الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 917 الرجوع إلى "الرسالة"

من مجالس الأدب، أديب يتعاظم ...!

Share

إلى الأستاذ محمد كرد على قرأت المقال الذى نشره الأستاذ الحومانى بأحد أعداد  الرسالة تحت عنوان (هؤلاء كلاب) فرأيت أن أعرض عليك  ما سبق أن قاله أحد أدباء القرن السادس الهجرى فى زملائه  لتكون على بينة من أخباره، ولن أفترى على الرجل فأنطقه  بما لم يقل، ولكى تقيدت بما روى المؤرخون عنه، وهأننا أضع بين يديك المراجع التاريخية، فأنت رجل مراجع وفهارس  وتقبل فائق احترامى البيومى م. ر. البيومي

ياقوت: السلام عليكم يا سيدى الجليل  شميم: عليك السلام ورحمة الله، من أنت؟ ياقوت: أنا ياقوت الحموى جئت إلى آمد اليوم، فوجدت  حديثك على كل لسان، وسمعت المدح ينثر عليك بدون حساب،  فرأيت أن أحظى بمقابلتك، وأنهل من معينك الفياض

شميم: كأنك لم تسمع بى إلا حين جئت إلينا اليوم، مع  أن مؤلفاتى العديدة قد تناقلها الناس فى الآفاق، وذاع حديثها فى  أنحاء حلب وبغداد وخراسان ..!

ياقوت: لا يا مولاى فقد سمعت الكثير عن أدبك  وإنتاجك، ولكنى حين نزلت آمد، ولمست إعجاب الناس بك،  تذكرت ما أعرفه عنك، وهرعت إلى لقائك، راغباً فى  الاستفادة والتوجيه !

شميم: إننى كما تعرف، متنوع الثقافة، متشعب المعارف،  ففى أى فن تريد أن يجرى الحديث ؟

ياقوت: لقد شغفت بالأدب ورواية الشعر والتاريخ وإننى  لأرجو أن أنقع لديك القليل

شميم: أنظر أمامك، فهذا صوان ضخم ملئ بالكتب  الأدبية التى ألفتها من ذاكرتى دون أن أستعين بمؤلفات أحد،  فهل شاهدت فى رحلاتك المسهبة من له هذا القدر من التأليف ؟

-  هذا مجهود كبير يا مولاى، ولكنه غير مستغرب من  أديب كبير عكف على الأدب والشعر حقبة من الزمن، ولعلك  تخبرنى عن طريقتك فى التأليف، وكيف تختار المواضيع التى  تدج فيها القول، حتى انفق لك هذا التراث الثمين

- أنا لا أطرق الأبحاث الهينة المريحة، التى يعمد إليها  جمهور المؤلفين، ولكنى أعمد إلى المعجز العصى من آثار السابقين  فأعارضه بما أراه، فتكون معارضتى ماحقة ساحقة، وأنت تعلم  ما ذاع عنى من المقدرة والإبداع !!

- لقد قرأت بعض معارضاتك، ولكن اختلاف الأيام  قد أفسد الذاكرة وشقت الانتباه، فهل لى أن أعرف منك من  عارضتهم من البلغاء لأسجل ذلك فيما بين يدى من أوراق.

- لقد رأيت الناس يعجبون بأبى تمام وهو حقير فدم،  إذا قيس بى، سمعت بعض الثناء على حماسته التى جمعها من أشعار  الناس، فأردت أن أخمله بحماسة جمعتها من شعرى الخاص. ولم  أستنجد الشعراء الآخرين كما فعل ابن أوس الذليل، فجاءت  حماستى ضرباً من السحر الحلال

- هل لك أن تسمعنى بعض خرائدها الجياد ؟ - حماستى مشهورة معروفة فسل عنها الناس، وأظنك  ستتجاوز حدود الأدب فى السؤال !

- معاذ الله أن أتجاوز الحد معك أيها السيد الجليل، ولكنى  ظامئ إلى المعرفة والعلم، وقد قدمت بلدتك من أجلك وحدك،  فكيف أخرج منها خالى الوفاض؟

- أعرف تماماً أنك جئت إلى آمد لتزورنى، فليس بها من  تشد إليه الرحال سواى، ولن أسد فى وجهك الطريق فسلنى عما تشاء

- سأترك الكلام فى أبى تمام كيلا تغضب على، وأحب  أن أسألك عمن عارضتهم من الشعراء سواه.

