الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 35الرجوع إلى "الثقافة"

من قصص العرب :, الملك الضليل، يوم دارة جلجل

Share

كان الفتى الراكب أجمل الفتيان ، وكانت فرسه العربية الكريمة أجود الجياد . كان الفتى فى ميعة الشباب ، خلعت عليه سن العشرين رونقها ، وهو يهتز للنسيم البلبل ، فى صباح يوم صاف من أيام الشتاء ، فى واد ضيق من وديان نجد ببلاد العرب ، وسار وراءه كلب طويل الجسم ، ضامر الحشا ، تظهر عليه الشراسة والضراوة ، وهو يتطلع بين حين وآخر نحو سيده ، كأنه ينتظر إشارته .

كان الفتى سمهرى القوام ، له ذلك اللون الأسمر الخمرى الذى تخلعه الصحراء ، وتجرى فى وجناته دماء الشباب القوى ، تكاد تنبض من تحت بشرته الرقيقة ، وكانت عيناه سوداوين واسعتين ، يبرق سوادهما الفاحم فى وسط بياضهما الناصع ، ثم تطرفان بأهداب طويلة تلمس أطرافها حاجبين دقيقين مقرونين . وكان الفتى فى ركوبه يرفع رأسه فى شىء من الميل ، فيبدى جانب أنفه الأقنى رقيقا كأنه حد السيف البدوى ، ويقلب نظره باسما فى أثناء سيره بالوادى فيتأمل عراره وخزاماه ، ويهتز لاخضرار عشبه وابتلال أغصانه ، فيتمايل على ظهر فرسه كأنه يجيب ألحان الحياة الخفية التى ينبض بها شبابه . بلغ به السير بعد قليل إلى دارة جلجل ، وهى قطعة

من الوادى ذات صخور ملساء ، بها وحدة فسيحة اجتمع بها ماء المطر الصافى المتلألىء ، يجعد وجهه مرور النسيم ، ويرقص عليه شعاع الضياء ، فنزل خفيفا عن فرسه ، وألقى زمامها على غاربها ، ومسح بيده على جبينها الواسع ، فجعلت الفرس تشم كتفيه وصدره متوددة ، وتضرب الأرض بحافرها كأنها تأبى على صاحبها أن يقف بها عند مثل هذا المكان القريب .

ووقف الكلب إلى ناحية كأنه غيران من تدليل سيده لفرسه ، وأقعى يلهث فى انتظار استئناف السير .

وذهب الشاب إلى الحوض فملأ منه إداوته ، ثم مال إليه فاحتسى منه لنفسه حفنتين ارتوى بهما ، ثم رفع رأسه فملأ صدره من الهواء الصافى ، وتبسم بسمة هادئة تنم عما كان يجيش فى نفسه من الارتياح إلى الحياة والتنعم بها .

وذهب إلى فرسه فعلق الإداوة فى جانبها ، ثم مر بيده على كفلها الناعم وقال كأنه يخاطب نفسه : (( لها كفل كصفاة المسيل )) .

ثم نظر إلى الصخر الأملس الذى اجتمع به الماء الصافى العذب وأعاد النظر إلى كفل الفرس ، ومر عليه بيده مرة أخرى ، كأنه يريد أن يستيقن من

- ١٧٠٤ -

صدق الشبه بين كفل فرسه وبين الصخرة التى صقلها مسيل المياه .

وانتحى بعد ذلك ناحية من الوادى وجلس يتأمل فرسه الرشيقة وهى تضرب الأرض بحافرها قلقة إلى السير والركض ، وأعجبه منظرها فجعل يجول ببصره فى أعضائها ، ويتنقل من عضو إلى آخر بعد أن يمتلى منه ويتملى بالإعجاب به .

وقال وقد نظر إلى حوافرها وسيقانها :

له أبطلا ظبى وساقا نعامة

                  وصبوة تشير قائم فوق مرقب

ويخطو على صم صلاب كأنها

                    حجارة تميل وارسات بطحلب

ثم رفع نظره إلى ذيلها المسبل الطويل الشعر وقال : (( لها ذنب مثل ذيل العروس )) .

