها الناعم وقال كأنه يخاطب نفسه : (( لها كفل كصفاة المسيل )) .
ثم نظر إلى الصخر الأملس الذى اجتمع به الماء الصافى العذب وأعاد النظر إلى كفل الفرس ، ومر عليه بيده مرة أخرى ، كأنه يريد أن يستيقن من
- ١٧٠٤ -
صدق الشبه بين كفل فرسه وبين الصخرة التى صقلها مسيل المياه .
وانتحى بعد ذلك ناحية من الوادى وجلس يتأمل فرسه الرشيقة وهى تضرب الأرض بحافرها قلقة إلى السير والركض ، وأعجبه منظرها فجعل يجول ببصره فى أعضائها ، ويتنقل من عضو إلى آخر بعد أن يمتلى منه ويتملى بالإعجاب به .
وقال وقد نظر إلى حوافرها وسيقانها :
له أبطلا ظبى وساقا نعامة
وصبوة تشير قائم فوق مرقب
ويخطو على صم صلاب كأنها
حجارة تميل وارسات بطحلب
ثم رفع نظره إلى ذيلها المسبل الطويل الشعر وقال : (( لها ذنب مثل ذيل العروس )) .
وانتقل بعد ذلك إلى رأسها والهواء يلعب بعرفها وشعر ناصيتها ، فقال وهو يتأمله :
لها عذر كقرون النسا يركبن فى يوم ريح وصر
لها جبهة كسراة السجن حذفه الصانع المقتدر
لها منخر كوجار السبا ع فمنه تريح إذا تنبهر
ثم وقف وذهب نحوها فاتحا ذراعيه كأنه يستعد للقاء صديق ، حتى إذا قرب مها احتضنها وقبل جبينها ، وقال كأنه يخاطبها : (( هلمى إلى الصيد يا خيفانة )) وقد أطلق عليها ذلك الاسم توددا يشبهها بالجرادة الصغيرة ، فقد كانت دقيقة الأعضاء ، ضامرة اللحم ، خفيفة فى العدو ، كأنها ظبية من الظباء . ثم قال وقد قفز على ظهرها :
وتعدو كعدو نجاة الظباء أخطأها الحاذف المقتدر
وما كاد يتم كلمته حتى انطلقت الخيفانة تعدو فى الوادى كأنها تريد أن تظهر لسيدها صدق وصفه . وكانت تثب
فوق الشعاب كأنها لا تعرف سيرا غير وثب الظباء ، وعدا الكلب وراءها يشم الآثار حينا ، ثم يعدو فيسبق وينظر إلى سيده الراكب يريد أن يفوز برضائه عن صحبته ، فتبسم إليه الفتى وقد أدرك معنى نظرته وقال كمن يسترضيه :
ألص الضروس حتى الضلوع
تبوع طلوب نشيط أشر
فمضى الكلب يثب بحذائه ويعدو كأنه ارتاح إلى تقدير سيده وحسن رأيه فيه .
واستمر الشاب بعد ذلك فى وصف فرسه ، كلما وثبت وثبة خفيفة خطر له فيها معنى جديد ، وكلما أحدثت فى ركضها حركة بارعة تهز إعجابه ، وقع نظره منها على صورة رائعة ، وانتهى به السير بعد ساعة إلى فم الوادى ، فانفرج جانباه إلى مسيل واسع من رمال ناعمة قد غطاها العشب بين طويل وقصير ، ووشته الزهور بين أصفر فاقع من الخزامى ، وأحمر قان من العتم ونوار المضرس ، وأبيض ناصع من المرار ؛ وانتثرت به الأعواد القصيرة من مرخ وتمام وأرطى . فوقف لحظة وجعل يجول ببصره فى الفضاء المنبسط ، ويتدس به فى أصول الشجر والغصون ، ويستقرى به جنبات الرمال ، وهو فيما بين ذلك يتغنى بتهازيج قصيرة ، ويملأ صدره من الهواء الصافى . فلاح له بعد حين سرب من بقر الوحش لمعت ظهورها البيضاء فى ضوء الشمس ، يتخلل بياضها سواد قوائمها ، وهى تعدو فى عرض السهل ، فصاح صيحة فرح وأسرع بفرسه فأطلقها نحو السرب ، وكان الكلب أسبق إلى تنسم ريح البقر ، فسبق يعدو فى تجاهها ، يثب فوق الرمال ولا يكاد يمس الأرض من سرعته .
