الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 38 الرجوع إلى "الثقافة"

من قصص (بو) Poe

Share

ربما كان (أدجر ألن بو) Edgar Allan Poe أشهر من اشتغل بكتابة القصص المفزعة المروعة ، فهو يخلق المواقف الرهيبة ويعبر عنها بأسلوب قوى متين . ولقد كانت حياته ذاتها قصة قصيرة عجيبة ، تعرض فيها لكثير من المشقة وألم النفس . ولد فى أمريكا عام ١٨٠٩ من أب أمريكى وأم انجليزية تشتغل بالتمثيل ؛ وتوفى أبواه وهو لا يزل فى مهد الطفولة . ولكنه كان يتميز بالدكاء الخارق والجاذبية القوية ، فتبناه رجل اسكتلندى من أهل الثراء ، هو (جون ألن) ، ورعاه رعاية الابن . ولما بلغ الطفل السابعة هبط أبواه الجديدان إلى انجلترا ، وألحقاه بالمدرسة الأولية ، وكان بادى الذكاء بين أقرانه ، إلا أن أباه كان يبالغ فى تدليله ، فكان (أدجر) يزهو على صغار التلاميذ . وبعد هذا عاد إلى أمريكا ، والتحق بمدرسة (رتشمند) ، وسرعان ما ظهر نفوقه فى العلم والرياضة البدنية والسباحة . ثم التحق بالجامعة وأغرم بأدب (اللورد بيرن) فاتخذه له مثالا يحتذبه . ووقع فى هوى فتاة حسناء ، أخذ يدبج لها الرسائل على طريقة أستاذه (بيرن) ، ولكنه أخطأ العنوان ، فلم تتسلم معشوفته كتابا واحدا منه ، ولم يحظ منها برد . وقبل أن يتم تعليمه الجامعى اختلف مع المستر (ألن) فحبس الرجل عنه المعونة المادية ، واضطر إلى لعب الميسر ، وكثر دينه ، حتى لم يستطع أداءه ، فغادر (وتشمند) إلى (بوستن) ، حيث كان يؤمل أن يعيش بقلمه ؛ وهناك أخرج ديوانا صغيرا ، غير أنه صودر لما كان يحوى من خواطر جامحة . ولما ضضافت به سبل العيش التحق بالجيش جنديا فى صفوفه . ولكن أباه أشفق عليه ، ودفع له تعويضا ماليا ، وأخرجه

من الجندية وأدخله المدرسة الحربية . إلا أن نكد الطالع كان لا يفارقه ، فتوفيت زوج المستر (ألن) واضطر الرجل إلى أن يتزوج بامرأة أخرى ، شغل بها عن ابنه ، وكان يتوقع أن يرزق منها بمولود ؛ فطلب إلى (أدجر) أن يتولى شئون نفسه ، فانفصل صاحبنا عن المدرسة الحربية وعاش عيشة ضكا عسيرة . وفى خريف ١٨٣٣ بسم له الحظ ، وتنبهت الصحف والمجلات إلى قصصه ، وارتفعت قيمته في سوق الأدب ، بيد أن الأدب خلق له كثيرا من الأعداء .

وفى غضون ذلك كانت معشوقته الأولى قد تزوجت من غيره لانقطاع المراسلة بينهما كما قدمنا ، فتزوج من ابنة عمه (فرجينيا) ، وكانت فى الرابعة عشرة من عمرها ، ورحل معها إلى (نيويورك) طلبا للشهرة وبعد الصيت ، ولكن الحظ لم يواته ، فاستأنف الرحيل إلى (فيلا دلفيا) ، وهناك كتب أروع القصص . ثم مرضت زوجه . وواتاها القدر المحتوم ، وهى لما تزل في ريعان الشباب ، فجزع عليها كثيرا ، وأدمن الشراب وأوشك أن يجن . وفى تلك الأثناء ترملت معشوقته الأولى وكتبت إليه ، فاطمأن قلبه قليلا ، وتواعدا على الزواج ، وإذ هو فى طريقه إلى (نيويورك) كى يتصل بها ، قضى نحبه فى (بلطيمور) ، وتوفى عام ١٨٤٧ قبل أن يبلغ ما يريد .