وانتقل بعد ذلك إلى رأسها والهواء يلعب بعرفها وشعر ناصيتها ، فقال وهو يتأمله :

لها عذر كقرون النسا       يركبن فى يوم ريح وصر

لها جبهة كسراة السجن    حذفه الصانع المقتدر

لها منخر كوجار السبا     ع فمنه تريح إذا تنبهر

ثم وقف وذهب نحوها فاتحا ذراعيه كأنه يستعد للقاء صديق ، حتى إذا قرب مها احتضنها وقبل جبينها ، وقال كأنه يخاطبها : (( هلمى إلى الصيد يا خيفانة )) وقد أطلق عليها ذلك الاسم توددا يشبهها بالجرادة الصغيرة ، فقد كانت دقيقة الأعضاء ، ضامرة اللحم ، خفيفة فى العدو ، كأنها ظبية من الظباء . ثم قال وقد قفز على ظهرها :

وتعدو كعدو نجاة الظباء     أخطأها الحاذف المقتدر

وما كاد يتم كلمته حتى انطلقت الخيفانة تعدو فى الوادى كأنها تريد أن تظهر لسيدها صدق وصفه . وكانت تثب

فوق الشعاب كأنها لا تعرف سيرا غير وثب الظباء ، وعدا الكلب وراءها يشم الآثار حينا ، ثم يعدو فيسبق وينظر إلى سيده الراكب يريد أن يفوز برضائه عن صحبته ، فتبسم إليه الفتى وقد أدرك معنى نظرته وقال كمن يسترضيه :

ألص الضروس حتى الضلوع

                 تبوع طلوب نشيط أشر

فمضى الكلب يثب بحذائه ويعدو كأنه ارتاح إلى تقدير سيده وحسن رأيه فيه .

واستمر الشاب بعد ذلك فى وصف فرسه ، كلما وثبت وثبة خفيفة خطر له فيها معنى جديد ، وكلما أحدثت فى ركضها حركة بارعة تهز إعجابه ، وقع نظره منها على صورة رائعة ، وانتهى به السير بعد ساعة إلى فم الوادى ، فانفرج جانباه إلى مسيل واسع من رمال ناعمة قد غطاها العشب بين طويل وقصير ، ووشته الزهور بين أصفر فاقع من الخزامى ، وأحمر قان من العتم ونوار المضرس ، وأبيض ناصع من المرار ؛ وانتثرت به الأعواد القصيرة من مرخ وتمام وأرطى . فوقف لحظة وجعل يجول ببصره فى الفضاء المنبسط ، ويتدس به فى أصول الشجر والغصون ، ويستقرى به جنبات الرمال ، وهو فيما بين ذلك يتغنى بتهازيج قصيرة ، ويملأ صدره من الهواء الصافى . فلاح له بعد حين سرب من بقر الوحش لمعت ظهورها البيضاء فى ضوء الشمس ، يتخلل بياضها سواد قوائمها ، وهى تعدو فى عرض السهل ، فصاح صيحة فرح وأسرع بفرسه فأطلقها نحو السرب ، وكان الكلب أسبق إلى تنسم ريح البقر ، فسبق يعدو فى تجاهها ، يثب فوق الرمال ولا يكاد يمس الأرض من سرعته .

وأحس الوحش بالمطاردة فأسرع يلتمس النجاة ،

- ١٧٠٥ -

وكانت الأرض مبسوطة ليس فيها ثنايا ولا شعاب ، فطالت المطاردة ، وكاد الصيد يفلت إلى ما وراء الكثبان المحيطة بالفضاء . ولكن الكلب أدرك زوجا من الوحش ، ورآه الفارس عن بعد وهو يحاورها ويواثبها ويعقرها فى أفخاذها ثم يهر فى وجهها ، فوقف له ذكر البقر يحمى أنثاه ويدفع عنها ، وكز على الكلب وقد أيقن أنه لا بد له من النضال ، وبدأ بينهما صراع عنيف . وأدرك الفارس كلبه وهو لا يزال فى معركته عنيدا باسلا ، والدماء تسيل من جراح واسعة فى جنبه وبطنه . فسدد سهمه إلى الوحش ورماه فى جنبه الأيسر ، فترنح وارتمى إلى جانب شجرة ملتفة الأغصان ، ثم نهض بعد قليل وقد أحس بالحديد يمزق قلبه ، فجمع قوته فضرب الكلب بقرنه ضربة خرقت صدره ، وارتمى هو والكلب جميعا على الأرض والدماء تنزف منهما .

