الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 639الرجوع إلى "الثقافة"

من قصص جحا

Share

قيل - والعهدة على الراوي - إن جحا لم يكن على وفاق مع قاض المدينة ، ولكى نعرف مقدار الخطر الذي كان يتهدد جحا المسكين يحمل بنا أن نستبعد من أذهاننا كل ما هو معروف لنا في هذه الأيام من القوانين . واحترامها ، وعن القضاة وتمسكهم بتطبيق تلك القوانين فمن الواجب علينا أن نحمد الله حمدا كثيرا ، وان نشكره ألف شكر على أنا نعيش في ظل قضاء يحكم على مقتضي قوانين معلومة ، وأنا إذا أردنا أن نتقاضى كان لنا أن نقيم من رجال القانون محامين يدافعون عنا أو يطالبون بحقوقنا بالنيابة عنا ، فندعهم أمام القضاة وجها لوجه يتناقشون ويتحاورون حتى يظهر الحق أخيرا مثل نور الفجر ايلج واضحا . .

وعلينا أن نستشعر الرحمة والعطف على جحا المسكين الذي كان يعيش في عصر غير عصرنا هذا عندما كان قاضي المدينة يسيطر بإرادته المطلقة ويحكم بما يراه هو لا ما يراه القانون . وأقل تأمل في حال جحا المسكين يدلنا على أن حياته في المدينة لم تكن آمنة ولا هادئة بحال من الأحوال . ولسنا ندري علة ذلك الخلاف ولا نجد في سجلات المدينة ما يهدينا إلي السر الذي حمل رجلا مثل جحا على أن يستوجب غضب القاضي عليه ، فمن المعلوم للجميع أن جحا كان رجلا لين الجانب سهل العريكة لا يحرص على مادة هذه الحياة الدنيا ، ولم تكن له في المدينة مصالح مادية تغري به أو توغر الصدور حنقا عليه ؛ كان لا يملك من الدنيا إلا داره المقفرة التي كانت تشبه الصحراء الفسيحة ، وكان يحرص عليها لأن اتساع مساحتها يحفظ عليه ماء وجهه . ويجعله يرضي عن نفسه بعض الرضا ، لأن سعة الدار كانت تسمح له أن يعد نفسه من الأعيان . وكان لا يملك بعد ذلك إلا ثوره وحماره ، فأما الثور فكان يدور بالساقية فيعلو

نعيرها حتى تبلغ آذان الجيران فيحسبون أنها تخرج ماء زلالا يروي الأرض ، وينبت البقل ، ويخرج الزهر ، مع أنها لم تكن تخرج من الماء شيئا .

وأما حماره فكان له بمثابة الصديق يتمثل به في الصبر على المكاره والولاء التام والإخلاص لمن لا يستحق الإخلاص .

هذا كل ما لجحا في المدينة ، وإنه ليبدو عجيبا أن يكون مثل هذا الرجل موضعا لغضب أو كراهة ، ولاسيما كراهة قاضي المدينة ، وهو من هو في مجده وثرائه وسطوته .

ومهما يكن من أمر فإن المعروف أن جحا لم يكن على وفاق مع ذلك القاضي المخيف ولم يستطع ان يعرف السبب الذي أثاره عليه .

وقد حاول مرارا أن يسترضيه ، وأن يقيم له الحجة الدامغة على أنه لا يكن له بغضا ولا حقدا ، وانه لا يعرف سببا يدعو لمجافاته إذ أنه لا ينافسه في شئ مما يحرص القاضي عليه . وحلف له مرة بالله العظيم أنه لا يتطلع إلى وظيفة القضاء التي يتمتع بخيراتها ، ولكن القاضي بقي سادرا في جموده لا يحرك ساكنا ويضمر له في قلبه الحفيظة . ولو كان الأمر لم يتعد الكراهة والحفيظة والجمود لما كان فيه ما يدعو إلي خوف ، فإن جحا كان معروفا عند الجميع بأنه لا يبالي المحبة ولا الكراهة . كان معروفا عنه أنه يقول ما يرد على خاطره . ويرى أن ذلك من حقه أو هو من واجبه ، وكان في ذلك لا يصدر عن عداوة ولا كراهية لأحد ، بل كان يقول ما يعتقد أنه الحق لأنه لو لم يجهر ، لبقى الحق في جوفه يمقص ويقطع حتى يكاد يزهق نفسه . فكان عذره واضحا في أنه كان يحب أن يجهر بما يراه الحق دائما ، ولكنه كان مع ذلك لا يغضب من أن يقول الناس ما عندهم من

رأي وإن كان مخالفا لرأيه . فإذا بدا له أن الناس لا يقولون الحق حاول أن يصرف الأمر كله بكلمة ضاحكة  تسري عنه بغير أن تؤذي أحدا ؛ فمثل هذا الرجل جدير بأن يكون من أبعد الناس عن أن يحتفل بمحبة أحد أو كراهته .

