الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 37 الرجوع إلى "الثقافة"

من قصص العرب :, الملك الضليل، (٣ )، " انثي بعينية "

Share

ملخص لما سبق : ( كان امرؤ القيس بن حجر ، فتي رقيق الحس وثاب النفس ؛ وكان يميل إلى اللهو والعبث ) ولكنه مع ذلك كان يهوي فتاة من بني عمومته ، اسمها فاطمة ، وتعرض يوما إلى بعض الفتيات لمعاينتهن عند دائره جلجل وكانت فاطمة فيهن ، فغضيت وأخبرت أباها بما كان من امرئ القيس ، فنزح أبوها فرارا من العار . وأثر بعد فاطمة في امرئ القيس أثرا شديدا ؛ فمرض وكاد يهلك ، ولما شفي من مرضه تغيرت نفسه ، وامتلأت باليأس من حب فاطمة ، وأقبل على اللهو والخمر ، ومعاشرة المجان . . .

كان عامر بن معاوية الجون الكندي أبو فاطمة من أركان دولة حجر بن الحارث - فهو فارس باسل ، وأمير شهم شريف ، يؤلف قلوب بني اسد بكرمه وحلمه ، ويشد دولة ابن عمه حجر بشجاعته . ولهذا كان الملك حجر محرص كل الحرص على مودته وإخلاصه ، ويعتمد عليه فيما كان يخشى وقوعه من الكوارث بدولته ، فقد كانت الكوارث تخفق في جو بلاده ، كما تخفق أجنحة الخفافيش في الظلام

كان بنو اسد عند ذلك يتحركون للوثوب بملكهم حجر لانهم احسوا ثقل وطأته عليهم ، وشجعهم على ذلك ما سمعوه من اضطراب امر أبيه الملك الحرث بالحيرة واشتغاله بمحاربه منافسه القديم المنذر بن  ماء السماء . فلما نزح عامر بأهله في جنح الليل ، وباعد بلاد بنى اسد ، احس حجر بأن دعامة قوية من دعائم ملكة زالت من موضعها ، ولم يدر ماذا حمله على ذلك النزوح ، واراد ان يعرف السبب الذي دعاه إلى المباعدة ، فأرسل

المرسل إليه يستدعيه ، وكتب إليه الكتب يستعيد مقامه في جواره ؟ فكان عامر يعتذر ويمتنع في إصرار عجيب .

ولكن السر في نزوحه لم يبق طويلا في أطباق الخفاء ، فذاعت منه ذائعة ، ثم تردد النبا خفية في المجالس ، ولم يلبث أن بلغ آذان حجر ، وكان وقعه عليه ألما علم حجر أن ابن عمه قد هرب خوفا على شرفه من اعتداء ولده الحبيب الفتي الشاعر امرئ القيس . علم ان ابن عمه الفارس الشجاع قد اثر ان يبعد عن موطنه وهو يضمر موجدة لم يقدر على الابانة عنها ، يريد ان يفر بشرفه سالما ، قبل ان يكون الفتي الشاعر سببا في فضيحته بين العرب ، او عاملا على إثارة العداوة بينه وبين ابن عمه الملك حجر من أجل المحافظة على عرضه .

وكانت غضبة حجر على ولده عظيمة عند ما عرف ذلك السر ، ولكن حزنه على مرضه ، وجزعه من خوف فقده لم يدعوا له مجالا لإظهار غضبه عليه ، ولما شفي امرؤ القيس ، نبي أبوه الحانق ما اثار في نفسه من الموجدة عليه ،

منذ امتلا قلبه بالفرح لشفاء أعز أبنائه وأقربهم إلي قلبه

وقام امرؤ القبس من مرضه الذي أصابه عقب رحيل أبنة عمة ، وقد تغيرت نفسه ، وتبدلت خلائقه حتى كانما بعث بعثا جديدا ، قام الفتي من الحمي ورأسه مفعم بالثورة كان من قبل مرضه يحب اللهو ، ويستخفه المرح ، وينشط إلي الصيد ، ويرتاح إلى المعابثة والمزح ، ويستفزه الطرب احيانا ، فيتغني بالشعر ويشيب محاسن النساء ، وتدفعه نشوة الخمر احيانا إلى كثير من الإغراق في القول ، ولكنه كان بعد كل ذلك يضمر في قرارة قلبه حبا واحدا ، ويحرص في اعماق نفسه على صورة واحدة جعل صدره لها معبدا ؛ ذلك هو حب فاطمة ، وصورة فاطمة .

