الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 324 الرجوع إلى "الثقافة"

من لندن، صور للحياة والفكر المعاصر في انجلترا

Share

عزيزتي . أخيرا أنت في مصر . . لقد كتبت لك على عنوانك بها مسند وعلى الكلية وعلى ناديك بلا نتيجه ، واتفق أن مررت على النادي يوما أثناء وجودي بلندن فوجدته مغلقا ، وعلمت أنه نقل إلى مكان لم أستطع معرفته ، إلى أن قابلت جوسلين جاكوبي عفوا قبل أن يصلني خطابك بأيام فاخبرتني بسفرك إلى مصر

أنا الآن في ديفنشير حيث جئت لأقضي عطلة قصيرة للدى متيناي أحاول أن أعالج فيها أعصابي المضطربة وأن أستعيد شيئا من صحتي ، وان كان الريف هنا مغطى بالتلج والبرد قارسا وكل شئ فيه غارقا في قتام . . لا أدري أهو الواقع أم هو مجرد صدى لحياتي الخاوية الجافة في هذا المنزل القاحل المقفر .

وأنت الآن بعيدة . . بعيدة عن هذه البيئة المرهقة تنعمين طبعا بشمس مصر الدافئة في ظل النخيل والسلام والهدوء ورضا أهل الشرق واطمئنانهم للحياة ، كيف وجدت أهلك واصدقائك بعد غيبة طويلة كهذه ؟ وأي اثر لحياتك الجديدة في نفسك ؟ هل يطيب لك الآن أن تتمددي مسترخية بين الوسائد على فراش وتير تسرحين ببصرك في الفضاء ناعمة البال لا تحفلين بالحاضر ولا تأبهين للغد ، ولا تذكرين الماضي الا كنغم بعيد مبهم ؟ أم لا زال في نفسك بقايا حنين إلى النشاط المكد والطموح القاتل والفرار من السكون إلى مكان واحد أو حالة واحدة وهذا القلق الذي يسود حياتنا هنا والذي اصبح يجري في دمائنا ويطبع حضارتنا ؟

ماذا تعملين ؟ هل يتسع لديك المجال لتواصلي انتاجك الفني ؟ أنا الآن لا أرسم فقد اضطررت في سبيل كسب العيش إلى أن أدع الفن جانبا إلى حين ، إن مشكلتي لا زالت قائمة كما تركتني ، وأحاول أحيانا أن أعزي نفسي

فأتصور أني لست الضحية الوحيدة وأنها مشكلة الفن عامة في عصر لا يؤمن إلا بالمادة .

أنت تعلمين كيف احترقت أعصابي سنتين طويلتين في مصنع الذخيرة الذي كنت أعمل فيه طوال تلك المدة ، ولم أجد مناصا في النهاية من تغيير هذه المعيشة . لقد كانت التجربة مرة قاسية ، ولكنها استطاعت أن تربي الوجه الآخر من الحياة ، ذلك الوجه الذي كانت تحجبه عنا أسوار الجامعة والا ستدير ودنيا الخيال التي عشنا فيها داخل صوامعنا الفنية .

وظللت بلا عمل لمدة لم يكن ممكنا أن تستمر طويلا ، فحصلت أخيرا على وظيفة نصف أسبوعية في المعهد البريطاني لدراسة الرأي العام ، وهي هيئة تقوم كما تعلمين بتنظيم المعارض في أنحاء انجلترا ومناقشة الرأي العام في المسائل السياسية والحيوية الهامة ، وبالإضافة إلى هذا العمل اتفقت مع ناشر لمؤلفات للأطفال على القيام وضع رسوم لكتبه ولغلافها . وتستطيعين أن تتصوري وطأة هذا العمل على نفسي مع رجل كهذا لا يحمل في نفسه ذرة من الحساسية الفنية ، ولا يحفل في قليل أو كثير بالفن ما دام يضمن رواج الكتاب في السوق ، ولا يحجم من نشر أرخص ألوان الفن لأن كل ما يعنيه هو المال . المال .

إني أجد الفن التجاري يقيد روحي بالأغلال . ولكن هذه التجربة قد اطلعتني على نواح في هذا الفن لم نكن نحب أن نعترف بها كفنانين ففيه تراعي أصول الفن من إنشاء وانسجام وتصميم وتناسق تقنعني أحيانا بقيمته .

وهكذا ترين أني أستفيد دائما حتي من تجاربي المريرة . واصلي الكتابة لي ولا تنسيني وقصي علي كل أنبائك وما تصادفينه . أنت لا تعلمين أي فراع تركته في نفسي وفي حياتنا جميعا هنا . لقد مصررت باكسفورد في زيارة عابرة من بضعة أيام ، فلم أقابل أحدا من الوجوه المألوفة لدي سوى نيجل الذي صادفته عفوا في الطريق ، وحاول كعادته ان يدعوني للشاي ولكن . . مسكين نيجل

طبق الأصل

اشترك في نشرتنا البريدية