ومن قصصه القصيرة المشهورة قصة (الموت الأحمر) . وهاك موجزا لها :

انتشر " الموت الأحمر " فى أرجاء البلاد حتى أوشك أن يقضى عليها . ولم يعرف الناس من قبل وباء مثله قاتلا ، يصب الفرد فيألم اشد الألم ، ويشعر بدوار شديد ، وتنفجر منه العروق ، ويظل بدى حتى يموث ، وإذا أصاب هذا الوباء امرأ ، انعزل عن أهله وذويه ولم يحظ بعطف إنسان ، وكان المرض من وطأته حتى نهايته

لا يستغرق أكثر من ساعة أو بعض ساعة

ولكن الأمير (برسبرو) كان رجلا حكيما عاقلا ، فلما قضى الوباء على نصف رعيته استدعى ألفا من الفرسان وحسان البلاط وأوى وإياهم إلى حصن منيع فرارا من وطأة الوباء . وكان الحصن محاطا بالأسوار العتيدة ، وأبوابه من الحديد الصلب . ولما ولج الجميع القلعة أغلقوا المنافد بالقضبان ، حتى لا يتسنى لأحد أن ينسل من خارج ، أو يهرب من داخل . وأمد الأمير القصر بالمؤن الوفيرة . وهكذا أراد أن يتحدى عدوى الوباء . وقد أتى معه بالمهرجين والندماء ، وبالراقصات والمغنيات ، والخمروالحسان ، وأخلد إلى السكينة والأمن . ولم يعد يأبه (للموت الأحمر) أو لرعيته . وبعد ستة أشهر من هذه العزلة ، بينما كان الوباء على أشده ، أدب الأمير مأدية عظيمة لصحبه . وأعقب المأدبة بحفلة راقصة يتوارى فيها الراقصون بالحجاب . وكان بالقصر سبع حجرات ، منها واحدة مغطاة باللون الأسود ، لا ينفذ إليها إلا ضوء خافت ضعيف . وعلى أحد جدرانها ساعة كبيرة يخرج من بين رئتيها بين الحين والآخر رنين قوى ترتاح لسمعه الآذان . وكلما دقت الساعة وقف الموسيقيون عن العزف ، وامتنع الراقصون عن المسير . ثم تسكن دقات الساعة ويعود الهدوء ، فيسخر الراقصون بعضهم من بعض ، ويأخذون على أنفسهم أن لا يرتاعوا لصوت بعد هذا ، أيا كان مصدره . ولكن ما إن دقت الثانية عشرة حتى عاودهم الخوف ، ووقفوا عن الحركة ، وأخذ كل منهم يتلفت يمنة ويسرة . وإذ الحافلون فى هذا الصمت ، تبين لهم شبح مقنع ، يتحجب من قمة رأسه إلى أخمص قدمه فى رداء كأنه الكفن يتخضب بالدماء ، فتهامس الجميع وتولتهم الدهشة والرعب الشديد .

ولما وقعت عينا الأمير على هذا الشبح ثار غضبه ثم صاح : " من هذا الغريب الذى يتحدانا بمقدمه ؟ اقبضوا عليه ، ومزرقوا قناعة ، ثم اقتلوه وسكتت الموسيقى ، ولكن أحدا لم يجرؤ على التقدم ، واستندوا جميعا إلى

الجدران فرقا ورعيا ، فانطلق الأمير بنفسه صوب الشبح - وكان هذا قد بلغ الحجرة السوداء - ورفع خنجره . وما إن دنا الأمير وأصبح قيد خطوة من عدوه ، حتى صاح بأعلى صوته وسقط الخنجر من يده وخر صريعا . حينئذ تدافع الحافلون ، ودبت فى قلوبهم الحماسة ، وبيد واحدة انقضوا على الشيخ ، فإذا به رداء من غير جسم ، ولباس غير مأهول .

هذا هو " الموت الأحمر " تسلل كاللص فى ظلمة الليل ثم أخذ الحافلون يتساقطون واحدا بعد الآخر ، ويقضى كل سهم مكانه . ثم سكنت الساعة عن النذير ، وانطفأت الأضواء ، وساد المكان ظلام وفناء و " موت أحمر " . (أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم فى بروج مشيدة) .