- لقد عارضت الكثيرين غير حبيب، فأبو نواس قد نظم  فى الصهباء قصائد عامرة سارت مسير الشمس، وظن الناس أنه

لم يدع شيئاً لغيره، فتصديت له معارضاً فأسقطت معجزته من  يده، ونظمت فى الخمر عقوداً بديعة، تحلى بها الرماق، فلو  عاش ابن هانىء لاستحيا أن ينظم شعراً بعد الآن

- أخاف أن تهمنى بفساد الذوق، إذا طلبت بعض خمرياتك  أيها الطائر الصداح

- لن أقول لك شيئاً بفمى، فأنا أعظم من أن أنشد  الناس، ولكن خذ هذه الصحيفة واقرأ ما بها من الخمريات ياقوت يتناول الصحيفة ويقرأ

أمزج بمسبوك اللجين ... ذهباً حكته دموع عينى

كانت ولم يقدر لشى ... ء قبلها إيجاب كونى

وأحالها التحريم لما ... شبهت بدم الحسين

يقاطعه شميم فيقول: - ما رأيك فى هذا القريض ؟ - أحسنت يا مولاى غاية الإحسان ! - (فى انفعال) ما عندك غير الاستحسان !! تبا لهذا الزمن الجاحد أنا مخطئ إذ أسمع البهائم أشعارى الجياد. - معذرة أيها السيد، فقد اعتمدت أن أقول لمن ينشئ الشعر الجيد، أحسنت، وهأنذا قد قلت، فماذا أصنع لأعبر عن إعجابى بشعر مولاى

- نعم تقوم وتصنع مثل ما أصنع، (ثم يقوم من مكانه  ويدور فى المسجد ويصفق فى تيه وإعجاب) - لقد تعلمت منك ما يجب أن يصنعه المستحسن !! ولكن  الضحك يأخذ على سبيل الكلام، فهل أضحك يا مولاي - لم تضحك أيها الأحمق فى مجلسى الوقور ؟ - كنت سمعت عنك نادرة ظننتها مختلفة عليك، وهأنذا  أصدقها الآن

- ما هى النادرة يا مجنون !! - حدثنى أبو البركات سعيد الهاشمى أنك جئت قديماً إلى  حلب، فقدم عليك فى ملأ من صحبه، فأنشدتهم بعض قصائدك  فاستحسنوها غاية الاستحسان، فغضبت كثيراً، وقمت إلى أحد  أركان المنزل، ونمت على ظهرك ثم رفعت رجليك إلى الحائط ولم  تزل ترتفع شيئاً فشيئاً حتى وقفت على رأسك، وقلت  هكذا نشكر النعمة، بأن يقف الإنسان على رأسه لا على قدميه،

وأمرت الحاضرين بأن يصنعوا ما صنعت !! - نعم فعلت ذلك لأفهمهم طريقة الاستحسان .. ثم ماهى  المناسبة التى جعلت أبا البركات الحقير يحدثك بهذه النادرة، وقد  طمسها الزمان

- لقد كنا بحلب، ومرت بعض الجنائز، وبها نسوة  يلطمن الوجوه، وينحن بكلمات حزينة، ويأتين بحركات عجيبة،  فقال القوم: إن هذه الحركات منقولة عن مولاى، وإن نواح  النائحات قد ألفه سيدى شميم!! وخاض الناس فى غرائبك  البديعة فذكر أبو البركات نادرته عنك، وهى تحفة بديعة ستدور بها الأسمار !

- هذا الكلب صادق فيما قال، وقد نسى أن يسمعك  النواح العجيب الذى صنعته واخترت له روباً محكماً ووزناً مرناً،  وإذا رجعت إلى حلب مرة ثانية فسل عنه الأدباء

- أعجب كيف شغلت نفسك بالنادبات النائحات  وأنت غارق فى أبحاثك دون أن تجد الوقت لهؤلاء !

- لقد كنت مع تلاميذى ذات صباح بحلب، فمرت بنا  جنازة يندب فيها النساء فى غير حرارة وحسرة، كما يجب أن  يكون، فأخذتنى الحمية، وأمرت من معى من التلاميذ، فوقفوا  صفين حولى، ولطمت خدى، فلطموا خدودهم مثلى، ووضعت  نواحاً يرتلونه فأذن الله وتناقلته النادبات فى جميع البلاد !