نزل الفتى مسرعا وقد راعه ما رأى ، فاخترط سيفه وذفف على الوعل الجريح . ثم أهوى بيده إلى الكلب يريد أن يسعفه ، فرآه فاترا يعانى خلجات الموت ، فأقمى إلى جواره ووضع يده على رأسه بحزن ، وقد علم أنه لن يقدر له على شىء ، فرفع الكلب إليه طرفا كليلا ونظر إليه نظرة وانية كأنه يشكره على حنانه ، ثم خمد بعد قليل .

فقام الفتى وهو يتنفس نفسا عميقا ، والحزن يجيش فى صدره لموت كلبه الوفى . ولم يمض من ذلك المكان حتى حفر له حفرة دفنه فيها ووضع على الحفرة أحجارا كبارا لتكون آية له فى ذلك السهل الفسيح ، لعله يوما يمر به فيعرج على حفرته تأدية لحقه عليه .

وذهب إلى الوعل الضخم فرفعه بعد مشقة ، ووضعه فوق ظهر الفرس ، وعاد به أدراجه إلى ذلك المكان الذى مر به فى الصباح ، عند الحوض الممتلىء بالماء الصافى بين الجنادل الملساء .

كانت الشمس عند ذلك قد مالت عن الزوال واتجهت التلال إلى الشرق ، وتوافدت قطع بيضاء من السحاب كأنها قطعان سائمة ، تجتمع حينا وتنتشر حينا ، وهى تغطى السماء جزءا بعد جزء مقتربة من كبدها اقترابا بطيئا .

وسار الفتى بصيده غير متعجل ، مترفقا بفرسه الضامرة بعد تلك المطاردة الطويلة فى صيد اليوم . فلما عاد فى سيره قريبا من دارة جلجل ، كانت الشمس تبدو من خلال السحب وهى مائلة نحو الأفق الغربى ، فينفذ شعاعها كقضبان من الذهب فى صحاف من الفضة ، وتوشى أطرافها بألوان ساحرة عجيبة .

ولما اقترب من المكان استقبلته صيحة عالية من فوق ربوة رملية صفراء ، فرفع بصره نحوها مبتسما ، ولوح بيده وهو يقصد نحو أصحابه الذين جاءوا إلى هناك على موعد ينتظرونه للسمر تلك الليلة ، فقد كانت ليلة قمراء من ليالى التمام .

ونزل عند أصل الربوة ثم أنزل الصيد الضخم فرماه على الرمل ووقف يتأمله قليلا ، وهبط إليه أصحابه سراعا وهم يتصايحون حتى صاروا حوله ، فأحاطوا به مرحبين فى صخب وحماسة ، وكانت تحياتهم مختلفة : (( مرحبا أبا وهب ! )) (( مرحبا جندح ! )) (( مرحبا بالأمير : )) (( صيد كريم يا امرأ القيس ! )) (( هدية ملك لندمائه ! )) (( عمت مساء يا ابن حجر ! )) ، وكان الفتى يجيب تحيات أصحابه بابتسامة أو مصافحة ، وفى مظهره ما ينبىء بأنه سيد كريم يتلقى ما ينبغى له من تحيات أتباعه وتبجيل أصحابه . فقد كان امرأ القبس بن حجر الكندى سليل بيت آكل المرار الكندى اليمنى ذلك البيت الذى كان يحكم بنى أسد ببلاد نجد منذ أجيال ، أبوه حجر بن الحارث ملك بنى أسد ، وحجر يستمد سلطانه من أبيه صاحب التاج فى الحيرة ، الحارث بن عمرو الملك العظيم ذى السطوة والسلطان الذى

- ١٧٠٦ -

لم يكن فى بلاد العرب عند ذلك ملك يبلغ شأوه .       اصطفاه عاهل فارس قباذ العظيم ليكون سيد العرب وجعله ساعد دولته الأيمن ، وجعل مقره فى الحيرة بعد أن طرد منها ملكها الأول وسليل حملة تيجانها المنذر بن ماء السماء اللخمي .