ومن قصص (بو) المعروفة فذلك قصة عنوانها " ضحية الفن " . يروى الكاتب أنه كان ذات ليلة فى قصر مهجور ، وقد أعد له الفراش فى حجرة ضيقة مرتفعة ، أثاثها عتيق ممزق ، إلا أن بها كثيرا من الصور الفنية ، معلقة فوق الجدران . وقد استرعى بصره من بين هذه الصور صورة لفتاة حسناء قوية الشباب جميلة المحيا ، لايبدو مها غير رأسها وكتفيها ، وصدرها الناهد وبعض ذراعها ، وشعر ذهبى يتدل فى مؤخرة الصورة . والرسم فى جملته آية من آيات الفن ، يكاد ينطق بالحياة . وكان إلى جوار (بو) كتاب صغير به شرح ونقد للصور المحيطة به ، فشاقه أن يعرف شيئا عن هذه الفتاة ، ففتح كتابه وطالع فيه هذه القصة :

(( كانت عذراء بارعة الجمال ، جميلة الطلعة ، تفيض مرحا وبشرا ، ثم التقت بمصور نابغ ، قوى العاطفة ، دائب العمل ، نافذ البصر ، فافتتنت به وافتتن بها ، وتعاقدا على الزواج . إلا أن الرجل مازال يخلص لفنه ، ويكاد يتخذ منه زوجا له أخرى . فغارت الفتاة من فن زوجها ، وأصبحت تخشى أشد ما تخشى الريشة والفرجون لأنهما كانا بصرفان زوجها عنها . وفى ذات لحظة نظر

إليها المصور نظرة الفنان ، فإذا بالنور يشع من وجهها ، والبسمة تشيع فى محياها ، فأحب أن يصورها فى هذا الوضع ، وعرض عليها مطلبه ، فلبت له إرادته كارهة على مضض ، لأنها كانت تعلم أن زوجها إذا اشتغل برسم صورة انصرف بكل قلبه إليها ، ولا تهدأ نفسه حتى يتمها .

(( وساقها إلى غرفة مظلمة لا يتخللها سوى شعاع يسير من ضياء ، وأجلسها أمامه فى وضع مضن شاق ، وطلب إليها ألا تنى عنه ، وتتابعت الأيام وهو منصرف إلى هذا العمل ، يرى فيه سبيله إلى المجد . وغاب عنه أن ظلام الغرفة كان يذوى جمال زوجه ، ويميت روحها المرح اللعوب . فكانت الفتاة تذبل فى عين كل راء سواه . ولكنها رغم هذا لم ترفع صوتها بالشكاة إرضاء لزوجها ، وأبقت على بسمتها كى لا تفسد عليه صورته . وكلما شاهد بين الأصل والصورة شبها اشتعلت حماسته واشتد سروره ،

ولم يدرك ما أصاب زوجه من وهن وضعف . ولما أوشك العمل أن ينتهى اغلق الغرفة عليها وعليه ، ولم يسمح لأحد بالدخول ، وامتدت به الساعات لا يدير عينيه عن لوحته ، ويكاد لا يدرك لزوجه وجودا . ولم يدر أن الصورة كانت تستمد جمالها من جمال تلك الفتاة المسكينة . وانقضت على ذلك الأيام الطوال ، ولم يبق لا يجاز الصورة إلا القليل . لم يبق سوى خط واحد يتم به رسم ثغرها ، ولمحة واحدة ينجز بها نظرة عينها . ولبث يرتقب هذه اللمحة تشع فى عينها ، وما إن تألقت فى وجهها ، حتى سار ع إلى إتباعها فى لوحته . وتمت صورته ، ووقف أمامها مشدوها معجبا ، ثم صاح بأعلى صوته ، وقد امتلأ قلبه سرورا : " هذه هى الحياة بعينها " . والتفت إلى زوجه يهنئها بإنجاز الصورة ، فإذا بها جثة هامدة ، فلقد ماتت ضحية الفن الجميل ! )) .

اشترك في نشرتنا البريدية