كان يعبث احيانا بذكر غيرها ، ولكنه كان لا يذكرها في شعره إلا تلميحا . وكان بلهو أحيانا بالتماجن مع فتيات بني اسد ، غير عاني أن يغضب عليه احد من أهلهن ، ولكنه كان لا يجرؤ على أن يتعرض بكلمة قد تغضب فاطمة .

فلما وقع منه ما وقع يوم دارة جلجل ، ورحلت فاطية عن منازلها كانت الصدمة اعتنف من ان يقوي عليها شاعر مرهف الحس مثله . فدهدهته وازدته إلى هوة لم يستطع ان يتمالك نفسه فيها ، وقام من مرضه الذي أصابه وقد ملا الياس قلبه ، اليأس من هوي مثل هوي فاطمة . فلم يبق له إلا العبث الذي كان يعبثه بسواها

وأصبح الشراب الذي كان يتخذه آلة لطربة ومنشطا علي سمره ولهوه ، مسكرا يقبل عليه لكي يغرق فيه بأسه وهمه ، وليهرب في نسيانه وهذيانه وخدره من حقائق حياته ومن خذلانه

وضاقت صدور بني اسد ما كان يصنعه الفتي السادر في عبثه . كانت يتعرض لفتياتهم ويرصد لنسائهم ، لا يبالي الضعيف منهم فيعلن تعرضه لحرمه ، ويداري القوي ولكنه يتخذ من حسنه وشبابه وجاهه أسبابا للتدسس

سرا إلي الغواية والفتنة في عرضه .فتحدث الناس في مجالسهم بما يحدثه الفتي فيهم ، وتحركت الحقيقة تحت ستار الخفاء ، خشية من غضبة الملك حجر الذي عودهم شدة البطش ووبال التنكيل . فسكان خطرها أعظم وسريانها أقوي وأسرع .

اجتمع بنو اسد في شعب من شعاب أرضهم في ليلة صافية من ليالي البدر . وكان ظاهر امرهم انهم ينظرون في جمع ما طلبه الملك حجر منهم من أموال وجنود يمد بها اباه في الحيرة وهو في نضاله العنيف مع منافسه المنذر بن ماء السماء ؛ ولكنهم كانوا يلتمسون في اجتماعهم وجوء الحيل للوثوب به ولافشاء سره إلي عدوه وعدو ابيه ولاشاعة قالة السوء عنه وعن أهله وقومه وبنيه

ولما انعقد الجمع واطمان ، ووقف منهم حراس ربيئة عند اطراف الشعب الذي اتخذوه في تلك الليلة مجمعا ، وقف سيدهم عمرو بن مسعود ، فنظر القوم إليه في صمت وإ كبار ، وكان رجلا نحيلا رقيق البشرة ابيض اللون في صفرة . وكانت لحيته البيضاء تكسب وجهه روعة كانها الآطار الفضى حول صورة رقيقة الألوان . وتكلم بنبرات هادئة واضحة في صوت مطمئن منخفض فقال : " لو علمت ان الغدر ينجيكم ما نصحتكم به ولا وافقتكم عليه ، فما بالكم وهو يوقع بكم النكبة ؟ " .

فقام رجل من اقصي المجلس ضئيل الجسم ، أسمر اللون كأنه ينب وثوبا وهو قائم ، فالتفت الجمع إليه ، وتبدلت نظرتهم من الإ كبار إلي التحفز والغضب ، ولمس الرجل عئونه الأسود بيده ، واجال في القوم نظرة خاطفة مضطربة ثم بدا يتكلم مسرعا بصوت حاد فيه نغمه الحنق فقال : " وعلام نصبر بعد اليوم ؟ أبعد هتك أعراضنا وإشاعة الفساد بين ظهرانينا نتكلم عن الغدر وعن النكبة ؟ وأي نكبة أشد من ان يذهب الرجل منكم إلي التماس رزقه فلا يدري من يكون في فراش أهله ؟ هذا امرؤ القيس

ابن حجر في جماعته ، لا تمضى ليلة بغير ان يحدثوا حدثنا من الخنا يتحدون ، في اسمارهم ، وكانكم قد قنعتم بأن يخافكم هذا الفتي الجميل علي حرمكم ، ويلقي على فراشكم بنسله ينسبه إليكم ؟ "

فتحرك الجلوس حانقين في مجالسهم وصاحوا بالرجل ((حسبك يا عبيد ! كفاك سبا لنا يا بن الأبرص ")) .

