ربما كان (أدجر ألن بو) Edgar Allan Poe أشهر من اشتغل بكتابة القصص المفزعة المروعة ، فهو يخلق المواقف الرهيبة ويعبر عنها بأسلوب قوى متين . ولقد كانت حياته ذاتها قصة قصيرة عجيبة ، تعرض فيها لكثير من المشقة وألم النفس . ولد فى أمريكا عام ١٨٠٩ من أب أمريكى وأم انجليزية تشتغل بالتمثيل ؛ وتوفى أبواه وهو لا يزل فى مهد الطفولة . ولكنه كان يتميز بالدكاء الخارق والجاذبية القوية ، فتبناه رجل اسكتلندى من أهل الثراء ، هو (جون ألن) ، ورعاه رعاية الابن . ولما بلغ الطفل السابعة هبط أبواه الجديدان إلى انجلترا ، وألحقاه بالمدرسة الأولية ، وكان بادى الذكاء بين أقرانه ، إلا أن أباه كان يبالغ فى تدليله ، فكان (أدجر) يزهو على صغار التلاميذ . وبعد هذا عاد إلى أمريكا ، والتحق بمدرسة (رتشمند) ، وسرعان ما ظهر نفوقه فى العلم والرياضة البدنية والسباحة . ثم التحق بالجامعة وأغرم بأدب (اللورد بيرن) فاتخذه له مثالا يحتذبه . ووقع فى هوى فتاة حسناء ، أخذ يدبج لها الرسائل على طريقة أستاذه (بيرن) ، ولكنه أخطأ العنوان ، فلم تتسلم معشوفته كتابا واحدا منه ، ولم يحظ منها برد . وقبل أن يتم تعليمه الجامعى اختلف مع المستر (ألن) فحبس الرجل عنه المعونة المادية ، واضطر إلى لعب الميسر ، وكثر دينه ، حتى لم يستطع أداءه ، فغادر (وتشمند) إلى (بوستن) ، حيث كان يؤمل أن يعيش بقلمه ؛ وهناك أخرج ديوانا صغيرا ، غير أنه صودر لما كان يحوى من خواطر جامحة . ولما ضضافت به سبل العيش التحق بالجيش جنديا فى صفوفه . ولكن أباه أشفق عليه ، ودفع له تعويضا ماليا ، وأخرجه
من الجندية وأدخله المدرسة الحربية . إلا أن نكد الطالع كان لا يفارقه ، فتوفيت زوج المستر (ألن) واضطر الرجل إلى أن يتزوج بامرأة أخرى ، شغل بها عن ابنه ، وكان يتوقع أن يرزق منها بمولود ؛ فطلب إلى (أدجر) أن يتولى شئون نفسه ، فانفصل صاحبنا عن المدرسة الحربية وعاش عيشة ضكا عسيرة . وفى خريف ١٨٣٣ بسم له الحظ ، وتنبهت الصحف والمجلات إلى قصصه ، وارتفعت قيمته في سوق الأدب ، بيد أن الأدب خلق له كثيرا من الأعداء .
وفى غضون ذلك كانت معشوقته الأولى قد تزوجت من غيره لانقطاع المراسلة بينهما كما قدمنا ، فتزوج من ابنة عمه (فرجينيا) ، وكانت فى الرابعة عشرة من عمرها ، ورحل معها إلى (نيويورك) طلبا للشهرة وبعد الصيت ، ولكن الحظ لم يواته ، فاستأنف الرحيل إلى (فيلا دلفيا) ، وهناك كتب أروع القصص . ثم مرضت زوجه . وواتاها القدر المحتوم ، وهى لما تزل في ريعان الشباب ، فجزع عليها كثيرا ، وأدمن الشراب وأوشك أن يجن . وفى تلك الأثناء ترملت معشوقته الأولى وكتبت إليه ، فاطمأن قلبه قليلا ، وتواعدا على الزواج ، وإذ هو فى طريقه إلى (نيويورك) كى يتصل بها ، قضى نحبه فى (بلطيمور) ، وتوفى عام ١٨٤٧ قبل أن يبلغ ما يريد .
