الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 41الرجوع إلى "الثقافة"

من قصص العرب:, الملك الضليل، (٧)، اليوم خمر وغدا أمر

Share

ملخص لما سبق : (كان امرؤ القيس ابنا لحجر الكندي ملك بني أسد، وكان فتي شاعرا، دقيق الحس؛ أحب إحدى بنات عمومته فاطمة؛ ولكنه كان كثير العبث، فأغضبها عبثه ، ونزحت مع أبيها عن ديار بني أسد؛ فاثر ذلك اثرا شديدا في نفس امرئ القيس ومرض، وكاد يهلك؛ ولما شفي من مرضه تغيرت طباعه. وأقبل على شرب الخمر والمجون. وسمع أبوه بذلك فغضب عليه ونفاه من جواره؛ فسار في بلاد العرب يضرب في الآفاق مع جماعة من الصعاليك والذؤيان. وحدثت حوادث سياسية أدت إلي تزعزع مركز الملك الحارث بن عمرو ملك الحيرة وهو أبو حجر الكندي؛ ثم غلبه منافسه المنذر بن ماء السماء اللخمي وطرده من الحيرة. واضطر الملك حجر إلي مساعدة أبيه، فأشتد في جباية الأموال من بني أسد حتى ثقل عليهم، فأخذوا في سبيل الثورة عليه؛ فغضب حجر على بني أسد وأوقع بهم وضرب سراتهم بالعصا وقتل بعضهم ثم نفاهم من الأرض؛ ولكنه اضطر إلي استرجاعهم عندما تحرجت الأمور وعندما بلغه مرض أبيه الملك الحارث بعد هزيمته المنكرة وهربة من الحيرة. وكان امرؤ القيس في هذه الأثناء لا يزال في تجواله مع أصحابه يقضي أيامه في الصيد واللهو، فساقته المصادفة العجيبة إلي بيت فاطمة وكانت قد تزوجت. وصدمته هذه المقابلة صدمة عنيفة جعلته يعزم على الذهاب إلي اليمن والإقامة معتكفا في منزله بجوار جبل دمون . . .)

كانت الشمس الغاربة ترسل شعاعها على رأس دمون، ذلك الجبل اليمنى الشامخ، فتصبغه بألوان عجيبة من حمرة إلى صفرة إلي زرقة، تتراقص عليه كانما هو ملعب من ملاعب الجان تنشر فوقه حللها الشفافة الخفية

وجلس امرؤ القيس وحده ذلك المساء امام بيته على صخرة اتخذها مقعدا، وجعل ينظر إلى ذلك الجبل الشاهق وهو ممتلىء القلب بالكآبة، فوجد خياله يذهب برغمه إلي تلك الخيمة التي لاحت له منذ ايام وهو فوق الربوة، وإلي المرأة التي رآها عند بابها تمخض اللبن، فتحرك متضجرا يريد ان يصرف عن ذهنه تلك الصورة فلم يقدر، فقام ذاهبا إلي بيته وحمل منه زق الخمر ليغرق فيه همه، كما

كان يفعل كل ليلة إذا ساورته الشجون وألحت به. وفيما هو خارج من البيت وقعت عينه على صديقه عمرو بن قمية يقصد نحوه بخطى مترددة، وقد ارتسم على وجهه الحزن والإشفاق؛ فنظر نحوه في حيرة، واحس بكراهة شديدة لمقدمه، لانه اصبح لا يستريح إلى مجلس صديق، ولا يهتز إلى طرب، ولا تنبسط نفسه إلى سمر؛ بل كان يطلب الوحدة، ويباعد اصحابه ليخلو إلى نفسه ويناجيها بما يضطرم فيها من وجده وشجنه.

غير انه ملك نفسه ووقف ينتظر صديقه وهو يتكلف الابتسام، وقال بعض ألفاظ الترحيب خشية من إيلام ضيفه الوافد عليه.