أسرع الفتيان بعد أن هدأت هزتهم ليوقدوا النار ويسلخوا الصيد ويجهزوا الطعام ، ويضعوا زقاق الخمر على جانب الربوة ويعدوا مجلسا لليلة رائعة يكون قطبها الفتى الجميل الكريم والشاعر المبدع والأمير البارع وابن الملوك الغطاريف والسمير العذب الحديث امرأ القيس بن حجر . وذهب الأمير فى أثناء ذلك إلى أعلى الربوة يستروح من عناء يومه ، فجلس ينظر حوله ويتملى بجمال منظر الشمس الغاربة والأرض الحالية بالزهر والعشب ، وبالفضاء الفسيح الذى يخيم عليه السلام . فحانت منه التفاتة إلى الوادي القريب فراعه منظر عند الحوض الواسع الممتلئ بالمياه ، فقد كان هناك سرب من العذارى جئن من مضارب الخيام ليحملن الماء قبل المساء ، فاطمأنن إلى خلو المكان ، واستخفهن جمال الأصيل ، وخلب ألبابهن بريق المياه ، فنزعن أثوابهن ونزلن فى الحوض يمرحن فيه ويلعبن ، بعد أن ملأن القرب والجرار . فتبسم امرؤ القيس للمنظر العجب ، واستهواه فتون الشباب ، فأسرع هابطا من الربوة ، وسار وحده نحو الوادى ، يختلس الخطى حتى صار عند ملابس الفتيات ، وهن لا يفطن إلى وجوده ، فجمعها في يديه وأسرع في خفة الوعل ، فكمن في جانب الوادي يتأمل حسن أجسامهن ، ويضاحك نفسه بما ينتظر من معانقتتهن .

فلما أدرك الفتيات بغيتهن من المرح واللعب ، خرجن يلتمسن ثيابهن حيث وضعنها ، وما كان أعظم فزعهن عند ما لم يجدنها . فعلا صياحهن من الذعر ، وأسرعن

يتدافعن ويتوائين ، يردن أن يجدن مكانا يختفين فيه ، فقد علمن أن هناك لابد رقيبا وقعت عينه عليهن . وخرج عند ذلك امرؤ القيس من مكمنه ، وصاح وهو ضاحك  :       (( لا بأس عليكن ، هذه ثيابكن إذا أردتن أخذها  )) .

فعلت منهن عاصفة مضطربة من الصيحات ، بعضهن   يلوم ، وبعضهن يشتم  ،  وبعضهن يهدد  ،  وقد   تزاحمن   يتماسكن ويتوارى  بعضهن  فى  بعض ، ويحاولن التستر   وراء الصخور وفى ثنايا الشعاب .

فقال امرؤ القيس فى لهجة هادئة مرحة :         " لا عليكن من سبى ولومى ، فلقد آليت لا أعطى إحداكن ثوبها أو تأتى إلى لتأخذه ، أو فلتذهبن عاريات إلى بيوتكن ليعلم آباؤكن كيف تملأن جرار كن "

وكان لقوله الهادئ أثر عظيم فى الفتيات .        فأقصرن عن الصياح والتهديد وأقبل بعضهن على بعض يتشاورن فيما هن فاعلات .

وبرز امرؤ القيس من ظل الصخور حتى بدا للفتيات ،   فلما وقع عليه نظرهن علت منهن صيحة يشوبها فزع ،  وتختلط بتهالف الضحك ، فقد عرفن انهن لن يجدن فى   ذلك الفتى حيلة إلا بالنزول على إرادته .

واجترأت إحداهن فقالت لصاحباتها  :     " والله لا حيلة لنا فى أمر هذا الفتى ابن حجر ولخير   لنا أن نتقيه بالطاعة " .

ثم سارت نحوه وهى تحاول إخفاء جسمها  بشعرها  المسدل ،ويديها المضمومتين،وخطوها المتعثر . وتبعتها  صاحباتها يسعين فى أثرها ، حتى صرن عنده ، فمد يديه  بالثياب فجعلت كل منهن تخطف ثيابها وتسرع عنه فتلبسها ،   وهى تشتمه  وتستنزل عليه اللعنة ، وهو  يضحك  ملء  شدقيه ويجيبها بتحية ، مثنيا على ما بدا من جمالها الفاتن .

ـــــ ١٧٠٧ ـــــ

     وجاءت أخري الفتيات جاهمة صامتة وعيناها مطرقتان والدمع يقطر منهما ، فما اقتربت من امرئ القيس ووقع عليها بصره حتى صرخ قائلا : " فاطمة  ! "  .