فلم يعبأ الرجل بمقاطعتهم ، ومضي في قوله ممعنا في تهكمه اللاذع قائلا : " لئن كنتم تشعرون من أنفسكم العجز والضعف عن حماية اعراضكم من هذا العار فدونكم  الارض واسعة ، فاضربوا فيها ، واخرجوا من مقامكم الذليل كما خرج عامر بن معاوية الجون يلتمس النجاة بأهله من العرة ، أما انا فوحق الاقيصر ومناة ، لا بقيت بعد اليوم على ما ترضون به من الهوان " .

ثم جلس في عنف وهو لا ينظر في وجه أحد ممن حوله . وساد سكون شامل حينا ليس بالقصير ، ثم تردد القوم وجعلوا يتهامسون وينظرون إلى عمرو بن مسعود ينتظرون جوابه . وقام الشيخ بعد حين يتكيء على عصاه في بطء فسكنت الانفاس مرة اخرى ، واجتمعت الانظار عند وجهة ، فمر الرجل بيمناه على جبيبنه كانه يمسح عنه العرق ، ثم قال بصوت المطمئن : لقد افحش ابن الأبرص وغلبه الحقد على صاحبه امرئ القيس ، فامرؤ القيس رجل شاعر . .

فنهض عبيد غاضبا ولم يمهل الشيخ حتي يتم حديثه ، بل صاح يقاطعه فقال : " إذا كان الشيخ يعجبه الشعر . فإني مسمعه شيئا من قول امرئ القيس " .

ثم اندفع بنشد أبياتا ويتغني بها ، ويمط ألفاظها ويدس فيها نيرات التهكم والسخرية ، فقال :

سموت إليها بعدما نام أهلها

سمو حباب الماء حالا علي حال

فقالت سباك الله ! إنك فاضحي

ألست تري السمار والناس أحوالي

فقلت يمين الله أبرح قاعدا

ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي

حلفت لها بالله حلفه فاجر

لناموا فما إن من حديث ولا صال

فلما تنازعنا الحديث وأسمحت                                

عصرت بغصن ذي شماريخ ميال

وصرنا إلي الحسي ورق كلامنا

ورضت فذت صعبة أي إذلال

فأصبحت معشوقا وأصبح بعلها                                                     عليه القنام سئ الظن والبال

يغط غطيط البكر شد خناقه  

ليقتلني والمرء ليس بقتال

أيقتلني والمشرفي مضاجعي                                                ومسنونة زرق كأنياب أغوال

أيقتلي اني شغفت فؤادها                                          

كما شغف المهنوأة الرجل الطالي                                                  

وقد علمت سلمي وإن كان بعلها

بأن الفتي يهذي وليس بفعال . .

ثم وقف قليلا عن الكلام ونظر في وجوه القوم واطمأن إلي ما بدا عليها من الحقد والغضب ، ثم نظر إلي ابن مسعود وقال يخاطبه : " أري الشيخ قد أعجبه القول وطرب له ولان قلبه للحديث الحلو . وإلا فما بالي أراه صامتا ؟ "

ونظر القوم إلي ابن مسعود ، فراوه مطرفا يعبث بالأرض بعصاه وهو واجم ، فسرت فيهم حركة قلقة واخذت اصواتهم تعلو في الجدال ، ثم قام رجل كان جالسا إلي جوار ابن الأبرص فقال : " صدق ابن عمي عبيد أعلى مثل هذا الهوان بصير ؟ "

فزادت حركة القوم وعلت أصواتهم ، ثم قام كهل حسن الوجه مديد القامة قوي البنيان ، وتكلم في صوت

مجلجل " صدق المهاجر بن خداش ، فما ينبغي الصبر على مثل هذا " .