ومحبة الناس أو كراهتهم لا تكون ذات قيمة إلا لأنها تجلب خيرا أو تمنع الخير ، ولم يكن جحا ممن يحرصون على الإستزادة من الخيرات التي تقيد الناس بأغلالها وتذل الأعناق بأحمالها .

فالظاهر والله أعلم أن القاضي لم يكن ممن يرضون من الناس بمثل هذا الموقف السلبي فكان يعد جحا ثائرا عليه ، خارجا علي إرادته متحديا لسلطانه .

وكان من سوء حظ جحا أن المدينة كانت في ذلك العصر داخلة في دولة تيمور بك وهو طاغية من طواغيت الدنيا ، من هؤلاء الذين لم يذكر التاريخ أشد منهم قسوة ، ولا أجرأ منهم على الظلم .

وقد رفع إلى تيمور أن بالمدينة رجلا اسمه جحا يكثر من الكلام وينطق بأقوال فارغة يزعم أنها الحق . ويخرج إلى الأسواق فيسمع السوقة ألفاظ الحرية والعدل والدين والرحمة ، ويسمع الضعفاء أنهم أقوياء ، ويأمر الخائفين أن يجهروا بما عندهم من إنكار لطغيان الطغاة . وكان القاضي عند تيمور في ليلة من الليالي ، فسأله تيمور عن جحا .

وتظاهر القاضي بأنه لا يعرفه ، فأمره تيمور أن يبحث عنه وأن يؤاخذه وأن يؤدبه ، وإذا احتاج تأديبه إلى التعزير فليشدد عقوبته .

ولست أريد أن أطيل في سرد تفاصيل القصة المحزنة التي أعقبت هذا . فجملة القول أن جحا أصبح في المدينة شقيا معذبا مضطهدا مطاردا ، حتى رأي ألا مخرج له من شقائه إلا بأن يفر من المدينة .

وفيما هو خارج من المدينة على حماره المسكين ، لقيه القاضي خارجا من الدار ، وكانت داره الأنيقة على مشارف

المدينة ، يمر بها كل داخل إليها وكل خارج منها . ولسنا ندري هل كان ذلك اللقاء اتفاقا ومصادفة ، أم كان متعمدا مقصودا ، ومهما يكن من الأمر ، فقد بادره القاضي قائلا وهو يبتسم ابتسامة صفراء :

- إلي أين ياجحا ؟ .

فقال : أنت هذا تراني علي الطريق . فقال القاضي : ولم هذا الهروب ؟ .

فأجاب في بساطة : إن كان خروجي هربا ؛ فذلك هروب من الظلم ، فقد ظلمتني .

فضحك القاضي ضحكة طويلة وقال : ألا تترك دعابتك ؟ . فقال جحا : أيها المسكين

فقال القاضي ماضيا في ضحكه : أنا مسكين ؟ فقال جحا : ومن أكثر مسكنة من المظالم أيها الرجل ؟ .

فوالله لو فهمت قولي ، لاستبدلات بالضحك البكاء أرأيت لو وضع الطبيب سما للمريض الذي ائتمنه على حياته بدل أن يضع له الدواء طمعا في رشوة أخذها ؟ أرأيت لو نزعت الأم ثديها من فم طفلها وقذفت به في موقد النار ، ثم تقوم فاتحة ذراعيها لشريكها في الجريمة ؟ أرأيت لو أحرق لص بيدر القمح بعد أن يسرق منه كيلتين ؟ أرأيت لو أغرق العبد الأجير سفينة بمن عليها ليجمع ما يطفو على وجه الماء بعد غرقها من خسيس المتاع ؟ إن هؤلاء جميعا يظلمون ظلما شنيعا لا يختلف عن ظلمك أنت . ولست أجد لكم جميعا سبة اشنع من أن أقول لكم : أيها الظلمة .

ومضي جحا في سبيله لا ينظر إلى ورائه ، فلم يسمع نداء القاضي بصوته المرتجف المتخاذل ، ولم ير وجهه المصفر الذي هرب منه الدم . ورفع القاضي يده إلى عينه يمسح دمعة غيظ جالت فيها .

وكان جحا وهو يحض حماره على الإسراع في السير يتمتم قائلا :

- لست أنا الذي أهرب منك أيتها المدينة البائسة إنك أنت وقاضيك وطاغيتك الذين تهربون مني .

اشترك في نشرتنا البريدية