الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 18الرجوع إلى "الثقافة"

من قصص العرب :, سيد ربيعة، كليب التغلبي

Share

ملخص لما سبق : كان كليب التغلبي سيد قبائل ربيعة بعد انتصاره على قبائل اليمن، وقد طغى بعد ذلك حتى صار يحمى المراعى ويمنع من شاء من النزول بها ، فأثار ذلك غضب شاب من أبناء عمه من قبيلة بن بكر ، وهو جساس بن مرة أخو زوجته جليلة، لعل ذلك الشاب يتحداه ويتعرض له ، ولكن كليا كان يتقاضى عن إساءة إكراما لزوجته التى توسلت إليه ألا يوقع به. تم تزات ناقة اسمها سراب في مراعي كليب وكانت لرجل نزل عنيفا على اليومى  خالة جساس ، فطردها كليب من المرعى. ولكن جساسا أصر على نزولها في مراعية فرماها كليب في ضرعها فقتلها . فرأى جساس فى ذلك إهداراً لجواره ، وتفاقم الشر بينه وبين البطل العظيم

ماتت (سراب) ناقة ضيف البسوس من أثر السهم الذى أصابها من كليب ومضت بعد ذلك أيام كان الناس فيها يترقبون ما يفعله جساس ، وكانوا في مجالسهم بنهامسون عن عينه التي أقسمها ليقتلن فحل كليب انتقاماً الناقة جار خالته ، ويتفكهون بالتهكم عليه والسخرية منه . لقد تعرض الكليب وآذاه واعتدى عليه فى جراءة لم يقدم على مثلها من هم أعز منه وأقوى جنانا ، حتى إذا ما سطا به كليب ووضع مهمه في ضرع الناقة فقتلها ، خشع وخاف ولزم الحدود، ولم يتعد الحمى

وكان جساس فى أثناء تلك الأيام قد اعتزل وباعد الناس ، وصار لا يأنس إلى أهل ، ولا يحضر مجالس القوم ؛ فلا يراه أحد إلا وحده في الأطراف البعيدة الموحشة ، اللهم إلا أحد أبناء عمومته عمرو بن الحارث ، فقد كان أحياناً يسير معه خلسة في الليل ، أو يجالسه ساعة من النهار ، فإذا ما وقع بصر الناس عليهما تركه  عمرو وحده ذهب في طريق غير طريقه، وكان عمرو

فتي يافعا  ضعيف الجسيم فاتر الهمة ، لاخطر له في قومه ، لم يشترك في قتال ، ولم يشهد غارة على عدو .

وقد حدث يوماً أن كان يسير على مقربة من الروضة التي اختارها كليب لنزهته ، فنبحه الكلب الواقف عند مدخلها على عادته ، وأقبل عليه فعضه ومزق ثيابه ، فبعد هنه حذراً ، وأسرع يجرى خوف أن يراء الأمير فيوقع العقوبة التي اعتاد أن يوقعها عمن يقربون من المكان الذى أقام فيه ، وأحس عند ذلك بذلة وانكسار طعنا قلبه ، ولم يستطع أن ينفس عما خالط نفسه من الشعور ، فانقلب وجده حقدا، وصار من ذلك الحين شديد الكرامة لكليب، وصارت كراهته وداد عمقاً وقوة كلما تبين له عجزه عن الانتصاف من الأمير الكبير ، وكلما رأى نفسه غير قادر على الافضاء بكرامته إلى أحد .

فلما وقع ما وقع بين جساس وكليب، ذهب ذلك الفتى إليه وأطلعه على خبيثة نفسه ، وجعل يتمسح فيه ويمشى في كنفه ؛ ولكنه كان يحترس فى لقائه، فلا يجتمـع

به إلا تحت ستار الظلام ، أو في عزلة عن الأنظار .

ولما مضت هذه الأيام بغير حدث جديد بين جساس حسب الناس أن الأمر قد انتهى إلى نهاية . وأن جساساً قد عدل عن محاولة ما لا يستطاع ، واطمأنت تغلب على رئيسها وبطلها ، واطمأنت بكر على أمنها وسلامتها ، ونسى الجميع الحادث الذي مر ، فلا يكاد أحد يذكره ، إلا أن تكون فكاهة يتفكهون بها ، ويجعلونها موضع سمرهم والتندر في مجالسهم .