وجلس الصديقان بعد تحية قصيرة، وعاودهما الصمت، فقد كان امرؤ القيس قطب مجالس أصدقائه، ومعين سمرهم وطربهم، فكان إذا صمت وأطرق لم يجر في المجلس حديث.

واراد امرؤ القيس أن يحيي مجلس صديقه بشيء غير الحديث، فقام إلي الخيمة واحضر زق الخمر وحمل معه كأسين من النحاس، ثم اتى بآلة النرد، وعلق مصباحا في عمود الخيمة، وجلس مع صديقه يلاعبه ليتسليا على الشراب، ثم طلع البدر وهب النسيم رخاء، فأخذت اشجان امرئ القيس تنقشع عنه شيئا بعد شئ مع توالي اللعب والشراب، حتى بدا يضاحك صديقه ويمازحه ويتغني له ببعض شعره كلما انتصر عليه في دست من اللعب.

وفيما كان الصاحبان منصرفين إلى اللعب، وقد ظهر عليهما اثر الخمر، أقبل رجل يسير مسرعا، فالتقتا نحوه فرأياه يقصد نحوهما، فقام امرؤ القيس وذهب إليه لينظر من يكون، وما كاد يتبينه في ضوء القمر حي رفع يديه وصاح صيحة عالية وهو يضمه إلى صدره: " عامر ! ".

فقال الرجل وهو يضمه بعطف وحزن  " ولدي ! أبا وهب ! ". وكان ذلك الرجل عامرا ابا فاطمة وابن عم ابيه.

ووقفا لحظة قصيرة ينظر احدهما إلي الاخر في صمت، وادرك امرؤ القيس من نظرة صاحبه انه يريد ان يحدثه، فمال به إلي ناحية وقال له يريد أن يفتح باب الحديث: " وكيف عرفت مكاني ؟ ".

فقال عامر بصوت متردد: " أخبرني أبو عنيسة. أخبرني جابر بن يحيي الثعلبي ".

فسرت رعدة خفيفة في جسم امرئ القيس عند سماع اسم ذلك الرجل، وتمثلت له صورة فاطمة وهي واقفة امامه منذ ايام عند مدخل الخيمة، تناديه باسمه وهي ذاهلة

مدهوشة. وكاد يسأل صاحبه عنها، وكيف تركها ! ولكنه ملك نفسه فصرف الحديث قائلا: " لكأني بك تحمل إلي قولا ؟ ".

فقال عامر بصوت ضعيف: " نعم، جئت إليك بنبأ هائل. تقو يا ولدي، وتعز عن أبيك ".

ثم أطرق حزينا وصمت.

جالت الأفكار سريعة متدافعة في رأس امرئ القيس عند سماعه قول الرجل، ولكنه لم يحرك ساكنا، بل نظر إليه قائلا: " إذا قد مات حجر ؟ "

فهز عامر رأسه بحزن وقال بصوت ضعيف: " بل قتل حجر. قتل الملك حجر ".

فأخذ امرؤ القيس بيده وذهب به إلي صخرة فجلس عليها واجلسه إلى جانبه وقال له: " اخبرني عمن قتله، وكيف قتل ؟ ".

وكان يتكلم بصوت هادئ لا يظهر فيه أثر من الحزن أو الاضطراب.

فنظر إليه عامر في كثير من الدهشة والإعجاب، ثم أخذ يقص عليه أخبار أبيه في بني اسد، وتورثهم عليه، وإيقاعه بهم، ثم اخبره بحديث نفيهم إلي تهامة وما اعقب ذلك من اضطراره إلى استرجاعهم عندما بلغه خبر هزيمة أبيه الملك الحارث، وإخراجه من الحيرة، وقتل بني آكل المرار. وكان امرؤ القيس يسمع كل ذلك صامتا كأنه يسمع قصة رجل من العرب غير أبيه.