فتمالت الأصوات من جوانب الجمع صائحة : " صدقت قبيصة بن نعيم صدقت " !

ولم يجد عمرو بن مسعود بدأ من القول بعد ان رأى قومه يكادون يفلتون من يده ، وتحرك للوقوف ، ولكن الضجة لم تسكن إلا بعد حين ، وكانت على وجوه القوم سحب من الحنق والضجر عندما بدا حديثه في لفظ متردد : " لقد علمتم يامعشر بني اسد انني لا أسعي إلا في خيركم . فدعوني التمس من هذا الأمر مخرجا ، وسيكون مني ما ترضون " .

ثم التفت إلى المهاجر بن خداش وقبيصة بن نعيم فقال لهما : " هذا أمر لا بد فيه من المشاورة والتدبير فهلما معي لنتم الحديث " .

ثم قام ذاهبا إلي بيته وسار وراءه الرجلان ، وأخذ الجمع ينصرف مثني و ثلاث ورباع وهم في جدال حائق ، ولم يبق غير ابن الأبرص في جماعة يحدثهم في ناحية من الشعب ، حتى مضي صدر من الليل ، وكان كل حديثه عن امرئ القيس وشعره وعن قصصه الماجنة مع فتيات بني اسد .

كان حجر في مجلسه في تلك الليلة ، فأتي إليه رجل من عيونه الذين كان يبثهم في رعيته ليستطلعوا له انباءهم ، فوقف إلي جواره حينا يحدثه في همس وهو يصغي إليه بانتباه . وتغير مظهره في اثناء ذلك ، فعراه اضطراب وبدا عليه الغضب ، ثم نظر إلي الرجل وقال : " ولا يزالون هناك ؟ "

فقال الرجل : " بل انصرفوا ولم يبق غير عبيد " . فصر حجر باسناء غيظا واسود وجهه وقال يخاطب نفسه : " ذلك الثعبان المتلوي " .

ثم نظر إلي الرجل مرة اخري وقال : " واين رايت امرأ القيس مع أصحابه ؟ "

فقال الرجل : " في شعب القراة " .

فنهض حجر واقفا وأشار إلي الرجل أن يسير معه ، وخرج إلي الفضاء يسير في سلاحه في خطوات واسعة متعجلة . فافضي بهما السير بعد حين إلى جانب واد قريب كثير الشجر من السمر والضال ، يجري في بطنه جدول دقيق ، يخر من عين في جانبه الصخرى . فوقف الرجل في احتراس وأشار إلي حجر هامسا : " هناك عند العين " .

فاشار حجر إليه ان يقف حيث هو ، مع سار في خفه في ظل الصخور حي اقترب من العين ، فوقف على مسافة منها احد ، وراي هناك ما كان يود ان يراه . رأي جمعا من الفتيان جالسين حول فتاة خليعة ، من فتيات كن لا ينتسبن في قبيلة ، بل يهمن على وجوههن بين القبائل يتنسقطن العيش من منادمة الفتيان وتحمل عبثهم ومشاركتهم في مجونهم وفجورهم .

وأرهف أذنيه ليسمع ما يدور بينهم من الحديث ، فحمل النسيم إليه اصوات الضحك والمزاح ، وسمع بينها صوت ولده امرئ القيس وهو يضحك في فتور الخمر ، او يرسل فكاهة من فكاهاته الصاخبة يضحك بها الجمع ، فضاق صدره بأنفاسه ، وهم ان يذهب نحو الفتيان ليبطش بهم في غضبه ، وليبطش بولده الماجن بينهم ، ولكنه لم يكد يسير خطوة حتى سمع ضجة عالية وأصواتا تنادي ولده في صخب مضطرب لينشدهم شيئا من شعره . وجمع صوت نابعه الوفي ربيعة ابن عمرو ، فوقف متعجبا من وجوده بينهم وانتظر ليري ما يكون منه

وقف ربيعة حتى اقترب من امرئ القيس وهمس فى اذنه بكلمات، واخذ بيده يجذبه كانه يريد ان يذهب به ، ولكن الفتيان كانوا قد ذهبوا في شعاب الخمر ، وضلت احلامهم ، فحملوا على ربيعة وهم يتمايلون ، وجعلوا يجذبونه ويصيحون به ان يجلس او ان يذهب عنهم ، فقد برموا به وضجروا من سوء صحته .

