. . لقد حاول بحق ان يبعد عن نفسه شعوره بالراحة والهدوء ، وظل يكرر لنفسه : ( امي .. أمي المسكينة الميتة " . وحاول أن يبكي على أمه حتى يرتاح ضميره ، ولكنه لم يجد القدرة على البكا ، ووجد أن الأفكار الحزينة التي أبكته منذ هنية قد فارقته . .
وعندما وصل المقهي شعر برغبة جامحة في أن يخبر أحدا بالمصبية التي حلت به حتى يستدر الشففة ويلفت الأنظار إليه . . ودفع الباب وقد بدا الحزن على وجهه واتجه إلى البار حيث كان يجلس صاحب المقهي . .
وحاول أن يبعث اثرا في الحاضرين وتمني أن يقوم إليه الجميع بأيد ممتدة ويقولون له : " ما الخبر ؟ ماذا ألم بك ؟ " ولكن أحدا لم يلاحظ وجهه الحزين فأسند مرفقية على البار وأخفي وجهه بين كفيه وتمتم : " يا للسماء ؛ يا للسماء ؛ " .
فالتفت إليه صاحب المقهي وقال : هل أنت مريض يا مسيو كارافان ؟ .
فأجاب : كلا يا صاحبي . . ولكن أمي ماتت منذ لحظة
فصاح الأول : " آه " وجاء شخص يطلب قدحا من البيرة ، فذهب إليه تاركا كارافان ينشد أحدا يواسيه .
وكان لاعبو " الدومينو " ما زالوا جالسين على المائدة نفسها التى كانوا يشغلونها قبل العشاء . وقد شغلوا بالعب عن أي شئ آخر . . فذهب إليهم كارافان ليواسوه ، ولكنهم لم يلحظوه . . فقرر أن يتكلم :
- لقد أصابني كارثة فظيعة منذ قليل . فرفع الثلاثة رء وسهم قليلا في نفس الوقت دون أن
يحولوا أعينهم عن الحجارة التي يمسكونها بين أصابعهم . - ماذا تقول ؟ . - لقد ماتت والدتي منذ لحظات . . - أوء يا للشيطان
هكذا أجاب واحد منهم بعدم اهتمام ، وقد تكلف الحزن . . أما الآخر ، فإنه لما لم يجد ما يقوله صفر بفمه صفيرا حزينا ليواسى صاحبه . . أما الثالث ، فقد عاد ثانية إلي اللعب وهو يقول في نفسه : " أهذا هو كل شئ ؟ " . ( من قصة مسألة عائلية )
. . ولم يكن باستطاعة أحد أن يصرف هذا الكلب الأعمى عن النباح . . وهو بالنهار يسكت كالحجارة ؛ فشعور بأنه أعمى يمنعه من النباح والضجيج ، بينما يتحرك الجميع هنا وهناك . . أما إذا أتي الليل ، فهو لا يكف إطلاقا عن إزعاج الناس ، وكأنما لا يجرؤ على الحركة والحياة إلا بالليل حين يصبح الجميع عميانا . ( من قصة " حياة ")
. . ووقع نظرها فجأة على ساعتها القديمة ، وكان البندول ما يزال يرقص من اليسار إلي اليمين ، ومن اليمين إلى اليسار . بحركته التي لا تنقطع وسرعته المعتادة . . وشعرت جان بعاطفة قوية تتملكها ، وكادت الدموع تقفز إلى عينها بسبب هذه الآلة الميكانيكية الصغيرة التى تبدو لها حية ، والتي تشير لها إلى الوقت وتدق كالقلب النابض . .
إنها لم تشعر بهذه العاطفة القوية عند ما قبلت أباها وأمها . وشعرت بها نحو الساعة . . فيا لغموض القلب البشري الذي لا يدرك مداء عقل ! (من قصة " حياة " )