ومن قصصه القصيرة المشهورة قصة (الموت الأحمر) . وهاك موجزا لها :
انتشر " الموت الأحمر " فى أرجاء البلاد حتى أوشك أن يقضى عليها . ولم يعرف الناس من قبل وباء مثله قاتلا ، يصب الفرد فيألم اشد الألم ، ويشعر بدوار شديد ، وتنفجر منه العروق ، ويظل بدى حتى يموث ، وإذا أصاب هذا الوباء امرأ ، انعزل عن أهله وذويه ولم يحظ بعطف إنسان ، وكان المرض من وطأته حتى نهايته
لا يستغرق أكثر من ساعة أو بعض ساعة
ولكن الأمير (برسبرو) كان رجلا حكيما عاقلا ، فلما قضى الوباء على نصف رعيته استدعى ألفا من الفرسان وحسان البلاط وأوى وإياهم إلى حصن منيع فرارا من وطأة الوباء . وكان الحصن محاطا بالأسوار العتيدة ، وأبوابه من الحديد الصلب . ولما ولج الجميع القلعة أغلقوا المنافد بالقضبان ، حتى لا يتسنى لأحد أن ينسل من خارج ، أو يهرب من داخل . وأمد الأمير القصر بالمؤن الوفيرة . وهكذا أراد أن يتحدى عدوى الوباء . وقد أتى معه بالمهرجين والندماء ، وبالراقصات والمغنيات ، والخمروالحسان ، وأخلد إلى السكينة والأمن . ولم يعد يأبه (للموت الأحمر) أو لرعيته . وبعد ستة أشهر من هذه العزلة ، بينما كان الوباء على أشده ، أدب الأمير مأدية عظيمة لصحبه . وأعقب المأدبة بحفلة راقصة يتوارى فيها الراقصون بالحجاب . وكان بالقصر سبع حجرات ، منها واحدة مغطاة باللون الأسود ، لا ينفذ إليها إلا ضوء خافت ضعيف . وعلى أحد جدرانها ساعة كبيرة يخرج من بين رئتيها بين الحين والآخر رنين قوى ترتاح لسمعه الآذان . وكلما دقت الساعة وقف الموسيقيون عن العزف ، وامتنع الراقصون عن المسير . ثم تسكن دقات الساعة ويعود الهدوء ، فيسخر الراقصون بعضهم من بعض ، ويأخذون على أنفسهم أن لا يرتاعوا لصوت بعد هذا ، أيا كان مصدره . ولكن ما إن دقت الثانية عشرة حتى عاودهم الخوف ، ووقفوا عن الحركة ، وأخذ كل منهم يتلفت يمنة ويسرة . وإذ الحافلون فى هذا الصمت ، تبين لهم شبح مقنع ، يتحجب من قمة رأسه إلى أخمص قدمه فى رداء كأنه الكفن يتخضب بالدماء ، فتهامس الجميع وتولتهم الدهشة والرعب الشديد .
ولما وقعت عينا الأمير على هذا الشبح ثار غضبه ثم صاح : " من هذا الغريب الذى يتحدانا بمقدمه ؟ اقبضوا عليه ، ومزرقوا قناعة ، ثم اقتلوه وسكتت الموسيقى ، ولكن أحدا لم يجرؤ على التقدم ، واستندوا جميعا إلى
الجدران فرقا ورعيا ، فانطلق الأمير بنفسه صوب الشبح - وكان هذا قد بلغ الحجرة السوداء - ورفع خنجره . وما إن دنا الأمير وأصبح قيد خطوة من عدوه ، حتى صاح بأعلى صوته وسقط الخنجر من يده وخر صريعا . حينئذ تدافع الحافلون ، ودبت فى قلوبهم الحماسة ، وبيد واحدة انقضوا على الشيخ ، فإذا به رداء من غير جسم ، ولباس غير مأهول .
هذا هو " الموت الأحمر " تسلل كاللص فى ظلمة الليل ثم أخذ الحافلون يتساقطون واحدا بعد الآخر ، ويقضى كل سهم مكانه . ثم سكنت الساعة عن النذير ، وانطفأت الأضواء ، وساد المكان ظلام وفناء و " موت أحمر " . (أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم فى بروج مشيدة) .
