أدي بنا الحديث في بعض أندية الأدب المصرية إلي الأزهر والأزهريين وعلومهم وطرائفهم في التعليم . وكان في مجلسنا شاب أزهري ، حر النزعة ، متوقد الذهن , حاضر البديهة ، يتعاطي الشعر ويجيدة أحيانًا ، فأخذ يدافع عن الأزهر وشيوخه ويشرح من فوائده وحسن طرائقه في نشر العلوم الإسلامية ، وبث الثقافة العربية ؛ وذكر من هذه الطرائق ما يسمونه ( الضوابط العلمية ) . فإن الضبط في اللغة القبض على الشئ وإمساكه بشدة ، ومسائل العلوم إذا نظمت شعراً واستظهرها الطالب ضبطت في نفسه وسهل تذكرها حين الحاجة إليها .
قال : ولم تضبط أحكام علم النحو لولا ألفية ابن مالك ؛ ولا علم التجويد لولا منظومة الشاطبية ، ولا العقائد الإسلامية لولا جوهرة التوحيد . وانظروا الفرق بين الجوهرة والسنوسية في حفظ العقائد وسرعة تذكرها ثم قال : وهناك ضوابط أخري تكون في بضعة أبيات ، ومثل لذلك بالضابط الذي أحصوا فيه معاني كلمة ( النحو ) لغة فقالوا :
نحونا نحو دارك يا حبيبي وجدنا نحو ألف من رقيب
وجدناهم عواة نحو كلب تمنوا منك نحواً من شريب
فهذه خمسة معان لكلمة ( نحو ) إذا حفظ ضابطها بقيت راسخة في ذهن الطالب طول العمر .
قال : ومن الضوابط اللغوية ما يذهبون فيه مذهب الألغاز كقولهم في ضبط معنى فعل ( صار يصور ) الذي هو الضم كما في قوله تعالى( فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ) أي اضممهن إليك ، فقالوا في ضبط ذلك :
إنى رأيت غزالاً أورث قلبى خبالا قد صار كلباً وقرداً وصار بعد غزالا
ولى بذاك دليل فى قول ربى تعالى
قال : وهناك ضوابط أخرى في أقسام التنوين ، وشروط رب ، وبناء أمس على الكسر ، وإعمال إذن , وموانع الصرف ، وفيما يرسم بالياء أو الألف من الأفعال ، إلي غير ذلك .
وكان في المجلس أحد طلاب الجامعة المصرية ، وكأنه لم يعجبه ما قاله الشيخ في مدح أزهره ، فقال له : ولفظ (الشيخ ) ، ألم يجعلوا له ضابطاً ؟ قال بلي ؛ فإنهم ضبطوا جموعه وتصغيره بقولهم .
مشايخ مشيوخاء مشيخة كذا
شيوخ وأشياخ وشيخان فاعلما
ومع شيخة جمع لشيخ . وصغـــــرا
بضم وكسر في شييخ لتفهما
ولم ندر ما الذي حمل الأزهري علي أن وجه الخطاب إلى الجامعى وقال له : وحبذا لو اتبعت طريقة نظم الضوابط في علوم الجامعة المصرية وفنونها . فاستوي الجامعي جالساً وقال : ماذا ؟ وهل تريد أن يعمد أحد الشعراء من أساتذتنا فينظم علومنا في ضوابط شعرية ؟ فأجاه الشيخ بهدوء : وما ينصبك من هذا ؟ وشعر الجامعي أن محاوره أزهري جلد ، فترك الجدل وفضل المطايبة في الحديث . فقال : ومجمع فؤاد الأول للغة العربية هل تعفيه من هذه الضوابط الشعرية أو توصية بها فيحفظ أوضاعه التى تعد بالألوف من الضياع ؟ قال : أتمنى ذلك له ، ولاسيما أن في أعضائه الأستاذين الشاعرين ( الجارم والخضر ) . فقال الجامعي دع لنا الجارم وشأنك والخضر . فأجابه : والخضر لعمري خير من يندب لهذا المهم . قال الجامعي : ولنبدأ إذن بنظم ضوابط المجمع اللغوي مذ الساعة :
هذا الأستاذ - والتفت إلي كاتب هذه السطور - نشر في ( أهرام ) أمس مقالاً مسهباً حول وضع كلمة عربية تقوم مقام كلمة جنتلمان Gentleman الإنجليرية ، وأعمل
المقارنة بين الكلمات الصالحة لهذا الاستعمال ، وفضل كلمة (لبيق ) فماذا تقول في ضبط لبيق والتذكير بها فلا تنسى ؟ قال أقول :
عميدنا بحبنا حقيق إذ هو في مجلسه لبيق وإذا عميده الذي عناه زميلنا في المجمع الشيخ
إبراهيم حمروش فطابت نفسى بعلم الله عند سماعي قول الأزهري ,
وأعجبتنى بداعته , فقلت له كنت وضعت كلمة ( مرني ) على وزن ( مغـني ) لتقوم
مقام كلمة بيتوريسك Pitoreque الفرنسية فان معنى رنا إلي الشئ في اللغة أدام النظر إليه استحساناً ، وإذ قلت رناه هذا الشئ من باب التفعيل كان معناه أعجبه , وحمله الإعجاب على إطالة النظر إليه ؛ فماذا نقول في ضبط مرني ؟ قال أقول :
وروضة منظرها مرني قد ملكت عيني رغماً مني !
فلم يمتلك القوم نفوسهم من الإعجاب بحسن بداعة هذا الأزهري ، ودلافة لسانه ، وخفة روحه . وكأنهم أرادوا الاستزادة من هذه الضوابط المصرية فنظروا إلي ، فقلت له وكلمة (صوته ) كيف تضبطها وتحفظها من الضياع ؟ فقد وضعتها اسماً للمحفظة التي يحملها النساء في أيديهن إذا خرجن من بيوتهن ويسمونها بالفرنسية Sac a Main .
فلم يكد الشيخ يسمع قولي حتى قال :
وصوته الفتاة إما خرجت
من بيتها للصون فيها رمزت
قلت إذن حسبك ! وتقوض المجلس .