غير أن جليلة كانت دائمة الترقب والحذر، فقد كانت تعرف أخاها وما طبع عليه من عناد ، وما كان يملأ قلبه من الحقد ، فكانت لا تزال تنتظر الغد وما يأتي به  وتحس في قرارة نفسها أن جناساً لم ينس الاهانة التي لحقته ، وأنه إنما كان ينتظر الفرصة السائحة والغيرة الملائمة. وقد عجزت في كل تلك الأيام أن تجعل كليباً يطأ الدقيق الذى ذرته على باب الخيمة حتى اختلط بالرمل ومنه الربيع والقطر المتوالي من مطر الشتاء

فاكتفت بأن كانت تجلس كل ليلة في خشوع قبل نومها ، تناجي مناة وأوالاً ليحفظا لها زوجها العزيز ، وبأن تضع التمائم التى أعدتها عرافة تغلب عند رأسه إذا نام

وخرج كليب في صباح يوم كعادته ، وكان يقصد ذلك اليوم أن يتنزه عن الحى ، ويذهب إلى الروضة التي كان يتخذها مكانا لخلوته ، وأمر بعض عبيده أن يتبعوه إليها ليعدوا له فيها طعاماً وخراً. ولهذا لم يذهب في سلاح غير سيف علقه في عنقه، فلقد عول أن يقضى ذلك اليوم وادعاً ، لا يصيد فيه سيداً ، ولا يتعهد خيولا ولا إبلا .

وذهب إلى مرمى الخيل فركب فرسه الرباب ، ودعا كلبه عساف ليرافقه ، وسار وحده سيراً هيناً وقلبه ممتلئ بنشوة الصباح، والقسم البارد يعت في جسمه نشاطاً وفى

نفسه خفة وسروراً . وهزه الشباب وتملكه الطرب إلى الحياة ، فأخذ يعنى عمل صدره ، وبدت له الدنيا تفيض بالسعادة والجمال. ولح في أثناء سيره شخصاً جائماً عند ثنية من ثنايا الوادى ، فلما وقع بصر الشخص عليه أسرع ذاهباً عن طريقه ، فتبينه فإذا هو عمرو بن الحرث الفني الضليل الذى كان يراه أحيانا يجالس عبيد في مراعى الحيول ؛ فلم يكترث به ولم يحفل بوقوفه عند الثنية ، ولا بإسراعه هربا عند مقدمه ، وهل كان عجيبا أن يسرع مثله ليبعد عن الطريق التي يسلكها كليب ؟

وذهب إلى الروضة فوقف عند مدخلها حيناً يتأمل جمال منظرها ، ويملأ عينيه من اخضرار أشجارها وتخيلها ، ونضرة أعشابها وزهورها ، وقد عقد الندى قلائد منثورة على أديم الأرض الزبرجدى ، وانتظمت حياته في أسلاك فسح المنكبوت ، فبدت كأنها دور تلالاً في شعاع الشمس المشرقة. وفيا هو واقف بفرسه يتأمل هذا المنظر البديع سمع كلبه ينبح نباحا يخالطه الزعاج ، ثم سمع من خلفه وقع حوافر فرسين يقتربان منه ، فتكبر أن ينظر وراءه ، العلمه أن الراكبين إذا قطنا إلى وجوده أسر عا مبتعدين عن حماء ، وبقى واقفاً ينظر أمامه ويتعلى بحسن روضته . ولكن وقع الحوافر لم يبعد ولم يقف ، بل أسرع وتقدم في تجاهه، حتى صار على قيد خطوات منه ، وعند ذلك سمع صوتا يناديه من ورائه : ( يا كليب الرمح وراءك .

