... والتفتت العانس العجوز إليها بعينيها اللتين أحمرتا من البكاء ولكن العاشقين لم يعيراها أي التفات . . وفجاة لاحظ الشاب أن حذاء حبيبته الرقيق مبلل ، فقلق عليها أشد القلق وسألها باهتمام :
" أمستيقنة أنت أن قدميك الصغيرتين العزيزتين لا تشعران بالبرد ؟ " .
وفجأة ارتعشت أصابع العمة العجوز بشدة وأخفت وجهها بين يديها وبدأت في البكاء بمرارة . .
والتفت إليها العاشقان ذاهلين . وركعت جان إلي جانبها وهي تقول : " ماذا حدث ؟ ماذا حدث يا عمتى؟". وأخيرا تمتمت المرأة المسكينة ، وقد تصلب جسمها من التعاسة والعبرات تخنقها :
" إنه سؤاله . هو ما أثارني . ألا . ألا.. ألا تشعر قدماك الصغيرتان العزيزتان بالبرد ؛ لم يقل لي أحد مثل هذه الأشياء .. أبدا .. أبدا.."
ودهشت جان وشعرت برغبة في الضحك ، إذ لم تتصور عاشقا يقول مثل هذا لعمتها . . وأدار الشاب وجهه ليخفى تهكمه ..
..وبدأت جان تقرأ خطابات ( حياة !!) كتبها أجدادها المتوفون . لقد كانت كلها مملوءة بآلاف من الأمور التافهة وحوادث اليوم العادية التي هي تافهة كل التفاهة بالنسبة لمن لم يتصل بهم : " لقد أصيب والدي بالأنفلونزا " . " لقد حرقت هور نفس الخادمة إصبعها " ماتت القطة كروكيرا " . " قطعوا شجرة الصنوبر التى على يمين سور الحديقة . " فقدت والدتي حليتها وهي عائدة من الكنيسة وهي تعتقد أن شخصا سرقها" .
وذاب قلب جان وهي تقرأ هذه الفقرات ، وخيل إليها أنها في حلم . . ونظرت إلى جثمان أمها الميتة الراقد على السرير ،
ثم بدأت تقرأ بصوت مرتفع - وكأنها تقرأ لأمها لتواسها - خطابات أمها السرية .
ولاح لها أن الجنة سرت لما تسمع . . وكانت جان كلما قرأت خطابا تلقيه إلى جانب السرير ، وفكرت في أن تضع الخطابات في نعش أمها مع الجثة ، كما يضع المرء الأزهار . . وحلت ربطة أخرى وبدأت تقرأ : " إننى لا استطيع الحياة بدون قبلاتك .. إنني أحبك إلى حد الجنون "...
ثم لا شئ بعد ذلك . . ولا اسم . ولم تفهم جان وقلبت الورقة فوجدتها معنونة لأمها . وفتحت خطابا آخر : " تعالى الليلة عندما يخرج ، فسيكون لدينا ساعة . إنني أعبدك" .
وفي آخر : "ولقد قضيت ليلة فظيعة .. أريدك فلا احبك . لند كان جسمك بين ذراعي ، وتغرك تحت شفتي ، وعيناك تحت عينى . وفجأة جن جنوني من الغضب ، إذ أفكر أنه ربما كنت في هذه اللحظة ترقدين بجواره هو وانه يملكك " . وكانت جان من الاضطراب بحيث لم تفهم . .
ما معني هذا ؟ لمن وممن كتبت هذه الخطابات ؟ . ومضت تقرأ ... وهي تجد في كل خلاب غرامي موعدا أو اعترافا أو تحذيرا . وفي نهايته دائما خمس كلمات : " وفوق كل شئ أحرقى الخطاب"
وأخيرا فتحت ورقة عادية كتب فيها قبول دعوة عشاء بنفسي الخط الذي كتبت به الخطابات السابقة ، وهي بإمضاء " بول دينمار " . . وهو الرجل الذي كان يدعوه أبوها " صديقي المسكين بول " . والذي كانت زوجته أعز صديقات أمها . .
وأفاقت جان إلى الحقيقة . لقد كان بول عشيق أمها . . زوجة صديقه . وبدأت تفقد رأسها ، فأطاحت فجأة وبحركة عصبية بالخطابات الفظيعة وكأنها تطيح بحشرة سامة تصعد على جسمها . .
(من قصة " حياة " )