ومضي الرجل في حديثه فقال: " لقد عدت إلى ابيك عندما بلغني اشتداد الثورة عليه. وقد حاولت جهدي أن أقيم أمره بمساعدة ذلك الصديق الوفي ربيعة ".

فتحرك امرؤ القيس وقال: " ربيعة ؟ وهل كان معك ؟ ".

فقال عامر: " بقي معنا حتى قتل دون أبيك. لقد كان رجلا كريما ".

ثم مضي في حديثه فقال: " لما رجع ابوك من العراق بعد موت الملك الحارث وعاد بنو اسد إلى ارضهم جعلوا يزدادون كل يوم جراة وتمردا، ولم نقدر على ان تملكهم كما كان يملكهم أبوك. وذلك الشاعر الجبان عبيد بن الابرص: ويل له ! لقد جعل يحرضهم ويذمرهم ويثيرهم بعد ان كان يتذلل لأبيك ويستعطفه. ويل لهذا الثعبان الدنيء، لقد صدق أبوك؛ فما أحراء أن يقطع عضوا فعضوا !"

فتحرك امرؤ القيس عند ذلك قلقا، واستمر عامر فقال: " ثم أتت إليهم أنباء موت الحارث، ولست أدري كيف اتاهم ذلك النبأ سريعا. فقد علموا به في يومه كان الريح قد حملته إليهم. فزادت جرأتهم ، وأخذ كهانهم يحرضونهم على التمرد ويمنونهم بالنصر ويطمعونهم في ابيك، حتى شمروا لحربه ووقفوا ينتظرون مجيئه".

فتحرك امرؤ القيس مرة اخري وقال: " ويل لهم! ولكن كيف وصلوا إلى حجر دونكم. اين ذهبت كندة ؟ واين كانت قيس ؟ أين ذهبت تغلب ؟ واين الصنائع التي كانت تخدم الملك ؟ "

فقال عامر منكسرا: " لقد دافعنا حتى لم تبق لنا قوة. وقتل من كندة عدد كبير، ووقفت قيس تحميه كما تحمي ابناءها. وكاد حجر ينجو لولا ذلك الذئب الجائع علباء ".

فصاح امرؤ القيس: " علياء ! ابن الحارث الكاهلي ؟ " فقال عامر: " نعم هو. لقد ظل يترقب ثأره في صمت وتكتم حتى ظفر به ".

فقال امرؤ القيس: ثأره ؟ وهل قتل حجر أباه ؟ " فقال عامر مطرقا: " قتل أبوه في سجن أبيك ".

فصمت امرؤ القيس واستمر الرجل فقال: " واحر قلباه! لكأني أري حجرا وهو يمسك جرحه الذي اصابه في جنبه، يريد أن يوقف منه سيل الدماء ريثما يعهد إلي بعهده، وقد امرني وهو يشهق اخر انفاسه ان اذهب إلى اخيك الاكبر نافع، ثم إلى سائر إخوتك، فمن جزع منهم تركته ومن تحمل النبأ قويا حملت إليه أمواله وسلاحه، وطلبت منه إدراك الثأر. وها انذا آت إليك وأنت أصغرهم بعد أن جزعوا جميعا ".

فتنفس امرؤ القيس وصمت لحظة ثم قال: " ضيعني صغيرا ثم حملنى دمه كبيرا! لقد علمت يا أبا الجون انني كنت فتي لا أجد لذتي إلا في الصيد والخمر والنساء. ألا لقد آليت على نفسي لا أصيد صيدا ولا أشرب خمرا ولا أقرب امرأة حتى اشتقي بإدراك الثأر للملك الهمام".

فنهض عامر وهو ينظر إلي الفتي بإعجاب وعطف وقال باجلال عميق: " ابيت اللعن ايها الملك الهمام؛"

فقال امرؤ القيس وكأنه لم يسمع تلك التحية: " وأين السلاح ؟ أين سلاح أبي وأمواله ؟ "

فقال عامر: " قد نزلت بأحمالي كلها هناك وراء هذا الوادي ".