وكانت فتاة بيضاء مشربة بحمرة تتدلى غدائر شعرها  الأسود الفاحم على كتفيها إلى خصر نحيل من جسم كأنه    تمثال راهب صنع من مرمر شفاف !

وأسرع الفتى فرمى إليها ثوبها وخلع شملته فطرحها  على كتقيها ووقف مادا إليها يديه قائلا بصوت متردد ممثلئ  بالخشوع والاعتذار  :  " عفوا يا ابنة العم  ! " .

فلبست الفتاة ثيابها على عجل وهى مدبرة عنه ، وسارت  بعد ذلك مسرعة بغير ان تتكلم  كلمة ، وهو يسير وراءها   مادا ذراعيه متوسلا معتذرا متذللا .

وبلغت الفتاة فى سيرها ثنية فى الوادى تؤدى إلى  منزل أبيها ، فعطفت إليها ونفذت منها إلى كثيب رملى ،  فنوقلت فيه والفتى لا يزال يتبعها ويعتذر ويستغفر ، وهو  من اضطرابه يتعثر فيقع ثوبه عن كاهله ، فيجره مذهولا    وهو لا يدرى كيف يثبته على جسمه . فلما بلغت الفتاة    ظهر الكتئيب وقفت ونظرت إليه غاضبة وقالت :

" حسبك يا هذاة ؛ لا تتبعنى . لقد ألحقت شرا بشر "  فنظر إليها مستعطفا وقال :  " قسما بيغوث ما عرفت أنك فيهن " .   فقالت ولا تزال غاضبة لا تكاد تنظر إلى وجهه :  " لا أحب أن يراك أحد تسير معى " .  فقال وقد طعنته كلماتها : " ألست ابن عمك ؟ "  فقالت بقسوة وجفاء :  " لست على بأمين ، أنت فتى داعر " .  ثم مضت عنه وتركته مبهوتا حائرا لا يدرى أيمضى

وراءها أم يعود ، ولا يعرف أيجيبها أم ينثنى عنها،وضلت عنه  الكلمات فلم يستطع قولا ، حتى بعدت  الفتاة  عن عينيه وهبطت على جانب الكثيب نحو دارها ، ونظر في آثارها حزينا ، وقال كأنه يخاطب نفسه :    " أواه ! أحقا تقطعيننى يا فاطمة ؟ " .

ثم أطرق وعاد أدراجه نحو رفاقه وقلبه مفعم بالهم   ، والهواجس تنتابه وتتجاذبه ، فحينا يغضب لجفائها وقسوتها وردها له هذا الرد المهين ، وحينا ينوب إليه الندم على تلك الدفعة التى دفعه فيها ترف الشباب وخفة قلبه إلى اقتناص اللهو ، فيلوم نفسه لوما عنيفا ، ويتأسف على ما كان منه ، حتى انتهى به السير إلى صحبه ، فوجدهم مشتتين فى أنحاء الوادى يبحثون عنه ، خوف ان يكون قد أصابه شر من عدو رصد له ، او من وحش اعترض سبيله . فلما وقعت أنظارهم عليه تهللوا وصاحوا فرحين ، وأقبلوا عليه يسألونه عن سر غيبته ، وهو ساهم لا يرد إلا ردا ضعيفا . فلما ألحوا عليه فى المسألة قال لهم فى لهجة تبرم :

" دعونى ، فقد كنت أسير فى الوادى أروح عن  نفسى عارضا من هم يعتادنى " .

وكانوا يعرفون فيه انه فتى عجيب ، يصيبه أحيانا مثل ذلك العارض فيضيق صدره بالهم  ،  ويسوء خلقه  ،  ولا  يجرؤ أحد عند ذلك على إحراجه ؛ فسكتوا عنه ، ومضوا  معه صامتين إلى مجلسهم ، معللين الأنفس بأن الشراب  لا بد يذهب بما علق فى قلبه من ذلك العارض .

وأخذوا فى الشراب والسمر ، وحلت عقدة صمته بعد حين  ،  فأخذ  يحدثهم ويحدثونه ، وينشدهم  من  أشعاره وينشدونه ، ولكنه كان  لا  ينشدهم  إلا  أشعارا با كية حزينة ، تروعهم بجمالها ، وتلقى  على مجلسهم سحابة من الأشجان .

ـــــ  ١٧٠٨ ــــــ

اشترك في نشرتنا البريدية