وأحس الوحش بالمطاردة فأسرع يلتمس النجاة ،
- ١٧٠٥ -
وكانت الأرض مبسوطة ليس فيها ثنايا ولا شعاب ، فطالت المطاردة ، وكاد الصيد يفلت إلى ما وراء الكثبان المحيطة بالفضاء . ولكن الكلب أدرك زوجا من الوحش ، ورآه الفارس عن بعد وهو يحاورها ويواثبها ويعقرها فى أفخاذها ثم يهر فى وجهها ، فوقف له ذكر البقر يحمى أنثاه ويدفع عنها ، وكز على الكلب وقد أيقن أنه لا بد له من النضال ، وبدأ بينهما صراع عنيف . وأدرك الفارس كلبه وهو لا يزال فى معركته عنيدا باسلا ، والدماء تسيل من جراح واسعة فى جنبه وبطنه . فسدد سهمه إلى الوحش ورماه فى جنبه الأيسر ، فترنح وارتمى إلى جانب شجرة ملتفة الأغصان ، ثم نهض بعد قليل وقد أحس بالحديد يمزق قلبه ، فجمع قوته فضرب الكلب بقرنه ضربة خرقت صدره ، وارتمى هو والكلب جميعا على الأرض والدماء تنزف منهما .
نزل الفتى مسرعا وقد راعه ما رأى ، فاخترط سيفه وذفف على الوعل الجريح . ثم أهوى بيده إلى الكلب يريد أن يسعفه ، فرآه فاترا يعانى خلجات الموت ، فأقمى إلى جواره ووضع يده على رأسه بحزن ، وقد علم أنه لن يقدر له على شىء ، فرفع الكلب إليه طرفا كليلا ونظر إليه نظرة وانية كأنه يشكره على حنانه ، ثم خمد بعد قليل .
فقام الفتى وهو يتنفس نفسا عميقا ، والحزن يجيش فى صدره لموت كلبه الوفى . ولم يمض من ذلك المكان حتى حفر له حفرة دفنه فيها ووضع على الحفرة أحجارا كبارا لتكون آية له فى ذلك السهل الفسيح ، لعله يوما يمر به فيعرج على حفرته تأدية لحقه عليه .
وذهب إلى الوعل الضخم فرفعه بعد مشقة ، ووضعه فوق ظهر الفرس ، وعاد به أدراجه إلى ذلك المكان الذى مر به فى الصباح ، عند الحوض الممتلىء بالماء الصافى بين الجنادل الملساء .
كانت الشمس عند ذلك قد مالت عن الزوال واتجهت التلال إلى الشرق ، وتوافدت قطع بيضاء من السحاب كأنها قطعان سائمة ، تجتمع حينا وتنتشر حينا ، وهى تغطى السماء جزءا بعد جزء مقتربة من كبدها اقترابا بطيئا .
وسار الفتى بصيده غير متعجل ، مترفقا بفرسه الضامرة بعد تلك المطاردة الطويلة فى صيد اليوم . فلما عاد فى سيره قريبا من دارة جلجل ، كانت الشمس تبدو من خلال السحب وهى مائلة نحو الأفق الغربى ، فينفذ شعاعها كقضبان من الذهب فى صحاف من الفضة ، وتوشى أطرافها بألوان ساحرة عجيبة .
ولما اقترب من المكان استقبلته صيحة عالية من فوق ربوة رملية صفراء ، فرفع بصره نحوها مبتسما ، ولوح بيده وهو يقصد نحو أصحابه الذين جاءوا إلى هناك على موعد ينتظرونه للسمر تلك الليلة ، فقد كانت ليلة قمراء من ليالى التمام .
ونزل عند أصل الربوة ثم أنزل الصيد الضخم فرماه على الرمل ووقف يتأمله قليلا ، وهبط إليه أصحابه سراعا وهم يتصايحون حتى صاروا حوله ، فأحاطوا به مرحبين فى صخب وحماسة ، وكانت تحياتهم مختلفة : (( مرحبا أبا وهب ! )) (( مرحبا جندح ! )) (( مرحبا بالأمير : )) (( صيد كريم يا امرأ القيس ! )) (( هدية ملك لندمائه ! )) (( عمت مساء يا ابن حجر ! )) ، وكان الفتى يجيب تحيات أصحابه بابتسامة أو مصافحة ، وفى مظهره ما ينبىء بأنه سيد كريم يتلقى ما ينبغى له من تحيات أتباعه وتبجيل أصحابه . فقد كان امرأ القبس بن حجر الكندى سليل بيت آكل المرار الكندى اليمنى ذلك البيت الذى كان يحكم بنى أسد ببلاد نجد منذ أجيال ، أبوه حجر بن الحارث ملك بنى أسد ، وحجر يستمد سلطانه من أبيه صاحب التاج فى الحيرة ، الحارث بن عمرو الملك العظيم ذى السطوة والسلطان الذى
- ١٧٠٦ -
لم يكن فى بلاد العرب عند ذلك ملك يبلغ شأوه . اصطفاه عاهل فارس قباذ العظيم ليكون سيد العرب وجعله ساعد دولته الأيمن ، وجعل مقره فى الحيرة بعد أن طرد منها ملكها الأول وسليل حملة تيجانها المنذر بن ماء السماء اللخمي .
