يوم الجمعة ١١ مايو سنة ١٩٤٥
كان لحديث لقائنا الأول بقية ضاق عن تسجيلها الوقت في صفحة الأمس فأنا أسجلها ملخصة في صفحة اليوم.
قلت للآنسة (س) بعد أن قصت علي مغامرتها الحمقاء بخروجها من العزبة شريدة، وسفرها إلى القاهرة فريدة: إن حكايتك في تحررك من أخيك أشبه بحكاية العنزة (بلانكيت) في تحررها من سيدها (سيجان)
قالت وما خبر هذه العنزة؟ قلت: خلاصة خبرها فيما زعم (دودية) أنها كانت عنزة جميلة الشكل خفيفة الظل ذات قرنين مفوفين، وعينين كحلاوين، وشعر أبيض ناصع، وظلف أسود لامع؛ وأنها كانت تعيش في حظيرة مولاها عيش الرافهين الأغرار، تنزو وتلعب في حبلها الطويل، وتأكل وتشرب في مذودها الحافل. وفي ذات يوم أطلت من النافذة فأبصرت الجبل يوشيه الزهر، والسهل يغشيه النبات، فقالت لنفسها: يا لله! ما أجمل الحياة هناك! وما أسعد من ترتع في تلك المروج
طليقة من هذا الحبل! ما للمعز وللحظائر والقيود؟ إنها بالحمير والبقر أخلق. ومنذ تلك الساعة غرضت العنزة من المكان، وبرمت بالقيد، وعزفت عن الطعام، حتى هزل بدنها وشح لبنها. وكان السيد سيجان كلما دخل عليها الحظيرة وجدها جاثمة على الأرض أمام الباب، تنظر نظر المشوقة، وتثغو ثغاء الولهى! فأدرك آخر الأمر أن بها شيئاً تخفيه، فسألها: ماذا بك يا بلانكيت؟ لعل حبلك قصير فأطيله، أو علفك قليل فأزيده! فقالت العنزة مغضية في غير اكتراث: أرح نفسك يا سيد سيجان، فليس ما أشكوه قصر الحبل ولا قلة العلف.
- إذن ماذا تشكين؟ - أشكو القيد. - وماذا تريدين؟ - أريد الجبل. - الجبل؟! ألم تسمعي أن هناك الذئب؟ - بلى سمعت، ولكن لي قرنين طويلين يخشاهما الأسد. - ليس قرناك يا مسكينة أطول من قرني أختك (رينود) ، فقد صاولت الذئب بشجاعة طول الليل، ولكنه أفطر عليها في الصباح! - يا للمسكينة! ولكن لا بأس. دعني بربك أجرب حظي مع الذئب يا سيد سيجان.
فلما رأى سيجان أن عنزته لا يقنعها المنطق ولا يعظها التاريخ، حبسها في حجرة بالحظيرة ثم أغلق عليها الباب، ولكنه
نسي أن يغلق النافذة، ففرت منها إلى الجبل! ورأى الجبل في بلانكيت غير ما رأى في سائر الماعز من جمال اللون وحسن الشارة فلقيها لقاء جميلاً، وأمر أشجاره أن يظللن لها الطريق، وأزهاره أن يعطرن لها الجو. ووجدت العنزة نفسها مرسلة من كل قيد؛ فلا وتد ولا حبل ولا جدار، فأخذت تمرح في الخلاء الرحب، وتسرح في الكلأ الرطب، وتوازن في اشمئزاز بين ضيق الحظيرة وسعة المرج، وبين تفاهة العلف ومراءة العشب، فتحمد الله على ما رزقها من نعمة الحرية ومتعة العيش. فلما قضت حاجتها من الشبع والري، أخذت نثب في الهواء، وتركض على الأرض،
وقفز فوق الصخور؛ ثم تبلل شعرها بماء الغدير، وترقد لتجففه بحر الشمس، ثم تنهض فتصعد في شعاف الجبل حتى تقف على قمته، فيخيل إليها من فرط العلف وسحر الغرور أنها حورية مرجه وملكة واديه! وبينما هي ترسل النظر الساخر من زروة الجبل إلى حظيرة سيجان أبصرت قطيعاً من الوعول ينال من شجر الكرم فتحلب ريقها شرهاً إليه، وما هي إلا وثبات حتى نزلت على القطيع تفسح لها المجال بأدب، وقرب إليها المنال في لطف. ثم وقع بقلبها بعض الوعول فاختلت به ساعة أو ساعتين في ظلال الغاب. وجملة القول أنها قضت يوماً من أيام الجنة لم تقضه قبلها عنز من عناز سيجان، ولا نعجة من نعاج داود.