فعرف أنه صوت جساس ولكنه لم يلتفت إليه ، بل قال في لهجة ساخرة : « إذا صدقت فأقبل من أمامى». وبقي ثابتاً كأن ليس وراءه عدو مخيف

وما كاد كليب ينتهى من جوابه حتى أحس طعنة شديدة في ظهره ، فارتمي من فرسه ، ووقع على الأرض يتشحط في دمائه

فنزل جساس مسرعا عن فرسه ، ونزع رمحه من

ظهر كليب بعد طعنته الخسيسة ، ثم اقترب منه مكشرا كابن آوي إذا وجد جيفة .

فنظر إليه كليب نظرة تمثل فيها معنى الاحتقار والحنق ، واختلاط فيها شعور الغيظ بالعجز والضعف، وهم أن يقوم إليه فلم يقو على النهوض ، ففحص الأرض بقدميه وتقلب فى دمائه ، وما هي إلا لحظة حتى لحقه دوار النزيف واعترته غشية الموت

وقهق قهقات كان يفيق فيما بينها إفاقة قصيرة ، فيحاول أن يتكلم فلا يستطيع ، إلا تمتمة خافتة لا تسمع ألفاظها ، ثم اعتراه عطش شديد فقال وهو لايدرى من يخاطب : أغلى بشربة ماء».

ولكن جساساً نظار إليه شامتاً ، ثم ضحك ضحكة مخيفة وقال : « لا ابتل لك ربق أيها الطاغية » ، ووقف يتأمل نزعه في سرور

وكان عمرو بن الحارث في تلك الأثناء واقفاً وراء حساس يضطرب ويرتعد ، وقد علته صفرة تشبه صفرة الموت ، فلما سكن كليب أشار إليه جساس أن يتقدم ، فأتى إليه متردداً ، فطلب منه أن يساعده على تغطية القتيل بالحجارة خوف أن تأكله السباع .

ولما اتما وضع الاحجار عليه ركبا عائدين نحو مضارب الخيام ، ولكن عمرو بن الحارث لم يجرؤ على ان يواجه قومه بخبر الجريمة ، فركض فرسه لا يلوى على شيء حتى دخل بيته ، فقبع فيه وهو يتقصد عرقا ، ويهذي هذيان المحموم ، وركب جساس فرسه وركض نحو خيمة ابيه مرة ، ليحمل إليه النبأ المشئوم ، ولكنه لم يملك نفسه في ركوبه فبدت ساقاه عاريتين وهو لا ينتبه إليهما ، وقد اعتراه شئ من الذهول بعد أن تبين خطورة فعلته

كان الشيخ مرة جالساً في فناء بيته مع بعض بنيه وحفدته ، وبعض إخوته وأبناء عمومته ، فرأى جساساً

يقبل على فرسه راكناً ، وهو عارى الركبتين ، فعلم أن وراءه خيراً منحوساً . والتفت إلى من حوله وقال : ه ما رأيت جساساً يركب كما أراء اليوم ..

ثم قال لابنه بعد أن صار على مسمع منه : " مالك يا جساس ؟ "

قال حساس في صرخة مفزعة : " لقد طعنت طعنة يجتمع بنو وائل غدا لها رقصا " .

قال مرة : ( ومن طعنت ويلك ؟». قال جساس فى صرخة مضطربة : ( كليب ) . ثم لوح برمحه وأداره على رأسه في القضاء ، وقال في ضحكة جنونية : « وأدركت ثار البسوس».

فصاح أبوه صارخا : " ثكلتك أمك ! اكليب في ثأر سراب ؟ "

قال جساس: لست من يخفر جواره ) . فقام إليه الشيخ وأخذ حفنة من الرمل ورمى بها وجهه وقال : « ويل لك من مشئوم منكود : ماذا جلبت على قومك من الهلاك ؟ »

فرفع جساس رمحه فوق رأسه مرة أخرى وأداره حوله في رقصة وحشية وقال كأنه يتغنى : « فزع الشيخ من خوف الثأر ) .

ثم نزل من فرسه واقترب من أبيه قائلا : دعنى أيها الشيخ وحدى إلى لا أريد حابتك. لقد عرفت أنك لا تجرؤ على الدفاع على " .