أسرع الفتيان بعد أن هدأت هزتهم ليوقدوا النار ويسلخوا الصيد ويجهزوا الطعام ، ويضعوا زقاق الخمر على جانب الربوة ويعدوا مجلسا لليلة رائعة يكون قطبها الفتى الجميل الكريم والشاعر المبدع والأمير البارع وابن الملوك الغطاريف والسمير العذب الحديث امرأ القيس بن حجر . وذهب الأمير فى أثناء ذلك إلى أعلى الربوة يستروح من عناء يومه ، فجلس ينظر حوله ويتملى بجمال منظر الشمس الغاربة والأرض الحالية بالزهر والعشب ، وبالفضاء الفسيح الذى يخيم عليه السلام . فحانت منه التفاتة إلى الوادي القريب فراعه منظر عند الحوض الواسع الممتلئ بالمياه ، فقد كان هناك سرب من العذارى جئن من مضارب الخيام ليحملن الماء قبل المساء ، فاطمأنن إلى خلو المكان ، واستخفهن جمال الأصيل ، وخلب ألبابهن بريق المياه ، فنزعن أثوابهن ونزلن فى الحوض يمرحن فيه ويلعبن ، بعد أن ملأن القرب والجرار . فتبسم امرؤ القيس للمنظر العجب ، واستهواه فتون الشباب ، فأسرع هابطا من الربوة ، وسار وحده نحو الوادى ، يختلس الخطى حتى صار عند ملابس الفتيات ، وهن لا يفطن إلى وجوده ، فجمعها في يديه وأسرع في خفة الوعل ، فكمن في جانب الوادي يتأمل حسن أجسامهن ، ويضاحك نفسه بما ينتظر من معانقتتهن .
فلما أدرك الفتيات بغيتهن من المرح واللعب ، خرجن يلتمسن ثيابهن حيث وضعنها ، وما كان أعظم فزعهن عند ما لم يجدنها . فعلا صياحهن من الذعر ، وأسرعن
يتدافعن ويتوائين ، يردن أن يجدن مكانا يختفين فيه ، فقد علمن أن هناك لابد رقيبا وقعت عينه عليهن . وخرج عند ذلك امرؤ القيس من مكمنه ، وصاح وهو ضاحك : (( لا بأس عليكن ، هذه ثيابكن إذا أردتن أخذها )) .
فعلت منهن عاصفة مضطربة من الصيحات ، بعضهن يلوم ، وبعضهن يشتم ، وبعضهن يهدد ، وقد تزاحمن يتماسكن ويتوارى بعضهن فى بعض ، ويحاولن التستر وراء الصخور وفى ثنايا الشعاب .
فقال امرؤ القيس فى لهجة هادئة مرحة : " لا عليكن من سبى ولومى ، فلقد آليت لا أعطى إحداكن ثوبها أو تأتى إلى لتأخذه ، أو فلتذهبن عاريات إلى بيوتكن ليعلم آباؤكن كيف تملأن جرار كن "
وكان لقوله الهادئ أثر عظيم فى الفتيات . فأقصرن عن الصياح والتهديد وأقبل بعضهن على بعض يتشاورن فيما هن فاعلات .
وبرز امرؤ القيس من ظل الصخور حتى بدا للفتيات ، فلما وقع عليه نظرهن علت منهن صيحة يشوبها فزع ، وتختلط بتهالف الضحك ، فقد عرفن انهن لن يجدن فى ذلك الفتى حيلة إلا بالنزول على إرادته .
واجترأت إحداهن فقالت لصاحباتها : " والله لا حيلة لنا فى أمر هذا الفتى ابن حجر ولخير لنا أن نتقيه بالطاعة " .
ثم سارت نحوه وهى تحاول إخفاء جسمها بشعرها المسدل ،ويديها المضمومتين،وخطوها المتعثر . وتبعتها صاحباتها يسعين فى أثرها ، حتى صرن عنده ، فمد يديه بالثياب فجعلت كل منهن تخطف ثيابها وتسرع عنه فتلبسها ، وهى تشتمه وتستنزل عليه اللعنة ، وهو يضحك ملء شدقيه ويجيبها بتحية ، مثنيا على ما بدا من جمالها الفاتن .