وضحك امرؤ القيس ضحكة عالية ، وجذب ذراعه من

صديقه وهو يتمايل ، ودفعه بعيدا عنه قائلا في لفظ متلمئم : " إليك عني ، واكفف اليوم نصائحك . فلقد أصبحت ثقيلا " .

فخجل ربيعة وغضب مما لاقاه به الفتيان ، وانصرف حانقا ، وضحكات السخرية تشيمه ، وقد عزم في نفسه الا يصاحب امرا القيس بعد اليوم . وما كاد يسير خطوات حتى لاحت له يد تشير إليه من جانب الوادي ، ففزع خوفا ان يكون ذلك عدوا يريد ان يهم به ، فارتد إلى الوراء قابضا على سيفه ، ثم نظر إلي الشخص الذي بدا من الظل ، فما راعه إلا أن يري الملك حجرا نفسه وهو اسود الوجه مختلج الأعضاء من شدة الغضب . فذهب إليه ووقف إلي جواره صامتا ، وعند ذلك كان امرؤ القيس قد وقف بين اصحابه وهم يتصايحون به ان ينشدهم ، ثم اخذ يتغني لهم بأبيات من شعره ، وما كاد يبدأ حتى خشعت أصواتهم إلا همهمة الإعجاب وصرخة الطرب بين حين وحين .

بدأ امرؤ القيس فقال وقد ظهر في صوته رنين من الحنين والحزن :

قفا نبك من ذكري حبيب ومنزل

بسقط اللوي بين الدخول فحومل

فتوضح فالمقرأة لم يعف رسمها                                             لما نجتها من جنوب وشمأل

تري بعر الآرام في عرصاتها

وقيعانها كأنه حب فلفل

كأني غداة البين يوم تحملوا

لدي سمرات الحي ناقف حنظل

وقوفا بها صحبي علي مطيهم

يقولون لا تهلك أسي وتجمل

وإن شفاني عبرة إن سفحتها

وهل عند رسم دارس من معول

ففاضت دموع العين مني صبابة

على النحر حتي بل دمعي محملي

فتذكر ربيعة عند ما سمع هذا النشيد ذلك الموقف الذي كاد الفتي يهلك فيه في آثار فاطمة وهي مرتحلة . وتذكر حزنه وبكاءه ، ووقوعه خائرا عند شجيرات السمر ، وتذكر كيف كان هو يعزيه ويطلب إليه ان يتجلد ويتجمل ، وينصحه الا يهلك نفسه اسي . ولم يملك الرجل ان يذرف دمعة من الإشفاق على صديقه المسكين الذي يهوي مع نفسه الثوارة إلي حيث لا يستطيع أحد نجدته .

ولما بلغ امرؤ القيس ذلك القول صاح به احد اصحابه وقد غلبه السكر فقال : " دعنا من هذه الدموع يا جندح فما نحن هنا للبكاء " .

وكان الكلمة قد وقعت موقع الرضا من إخوانه ، فرددوها وصاحوا بامري القيس في الفاظ فائرة من أثر الخمر ، يطلبون منه أن يعدل إلي نغمة أخري أكثر إيناسا وبشرا .

فوقف امرؤ القيس لحظة عن الإنشاد ، ثم صحك ضحكة عالية وقال لأصحابه : " إذا فاسمعوا :

ويوم عقرت للعذاري مطيتى

فيا عجبا من رحلها المتحمل                                                فظل العذاري يرتمين بلحمها

وشحم كهداب الدمقس الفتل

ويوم دخلت الحدر خيدر عنيزة

فقالت : لك الويلات إنك مرجلي                                                تقول وقد مال الغيط بنا معا

عقرت بعيري يا امرا القيس فانزل                                                             فقلت لها سيري وأرخي زمامه

ولا تبعديني من جناك المعلل

فعلت عند ذلك صيحة من الفتيان ، وجعلوا يرددون يته في تلمئم واسترخاء ، ونظر ربيعة إلى حجر فوجده يكاد ينفجر من الغضب . ولكنه اشار إليه بالصمت يريد ان يري مدى قول ولده الماجن . ومضى امرؤ القيس يقول :