- أنت مولاى مبدع فى كل أمورك، وأخشى أن يبتعد  بنا الحديث عن الأدب والشعر، فهل تكمل حديثك مع  أبى نواس ؟

- إن فضلى على هذا الكلب واضح بين، فإنى لم أذق  الخمر طيلة حياتى، ووصفتها بما أعجز المدمنين العشاق، أما اللعين  أبو نواس فقد عب من الخمر دناناً مترعات، وكان شعره هراء  بدداً إذا قيس بشعرى الممتاز

- إذا كنت لا تشرب الخمر، وأجدت فيها القول، فكيف  بك لو تكلمت فى الزهد والحكمة كأبى العلاء، مع أنك  اصطليت بما للزهد والحكمة من ضرام .

- من ذلك الكلب الأعمى الذى تذكره فى مجلسى الآن،  إن المعرى لا يوزن بنعلى، فكيف تطمع أن أعراضه بشعرى الخلاب ! ياقوت مندهشاً :

المعرى كلب حقير! سبحان الله يا مولاى! لقد ذكرتنى  بأبي نزار، ملك النحاة

- هذه جريمة ثانية، إذ كيف أذكر برجل كل صناعته  النحو، أنا أن فكاتب شاعر راوية إخبارى محدث لغوى مؤرخ !  هل غرب عنك عقلك يا مجنون ؟

- ذكرتنى به لشئ واحد يا مولاى، فقد كان لا يذكر  أمامه نحوى مثله إلا قال عنه ما قلت فى أبى العلاء، وقد خاض  ذات يوم فى ذكر زملائه النحاة فجعلهم جميعاً كلاباً، فقال له  بعض الحاضرين: إذا أنت ملك الكلاب لا النحاة، فكأنما ألقم بحجر فاه !

- ملك النحاة معذور فى سبه الناس، فقد ابتلى بمخالطة  الأوشاب والرعاع فوصفهم بما يستحقون - دعنا منه، وتكلم  فيما جئت من أجله دون انتظار  لم أجئ إلا لأسألك عن مؤلفاتك، وقد ذكرت لى  معارضتك لأبي تمام وأبى نواس، فمن غيرهم من الذين نكبوا  بمعارضتك على غير ميعاد

- لقد رأيت استحسان الناس لجناس البستى، فألفت  كتاباً فى التجنيس، أسميته (أنيس الجليس) وخذ هذه الصحيفة  واقرأ ما يقع عليه بصرك دون اختيار (يتناول ياقوت الصحيفة ويقرأ)

ليت من طول بالشام نواه وثوى به !

جعل العودة المزو ... راء من بعض ثوابه

يقاطعه شميم ويصيح: اسجد الآن، اسجد الآن! - لماذا أسجد يا مولاى ؟ - هذا موضع من مواضع السجدات فى الشعر، وأنا  أعرف الناس بتلك المواضع فلا تخالف أمر مولاك يسجد ياقوت ثم يلقى الصحيفة ف يسأل : - ومن غير أبي تمام وأبى نواس وأبى الفتح البستى قد نكب بمعارضتك أيها السيد الجليل ؟ - هل سمعت الخطباء يرددون على المنابر خطب ابن نباتة فى  دمشق وحلب وبغداد ؟ - نعم يا مولاى - لقد عارضت هذا المتشدق بخطب قوية مدهشة، فليس

للناس حديث غيرها الآن - معذرة! فلم أحظ بسماعها. ولعل لديك سفراً يجمعها  وأسعد بقراءته ردحاً من الزمان  يمد شميم يده ويعطيه ديوان الخطب، فيقرأ ما وقعت عليه  عينه ويسمع صاحبه قوله : الحمد لله فالق حب الحصيد بحسام سح السحب، صابغ حد  الأرض بقانى رشيق العشب، محيي ميت الأرض بإمانة كالح  الجدب، لابتسام ثغر النسيم أنفاح الخصب، أحمده على ما منح من  موضح بيان بما ألب فى سوداء لب)

ويلاحظ شميم تلكؤ ياقوت فى القراءة فيصبح منفعلاً - ما للبهائم والأدب؟ دع السفر أيها الأعجم البليد، هل  مررت على الموصل فأخذت منها البلادة والغباء ؟