وأشار إلي واد في الطرف الأقصي من جبل دمون. فقام امرؤ القيس وذهب يسير في بطء والرجل يمشي وراءه حتى بلغا الخيمة، وكان عمرو بن قمية لا يزال هناك في انتظار عودتهما إليه، فلما بلغاه اراد ان يتنحي ويستأذن في الذهاب، ولكن امرؤ القيس اقترب منه باسما وقال له: " هلم إلي دستك فإننا لم نفرغ بعد منه."

فعاد عمرو إلي مكانه، وجلس امرؤ القيس يلاعبه حتى انتهي الدست، فقام مستأذنا وقال لامرئ القيس: " تراك بخير في الغداة" !

فنظر إليه امرؤ القيس صامتا لحظة، ثم قال بهدوء:

" سيكون لنا في الغد شأن آخر يا عمرو ". فاتجه عمرو إليه كالمستفهم، واستمر امرؤ القيس فقال: " أعد سيفك ورمحك ودروعك يا عمرو، لقد كنا إلي اليوم نلعب ونشرب ، ولكننا بعد اليوم نجد ونضرب، فاليوم خمر، وغدا أمر ".

فلم يفهم عمرو معنى قوله، وسأله قائلا: " أي أنباء حملت إليك ؟ ".

فقال امرؤ القيس هادئا: " قتل حجر. قتل الملك حجر ".

فارتاع عمرو، وارتد إلى الوراء صائحا: " وكيف لم تخبرني بذلك ابتداء ؟ ".

فتقدم امرؤ القيس نحوه ووضع يده على كتفه مهدئا وقال: " ما كنت لافسد عليك دستك. هدى من روعك، فليس يجدينا الذعر، إنما هو الانتقام ".

فرفع عمرو راسه بكبرياء وعزيمة، وقال وهو يقبض على يد امرئ القيس: " سيكون ثارنا هائلا "، ثم مضي مسرعا نحو منازله.

فأمسك امرؤ القيس بيد عامر ، ومضى به إلي خيمته، ثم جلس وهو يقول كأنه يخاطب نفسه: " وهكذا انتهي الأمر ! قتل حجر ! قتل الملك الهمام ".

ولم يملك نفسه عند ذلك، فوضع رأسه بين يديه ساعة في صمت وحزن، وعامر مطرق إلى جواره يرسم على الأرض خطوطا بعصاه. ثم رفع امرؤ القيس رأسه، وقال: " لقد ظننت يا ابا الجون انى نسيته. ظننت اني كرهته وانصرف قلبي عنه، ولكني احس نارا في قلبي ! واأبي ! وأملكاه ! ".

ونظر إلي الجبل العالي الذي كان يقطع صفحة الفضاء في ضوء القمر الساطع وقال كانه يخاطبه: "لقد هلك حجر يا دمون ! متى يطلع الصباح لأشفي فؤادي ؟ إن قلبي يتحرق من وجدي عليه يا دمون "!

ثم جعل يقول متغنيا في حزن : تطاول الليل علينا دمون      دمون إنا معشر يمانون وإننا لقومنا محبون !

ونظر إلي عامر بعد أن انتهي من ترنمه الحزين وقال: " هلم بنا إلي الخلاء يا عامر فهو أرفق بي ".

وقام خارجا إلي الفضاء الذي غمره ضوء القمر وصاحبه يسير وراءه. ولما صار عند باب الخيمة عرج على النرد الذي كان يلعب به مع صديقه فضرب بقدمه فالقاه على الأرض مكفوءا، ثم جرد سيفه وضرب زق الخمر فأسأل ما بقى فيه على الرمال، وقال لعامر وهو يسير رافع الراس: " هلم بنا إلي مناخك لنعد سلاحنا، فلا يطلع علينا الصباح إلا ثائرين للانتقام ". (تمت الحلقة)

اشترك في نشرتنا البريدية