فلما سمع الشيخ مرة قول ولده لم يجد جوابا ، واستغلق عليه التفكير والقول ، وحار في أمره أيتبرأ من ولده ويغسل من جريمته ويتركه للقصاص ، لا يمينه ولا يدفع عنه ، فيحفظ بذلك قومه من حرب طاحنة مع أبناء عمهم بني تغلب ؟ أم يجرى على سنة العرب فيغضب تولد، وإن كان ظالماً ، وينهض للدفاع عن جريمته وهو ينكرها ؟ ولم

يجد مخرجا من حيرته إلا أن نظر إلي شيخ كان جالسا في جواره ، ثم يكثرت لما حدث ولم يتحرك من مكانه والقوم كلهم من حوله في اضطراب وفزع . وفهم الشيخ نظرة الرجل الحائر فقام متباطئا ، ثم قبض على ذراع مرة وانتحي معه جانبا . فلما صار الرجلان بحيث لا يسمع حديثهما قال مرة وهو لا يكاد يبين : " ماذا ترى يا أبا عامر ؟"

فقال أبو عامر في هدوء : " أتري تقدر على إعادة كليب ؟ "

فنظر مرة إليه مبهوتاً ولم ينطق بلفظ ، فاستمر الشيخ في كلامه عادتاً : « لقد كان ما كان ، ولم يبق إلا النظر في أمر القوم ، وأنت إذا تماديت في لوم جساس خذلت بنى بكر وبنى شيبان عن نصرتك إذا احتجت إلى نصرتهم .

فهدأ مرة قليلا وقال : " وما ذا تري يا أبا عامر فداك نفسى ؟ "

قال أبو عامر : دع اللوم والجزع واظهر للقوم شدة ، فإن ذلك أدعى أن يقتصدوا في طلب الكثار ، وذكر بني بكر وحرضهم على القيام لنصرة جساس »

فأدرك مرة عند ذلك خطاء في الاندفاع إلى تأنيب ولاده، وملك نفسه وعاد إلى هدوئه وذهب نحو الجمع المنتظر، فقال يخاطب ولده : « تحن للحرب يا ولدى : أنت منا وان تسلمك بكر أبداً. لست أسمك حتى أقتل دونك مع قومى أو تشعلها ناراً حامية على قوم الطاغية الظالم ..

فلما سمع بنو بكر قول شيخهم مرة اعتزوا وعادت إليهم نفوسهم ، وتصايحوا : " بالبكر ! قتل الطاغية ! "

واندفع جساس عند ذلك إلى أبيه فعانقه وقبل يديه وقال في خضوع وسوته يكاد يختلق من النار لا عدمتك ناصراً يا أبى .!».

ثم أخذ رحمه وهذه فوق رأسه وجعل يرقص رقصة التحدى والاعتداد بالنفس ويتغنى بأناشيد يدعو فيها قومه

إلى الاستعداد لحرب الطغاة

وصاح مرة في قومه وقد تبدلت لهجته وتغيرت نغمته وقال : يابى بكر سأضرب بأطراف العوالي. وأنفى القل عن قومى وشرفى، فما كانت بكر ليخفر جوارها أو تستكين للطاغية ! )

فقال أبو عامر : " يا بني شيبان من يكون للحرب إذا لم تكن له بنو شيبان ؟ "

فتصاعدت صيحة من القوم : سنسل السيوف وتدفع ظلم بني تغلب ، لقد هلك الطاغية . ستدفع البنى قومنا من عار الخضوع والذال .

وأسرع الجميع إلي بيوتهم ليستعدوا للقتال ويجهزوا السلاح للعركة التي لا بد منها .

واختلى مرة وأبو عامر ساعة ثم بعثوا الرسل إلى قومهم بالارتحال من منازلهم ، حتى يبعدوا عن جوار بي تغلب ينتظروا ما هم سالمون فى الغد.