- معذرة يا مولاى، فقد ثقلت التراكيب، ولم يجد اللسان  نافذة للاسترواح فتعثر به المنطق ... وضل الإجادة فى الإلقاء - قلت لك هل مررت على الموصل فأخذت منها الفهاهة  والبلادة ؟ فلم أظفر بجواب ! - أنا مضطر لمخالفتك الرأى فى أهل الموصل فهم كما أعتقد،  ألبة أذكياء  - وما معرفتك بالذكاء واللب ؟ لقد ناقشتهم وخبرتهم،  فعجبت كيف خلقهم الله، ووالله لو قدرت على خلق مثلهم ما خلقتهم  على الإطلاق

- للمرة الثانية تذكرنى بأبى نزار ملك النحاة ! - ولأى شىء ذكرتك به الآن ؟ - أنت تسب أهل الموصل، وهو يسب أهل الشام، وكلاكما  لا يعترف بإنسان، فجميع الناس كلاب رعاع ... - لى العذر إن شتمت جميع الناس، فهم لا يفرقون بين الدر والبعر، وملك النحاة معذور أيضاً، وإن كان يخاف الناس فلا  يجاهر بسبهم كما أفعل الآن

- هو مجاهر مثلك يا مولاى، وقصته مع نور الدين زنكى قد  عرفها كل إنسان يقطن بلاد الشام ! - لم أشغل ذهنى قبل الآن بأبى نزار فأعرف قصته مع نور  الدين، ومع ذلك فاسردها على بإيجاز  - لقد خلع نور الدين عليه حلة سنية، ومر فى طريقه فرأى  حلقة بها تيس يدربه إنسان، فقال المدرب لتيسه، إن بحلقتى  رجلاً عظيم الشأن نابه الذكر، فأين مكانه، فشق الحيوان الحلقة

ووضع يده على ملك النحاة، فلم يتمالك نفسه وخلع عليه حلة نور  الدين، وعلم الملك فعاقبه، فقال ملك النحاة، إن بهذه المدينة  أكثر من مائة ألف تيس فما عرف قدرى غير هذا الحيوان فخلعت  الحلة عليه فى ارتياح

- أصاب ملك النحاة فأهل الموصل كأهل الشام فى الدناءة  والحطة، وقد كنت أشرح لهم القاعدة العلمية، واقرأ النص  الأدبى موضحاً محللاً فما يستفيدون شيئاً منى، فمن ذا يلومنا على  احتقار الدهماء !

- كلامك رفيع يا مولاى، فالموصليون معذورون إذا لم يفهموه - اسمع يا بنى ليس فى الوجود إلا خالقان، فواحد فى الأرض  وواحد فى السماء، فالله فى السماء، وأنا فى الأرض كما تراني الآن. ياقوت ينظر إليه مندهشاً شميم: هذا كلام لا تفهمه أنت ولا العامة، ولكنك لا تنكر  مقدرتى على خلق الكلام. - اعفنى من هذا الحديث يا مولاى، فلست من علماء التوحيد  فأعلم من الذى يخلق الكلام ؟

- إذا لم تسر المناقشة كما أريد فلن أتحدث معك فى علوم  الأدب على الإطلاق ! - لن نتحدث فى الأدب كما تريد يا مولاى، وسأسألك  سؤالاً يتعلق بك، فأنا رجل محدث، وإن لم تكن بالمحدث  جرأة مات بغصته، فهل تأذن بالجواب ؟

- اذكر السؤال أولا ولى الحق فى قبوله أو رفضه كما أشاء - لم سماك الناس (شميماً) مع أن اسمك الحقيقى على يا مولاى ؟ - لقد مكثت مدة من عمري لا آكل غير الطيب، لأخفف  الرطوبة، وأقوى الذاكرة، وكان الغائط يمتنع عنى بضعة أيام،  فإذا جاءنى كان أشبه ببندقة من الطين، فكنت آخذه وأقول  لمن يجلس معى (شمه، شمه) فإن له رائحة طيبة، فكثر ذلك  حتى غلب علي ولقبنى الناس بشميم. - حسبك يا مولاى، فأنا أريد أن أسجل جميع ما سمعته  منك، ولو طال بنا الحديث لعجزت عن حصره، وستكون تسميتك هذه مسك الختام

- لقد أمتعتك بحديثى، وهو لا يباح لكثير من الناس،  فاشكر ربك على فضله، فالأمر كما قال أبو العلاء  وكم عين تؤمل أن ترانى ... وتفقد عند رؤيتى السوادا (المنصورة)

اشترك في نشرتنا البريدية