وبيضة خدر لا يرام خباؤها تمتعت من لهور بها غير معجل

تجاوزت حراسا وأهوال معشر

إذا ما التربا في السماء تعرضت                                                       علي حراصا لو يسيرون مقتلي

تعرض أثناء الوشاح المفصل

فجئت وقد نضت لنوم ثيابها                                                  لدي الستر إلا لبسة المتفضل

فقالت يمين الله ما لك حيلة                                                         وما إن أري عنك الغواية تنجلي

وهنا عادت الضجة إلي مثل ما كانت عليه ، وجعل

الفتيان يكررون الأبيات في لهجة من ملكت عليهم الخمر

ألسنتهم . وبعد لحظة استمر الفني في إنشاده :

خرجت بها نمشي نجر وراءنا

على أتريسنا ذيل مرط مرجل

فلما أجزنا ساحة الحي وانتحي                                              بنا بطن حقف ذي قفاف عقنقل

هصرت بقودي رأسها فمايلت                                                على هضيم الكئح ريا المخلخل

إذا التفتت نحوي تضوع ريحها                                            نسيم الصبا هبت بريا القرنفل

مهقهقة بيضاء غير مفاضة                                                          ترائبها مصقولة كالجنجل

فعادت صحية الفتيان اشد مما كانت ، وجعلوا يرددون ابياته ويتصايحون ويستعيدونه الإنشاد .

ولم يعلق حجر الصبر بعد ذلك ، فقبض على سيف وسار مسرعا نحو الجمع وربيعة في اثره يريد ان يرجعه . والرجل كالفحل الهائج لا يلويه الرسن .

فلما بلغ دائرة الفتيان ووقعت أنظارهم عليه وقفوا وجلين وهم يتمايلون . فصاح بهم صيحة مروعة قائلا :

((تعسا لكم أيها الفجرة ، أزيار نساء ، ورضعاء زق ! ))

ثم جرد سيفه هاجما عليهم فتفرقوا جميعا وهم يترمحون ، ويقع بعضهم على بعض ، ولكن امرا القيس وقف كالرمح وكان السكر قد ذهب عنه ، فلم يتمايل ولم يفزع ، بل نظر إلي أبيه في وقاحة وجراة لم يسبق له مثلها ، وقال بلسان معوج : " ماذا تريد منا أيها الشيخ ؟ "

فرفع حجر يده بالسيف يريد أن يهوي به علي رأس الفتي ، فأسرع ربيعة وقبض على يمينه وقال يريد ان يهدئه : " ما كان لك أن تفعل ذلك بيدك " .

فنظر إليه حجر ولا يزال يختلج من الغضب ، ولكنه اغمد سيفه ونظر إلى ولده وقال له بصوت يقطر السم " اهذا انت ايها الصعلوك الدنئ ، تمضي في مثل هؤلاء وتجعل من نفسك ضحكة لهم يتخذونك ملهاة تنشدهم احاديث دعارتك ؟ اهذا انت أيها الفاسق تتغني بأخبار جناياتك وجرائمك ؟ "

وكان حجر على وشك ان يبدأ حملة اخري من تقريعه ، ولكن الألفاظ وقفت على شفتيه ، إذ سمع ولده يضحك ضحكة عالية ويقول له في لهجة الساخر بألفاظ ملتوية : " إذا لم يعجبك قولي ؟ إنك لا تستطيع أن تهتز إلا لتلك الدماء التي تسفكها " .

ثم مضي يترنح ماضيا في أثر اصحابه ، فأسرع حجر إليه وضربه بيده على قفاه ضربة القته على الأرض صريعا ، وعاد يجرد سيفه للاجهاز عليه ، فأدركه ربيعة مرة اخرى واعاد عليه قوله الأول : " لا ينبغي لك أن تفعل ذلك بيدك " .

فقال له حجر محنقا : " إذا تفعل ذلك أنت . اقتله وائتني بعينيه الوقحتين اللتين تحملقان في " .

ومضي مسرعا لا يسكاد يري مواقع أقدامه من شدة الغضب .

اشترك في نشرتنا البريدية