كان همام بن مرة في تلك الساعة محتليا مهلهل اخي كليب كعادتهما كل يوم يشربان الخمر في عزلة عن قومهما ، فأقبلت نحوهما جارية تقود فرسا ، حتى اقتربت منهما ، وأشارت إلي همام تدعوه في حذر ليذهب إليها على انفراد . فذهب همام إليها فوقف معها لحظة ، ثم ذهبت عنه الجارية وتركت الفرس على مقربة من مجلسه . وعاد همام إلى مهلهل وهو مضطرب ممنقع اللون يكاد يتعثر في خطاه فسأله مهلهل عما قالت له الجارية ، وكانا متعاهدين على الصدق لا ينكر احدهما من الآخر حديثا ، فقال له همام وهو متردد " تقول الجارية قولا لا أكاد أصدقه " .

قال مهلهل ضاحكا : " لعلها قالت لك إن سلمي آنية إليك الساعة " .

وكان مهلهل لا يتصرف عن الخلاعة ولا يتحدث إلا عن الخمر والنساء ألم يكن معروفاً في قومه بالمساجن الكبير؟ أليس هو اللى كان كليب يدعوه زير النساء ! »

فأجابه همام جاداً ولم يقدر على الكذب لما بينه وبين صاحبه من عهد الصدق : « لا أبلى بلى. لقد زعمت أن جاساً قتل كليباً » .

فضحك مهلهل ضحكة عالية ، وقال وهو يملأ كأساً : تقول جساس قتل كليباً ؟ إنه أعجز من ذلك وأضعف . خذ هذه الكأس

فتناول همام الكأس، وشرب منها قليلاً ، ونظر إلى صديقه وهو يرفع كأسه ويتجرعها ، وشعر كأن حلاً ثقيلاً ينزاح عن عائقه عند ما رأى أن مهلهلاً لا يصدق النباً .

شرب مهلهل كثيرا تلك الليلة ، واحترس هام فلم يشرب إلا رشفات قليلة . حتى صار مهلهل لايقوي على الوقوف من السكر . ثم قام الصديقان فذهب كل منهما إلى جهة بيته . ولما غاب مهلهل وراء الكتيب القريب ركب همام فرسه ، واسرع في اثر قومه باعدا عن منازل تغلب . بلغ مهلهل منزله فإذا صحة عالية وصراخ وعويل ، وإذا بنساء تغلب حاسرات بندين كليبا ، ويشققن عليه ملابسهن ، وإذا بالرجال يضطربون ويتنادون ويكسرون السلاح ويقتلون الخيول إظهارا للجزع على بطلهم الكبير ، فقد علموا ان في قتل كليب ذهابا لسلطانهم ، وإضاعة لعزتهم .

ولما أقبل مهلهل على قومه ، نظروا إليه في بأس وقال بعضهم لبعض : « لم يبق لنا إلا ذلك السكير الماجن الذى لا يكاد يفيق

فقال مهلهل ، وقد عاد إليه بعض وعيه من هول المنظر: «ما بالكم تكسرون السلاح ؟ » .

فقربت منه امرأته ، وصاحت به وهى حانقة : « قتلوا كليباً وأنت لا تقوى على الوقوف ...

فنظر إليها مهلهل بغضب ! وقد وخزنه كلماتها فقال : كان كليب يكفينى القتال. فالآن ستعلمين من أكون ! » .

ورفع رأسه واعتدل في وقفته ، وتغير وجهه الجميل ،

فاكتسى بعزم غير معهود فيه وقال : ( أتكسرون السلاح، وتقتلون الخيول ، وأنتم أحوج الناس إليها ؟ » .

فوقف الرجال الحفلة ينظرون إليه ، وهم لا يكادون يصدقون أن مهلهلاً هو الذى يكلمهم .

فاستمر مبادل يقول : « دعوا الحزن للنساء واشحذوا السيوف، هيا إلى البيوت فاستعدوا الحرب ضروس )

ثم ذهب وهو مطرق يعلوه شيء من الخزى ، حتى إذا ما صار في بينه ارتي في ركن ، وجعل يبكى وحده ويتمثل ما هو فاعل للانتقام من قاتل أخيه .