ومن قصص (بو) المعروفة فذلك قصة عنوانها " ضحية الفن " . يروى الكاتب أنه كان ذات ليلة فى قصر مهجور ، وقد أعد له الفراش فى حجرة ضيقة مرتفعة ، أثاثها عتيق ممزق ، إلا أن بها كثيرا من الصور الفنية ، معلقة فوق الجدران . وقد استرعى بصره من بين هذه الصور صورة لفتاة حسناء قوية الشباب جميلة المحيا ، لايبدو مها غير رأسها وكتفيها ، وصدرها الناهد وبعض ذراعها ، وشعر ذهبى يتدل فى مؤخرة الصورة . والرسم فى جملته آية من آيات الفن ، يكاد ينطق بالحياة . وكان إلى جوار (بو) كتاب صغير به شرح ونقد للصور المحيطة به ، فشاقه أن يعرف شيئا عن هذه الفتاة ، ففتح كتابه وطالع فيه هذه القصة :
(( كانت عذراء بارعة الجمال ، جميلة الطلعة ، تفيض مرحا وبشرا ، ثم التقت بمصور نابغ ، قوى العاطفة ، دائب العمل ، نافذ البصر ، فافتتنت به وافتتن بها ، وتعاقدا على الزواج . إلا أن الرجل مازال يخلص لفنه ، ويكاد يتخذ منه زوجا له أخرى . فغارت الفتاة من فن زوجها ، وأصبحت تخشى أشد ما تخشى الريشة والفرجون لأنهما كانا بصرفان زوجها عنها . وفى ذات لحظة نظر
إليها المصور نظرة الفنان ، فإذا بالنور يشع من وجهها ، والبسمة تشيع فى محياها ، فأحب أن يصورها فى هذا الوضع ، وعرض عليها مطلبه ، فلبت له إرادته كارهة على مضض ، لأنها كانت تعلم أن زوجها إذا اشتغل برسم صورة انصرف بكل قلبه إليها ، ولا تهدأ نفسه حتى يتمها .
(( وساقها إلى غرفة مظلمة لا يتخللها سوى شعاع يسير من ضياء ، وأجلسها أمامه فى وضع مضن شاق ، وطلب إليها ألا تنى عنه ، وتتابعت الأيام وهو منصرف إلى هذا العمل ، يرى فيه سبيله إلى المجد . وغاب عنه أن ظلام الغرفة كان يذوى جمال زوجه ، ويميت روحها المرح اللعوب . فكانت الفتاة تذبل فى عين كل راء سواه . ولكنها رغم هذا لم ترفع صوتها بالشكاة إرضاء لزوجها ، وأبقت على بسمتها كى لا تفسد عليه صورته . وكلما شاهد بين الأصل والصورة شبها اشتعلت حماسته واشتد سروره ،
ولم يدرك ما أصاب زوجه من وهن وضعف . ولما أوشك العمل أن ينتهى اغلق الغرفة عليها وعليه ، ولم يسمح لأحد بالدخول ، وامتدت به الساعات لا يدير عينيه عن لوحته ، ويكاد لا يدرك لزوجه وجودا . ولم يدر أن الصورة كانت تستمد جمالها من جمال تلك الفتاة المسكينة . وانقضت على ذلك الأيام الطوال ، ولم يبق لا يجاز الصورة إلا القليل . لم يبق سوى خط واحد يتم به رسم ثغرها ، ولمحة واحدة ينجز بها نظرة عينها . ولبث يرتقب هذه اللمحة تشع فى عينها ، وما إن تألقت فى وجهها ، حتى سار ع إلى إتباعها فى لوحته . وتمت صورته ، ووقف أمامها مشدوها معجبا ، ثم صاح بأعلى صوته ، وقد امتلأ قلبه سرورا : " هذه هى الحياة بعينها " . والتفت إلى زوجه يهنئها بإنجاز الصورة ، فإذا بها جثة هامدة ، فلقد ماتت ضحية الفن الجميل ! )) .