ـــــ ١٧٠٧ ـــــ
وجاءت أخري الفتيات جاهمة صامتة وعيناها مطرقتان والدمع يقطر منهما ، فما اقتربت من امرئ القيس ووقع عليها بصره حتى صرخ قائلا : " فاطمة ! " .
وكانت فتاة بيضاء مشربة بحمرة تتدلى غدائر شعرها الأسود الفاحم على كتفيها إلى خصر نحيل من جسم كأنه تمثال راهب صنع من مرمر شفاف !
وأسرع الفتى فرمى إليها ثوبها وخلع شملته فطرحها على كتقيها ووقف مادا إليها يديه قائلا بصوت متردد ممثلئ بالخشوع والاعتذار : " عفوا يا ابنة العم ! " .
فلبست الفتاة ثيابها على عجل وهى مدبرة عنه ، وسارت بعد ذلك مسرعة بغير ان تتكلم كلمة ، وهو يسير وراءها مادا ذراعيه متوسلا معتذرا متذللا .
وبلغت الفتاة فى سيرها ثنية فى الوادى تؤدى إلى منزل أبيها ، فعطفت إليها ونفذت منها إلى كثيب رملى ، فنوقلت فيه والفتى لا يزال يتبعها ويعتذر ويستغفر ، وهو من اضطرابه يتعثر فيقع ثوبه عن كاهله ، فيجره مذهولا وهو لا يدرى كيف يثبته على جسمه . فلما بلغت الفتاة ظهر الكتئيب وقفت ونظرت إليه غاضبة وقالت :
" حسبك يا هذاة ؛ لا تتبعنى . لقد ألحقت شرا بشر " فنظر إليها مستعطفا وقال : " قسما بيغوث ما عرفت أنك فيهن " . فقالت ولا تزال غاضبة لا تكاد تنظر إلى وجهه : " لا أحب أن يراك أحد تسير معى " . فقال وقد طعنته كلماتها : " ألست ابن عمك ؟ " فقالت بقسوة وجفاء : " لست على بأمين ، أنت فتى داعر " . ثم مضت عنه وتركته مبهوتا حائرا لا يدرى أيمضى
وراءها أم يعود ، ولا يعرف أيجيبها أم ينثنى عنها،وضلت عنه الكلمات فلم يستطع قولا ، حتى بعدت الفتاة عن عينيه وهبطت على جانب الكثيب نحو دارها ، ونظر في آثارها حزينا ، وقال كأنه يخاطب نفسه : " أواه ! أحقا تقطعيننى يا فاطمة ؟ " .
ثم أطرق وعاد أدراجه نحو رفاقه وقلبه مفعم بالهم ، والهواجس تنتابه وتتجاذبه ، فحينا يغضب لجفائها وقسوتها وردها له هذا الرد المهين ، وحينا ينوب إليه الندم على تلك الدفعة التى دفعه فيها ترف الشباب وخفة قلبه إلى اقتناص اللهو ، فيلوم نفسه لوما عنيفا ، ويتأسف على ما كان منه ، حتى انتهى به السير إلى صحبه ، فوجدهم مشتتين فى أنحاء الوادى يبحثون عنه ، خوف ان يكون قد أصابه شر من عدو رصد له ، او من وحش اعترض سبيله . فلما وقعت أنظارهم عليه تهللوا وصاحوا فرحين ، وأقبلوا عليه يسألونه عن سر غيبته ، وهو ساهم لا يرد إلا ردا ضعيفا . فلما ألحوا عليه فى المسألة قال لهم فى لهجة تبرم :
" دعونى ، فقد كنت أسير فى الوادى أروح عن نفسى عارضا من هم يعتادنى " .
وكانوا يعرفون فيه انه فتى عجيب ، يصيبه أحيانا مثل ذلك العارض فيضيق صدره بالهم ، ويسوء خلقه ، ولا يجرؤ أحد عند ذلك على إحراجه ؛ فسكتوا عنه ، ومضوا معه صامتين إلى مجلسهم ، معللين الأنفس بأن الشراب لا بد يذهب بما علق فى قلبه من ذلك العارض .
وأخذوا فى الشراب والسمر ، وحلت عقدة صمته بعد حين ، فأخذ يحدثهم ويحدثونه ، وينشدهم من أشعاره وينشدونه ، ولكنه كان لا ينشدهم إلا أشعارا با كية حزينة ، تروعهم بجمالها ، وتلقى على مجلسهم سحابة من الأشجان .
ـــــ ١٧٠٨ ــــــ