اجتمع نساء تغلب في تلك الليلة للنوح والبكاء، وعلا صراخهن حتى ترددت أصداؤه في جوانب الوديان . وفيا من في ذلك دخلت عليهن امرأة طويلة القامة سمراء اللون هيفاء دتجاه ، وقد شفت ثيابها ، ونشرت شعرها الأسود الطويل ، وعفرت وجهها ، ودخلت تشترك مع النساء في الحزن على فقيدها ، وهى تختلج وميتر من شدة البكاء

وانتحت ناحية وحدها ، وقد نظر النساء جميعاً إليها في حقد واهتياج، ولم تكن هذه المرأة إلا جليلة التي فجعت فى زوجها الحبيب كليب

وما كانت تستقر في مكانها حتى اندفعت نحوها امرأة فقالت : « لم تحضر من هنا أيتها العدوة ؟ »

فنظرت إليها جليلة بعينها المحمرتين وقالت : " الست امرأة كليب ؟ " .

فصاحت بها امرأة اخري قائلة : " اخرجي عنا أيتها البكرية " .

فقالت جليلة وهي تنشج بالبكاء " انا التي اصبت بقتله

فقالت المرأة الأولى : « أنت عدوة شامتة . ابعدى عنا » فقامت جليلة غاضبة ، وقالت ولا تزال تختلج وتضطرب : كيف أبعد عن مناحة زوجي ؟ إن كان مصابكم واحداً فمصابي مضاعف ، زوجي قتيل ، وأخى مطلوب ، فنواكن مصانعة ، ونواحي تفجع ، بعض

نفسي ببكي على بعض ، وبعض دعور ببعض ، وأحمل في احشائي جنيتا سوف يقيم بين قوي عدوا " فضج النساء ، وزاد اضطرابهن ، وجعلن يشتمن جليلة وبطردها ، وأقبل بعضهن نحوها يردن إخراجها دفعا والإيقاع بها . فلم تستطع إلا ان تخرج ، ولا تكاد تنظر طريقها وقد حبس الحزن لسابها ، وزادها الما ما لاقته من ظل التغلبيات لها . وسارت في طريقها نحو قوميا وهي تقول : " واحر قلاء ! قتل الحبيب ، وقاتله أحي ! تعسا لمناة ، ووبلا لأوال

ثم جعلك تنشد ، والدمع يكاد يشرفها :

فعل جساس على وجدى به   قاطع ظهرى ومدن أجلي

يَا قَتِيلاً قَوَّضَ الدَّهْرُ بِهِسَقْفَ بَيْتَيَّ جَمِيعًا مِنْ عَلِ

هَدَمَ البَيْتَ الَّذِي اسْتَحْدَثْتُهُوَانْثَنَى فِي هَدْمِ بَيْتِي الأَوَّلِ

خَصَّنِي قَتْلُ كُلَيْبٍ بِلَظًىمِنْ وَرَائِي وَلَظًى مُسْتَقْبِلِي

يَشْتَفِي المُدْرِكُ بِالثَّأْرِ وَفِيدَرَكِي ثَأْرِيَ ثُكْلُ المُثْكِلِ

وكاد الحزن يذهب عنها لبسها، وهي سائرة وحدها تطلب آثار قوم أبيها ، ولا يصاحبها في ظلام الليل إلا عبدها يقود ناقتها .

وأصبح الصباح عليها وهي في قومها يجدون السير يطلبون ارض اليمن ليمتنعوا بها ويستعدوا لقتال ابناء عمهم قوم كليب .

وبكر بنو تغلب على الخيول ولبسوا لباس الحرب واستعدوا للإسراع في آثار بني عمهم من بكر ، ليطلبوا ثار بطلهم الكبير ، ووقف في صدر الجمع مهلهل بن ربيعة ، وقد خلع عن نفسه ما اعتاد من عيشة النعيم ، واقسم أن يكون ثاره هائلا من قتلة أخيه الحبيب وحامية العظيم ، وابتدأت بعد ذلك الحرب الطاحنة التي بقيت نيرانها موقدة طوال السنين بين بكر وتغلب ، وكان شعارها صيحة عالية تتردد أصداؤها في أنحاء نجد : " بالثارات كليب " .

) تمت الحقة (

اشترك في نشرتنا البريدية