الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 632 الرجوع إلى "الثقافة"

من قصص موباسان

Share

... والتفتت العانس العجوز إليها بعينيها اللتين أحمرتا من البكاء ولكن العاشقين لم يعيراها أي التفات . . وفجاة لاحظ الشاب أن حذاء حبيبته الرقيق مبلل ، فقلق عليها أشد القلق وسألها باهتمام :

" أمستيقنة أنت أن قدميك الصغيرتين العزيزتين لا تشعران بالبرد ؟ " .

وفجأة ارتعشت أصابع العمة العجوز بشدة وأخفت وجهها بين يديها وبدأت في البكاء بمرارة . .

والتفت إليها العاشقان ذاهلين . وركعت جان إلي جانبها وهي تقول : " ماذا حدث ؟ ماذا حدث يا عمتى؟". وأخيرا تمتمت المرأة المسكينة ، وقد تصلب جسمها من التعاسة والعبرات تخنقها :

" إنه سؤاله . هو ما أثارني . ألا . ألا.. ألا تشعر قدماك الصغيرتان العزيزتان بالبرد ؛ لم يقل لي أحد مثل هذه الأشياء .. أبدا .. أبدا.."

ودهشت جان وشعرت برغبة في الضحك ، إذ لم تتصور عاشقا يقول مثل هذا لعمتها . . وأدار الشاب وجهه ليخفى تهكمه ..

..وبدأت جان تقرأ خطابات ( حياة !!) كتبها أجدادها المتوفون . لقد كانت كلها مملوءة بآلاف من الأمور التافهة وحوادث اليوم العادية التي هي تافهة كل التفاهة بالنسبة لمن لم يتصل بهم : " لقد أصيب والدي بالأنفلونزا " . " لقد حرقت هور نفس الخادمة إصبعها " ماتت القطة كروكيرا " . " قطعوا شجرة الصنوبر التى على يمين سور الحديقة . " فقدت والدتي حليتها وهي عائدة من الكنيسة وهي تعتقد أن شخصا سرقها" .

وذاب قلب جان وهي تقرأ هذه الفقرات ، وخيل إليها أنها في حلم . . ونظرت إلى جثمان أمها الميتة الراقد على السرير ،

ثم بدأت تقرأ بصوت مرتفع - وكأنها تقرأ لأمها لتواسها - خطابات أمها السرية .

ولاح لها أن الجنة سرت لما تسمع . . وكانت جان كلما قرأت خطابا تلقيه إلى جانب السرير ، وفكرت في أن تضع الخطابات في نعش أمها مع الجثة ، كما يضع المرء الأزهار . . وحلت ربطة أخرى وبدأت تقرأ : " إننى لا استطيع الحياة بدون قبلاتك .. إنني أحبك إلى حد الجنون "...

ثم لا شئ بعد ذلك . . ولا اسم . ولم تفهم جان وقلبت الورقة فوجدتها معنونة لأمها . وفتحت خطابا آخر : " تعالى الليلة عندما يخرج ، فسيكون لدينا ساعة . إنني أعبدك" .

وفي آخر : "ولقد قضيت ليلة فظيعة .. أريدك فلا احبك . لند كان جسمك بين ذراعي ، وتغرك تحت شفتي ، وعيناك تحت عينى . وفجأة جن جنوني من الغضب ، إذ أفكر أنه ربما كنت في هذه اللحظة ترقدين بجواره هو وانه يملكك " . وكانت جان من الاضطراب بحيث لم تفهم . .

ما معني هذا ؟ لمن وممن كتبت هذه الخطابات ؟ . ومضت تقرأ ... وهي تجد في كل خلاب غرامي موعدا أو اعترافا أو تحذيرا . وفي نهايته دائما خمس كلمات : " وفوق كل شئ أحرقى الخطاب"

وأخيرا فتحت ورقة عادية كتب فيها قبول دعوة عشاء بنفسي الخط الذي كتبت به الخطابات السابقة ، وهي بإمضاء " بول دينمار " . . وهو الرجل الذي كان يدعوه أبوها " صديقي المسكين بول " . والذي كانت زوجته أعز صديقات أمها . .

وأفاقت جان إلى الحقيقة . لقد كان بول عشيق أمها . . زوجة صديقه . وبدأت تفقد رأسها ، فأطاحت فجأة وبحركة عصبية بالخطابات الفظيعة وكأنها تطيح بحشرة سامة تصعد على جسمها . .

(من قصة " حياة " )

اشترك في نشرتنا البريدية