ولكن الهواء برد والمساء أقبل، فخشعت الأصوات، وسكنت الحركات، وانبعث من جانب الحظيرة بوق السيد ىسيجان يدعو الآبقة إلى الرجوع. حينئذ تذكرت الذئب وقد أنساها إياه قصف النهار ولهوه، فاعتراها شيء من الحيرة والتردد؛ ولكنها تذكرت كذلك الوتد والحبل، فمطت شفتيها وأصمت أذنيها وقررت البقاء. وانكفأت بلانكيت تبحث عن مرقد وثير في مغاور الجبل فرأت بين الأوراق أذنين مصرورتين تحتهما عينان تشعان الخطر، وتقدحان الشرر، فعلمت أنه الذئب! وأرادت أن تمضي في سبيلها، فضحك منها الذئب حتى بدت أنيابه المصل،
واندلع لسانه الغليظ؛ فاستيقنت الموت وتذكرت ما سمعته عن مصرع العنزة رينود، فهمت بالاستسلام؛ ولكن بدا لها أن تدافع، لا لأنها تعتقد أن العنزة تقتل الذئب، ولكن لأنها تربأ بكرامتها أن تكون أقل شجاعة من رينود. والحق أن
بلانكيت اضطرت الذئب أن يستريح عشر مرات أثناء المعركة، وفي كل استراحة كانت تملا فمها بالعشب الندي، وترقب طلعة الفجر في الأفق الحالك، ثم تعود إلى الصراع؛ حتى لاح الضوء الشاحب، وصاح الديك المؤذن، فخرت شهيدة الحرية بين يدي الذئب وهي تلفظ مع نفسها هذه الجملة: الحمد لله قد بلغت أمنيتي، وإن لحقت بي منيتي!
قالت الفتاة: قصة طريفة! ولكني أعدك مادمت عندك أن الزم الحظيرة ولا أفك القيد ولا أخلع الزمام. فقلت لها: لا تنسي يا بنيتي أن حظيرتك عند أخيك لا عندي، وأن حريتك في قيده لا في قيدي، وأن زمامك بيده لا بيدي. وهيهات أن أكون لك إلا أباً يشفق أو أخاً يعين أو معلماً يرشد. فقالت وهي تنهنه عبرة تريد أن تقطر: ليكن! حسبي أن أراك وأن أسمعك! لقد حاولت أن أغويك فلم أستطع، فحاول أنت أن ترشدني فلعلك تستطيع. سأجعل في يديك مقاليد أمري،
وأودع بين جنبيك مكنون سري. وسأتبين معالم الطريق في ضوء مصباحك، وأنشد سكينة القلب في ظل جناحك. فقلت لها أعانني الله وأعانك. ثم افترقنا ونفسي تغالب الضلال ونفسها تغالب الهدى، وما تدري نفسي ولا نفسها ماذا نكسب غداً!
يوم الخميس ١٧ مايو سنة ١٩٤٥:
كان لقاؤنا الثاني في مطعم الكرسال ظهر هذا اليوم؛ وكنت قد واعدتها على هذا اللقاء ساعة انصرافنا من جروبي. وكانت هي شديدة الحرص على أن نلتقي كل يوم، ولكنني أقنعتها بأن تجعل بين اللقاءين أسبوعاً لتعرف فيه خبيئة نفسها ودخيلة هواها، لترد يوم ترد عن بينة، وتصدر حين تصدر عن بصيرة. سبقتها إلى الموعد في هذه المرة فتخيرت مائدتنا في ر كن من أركان المطعم الفخم. ولم يكد يطمئن بي الجلوس حتى رأيتها مقبلة في زينتها الكاملة: فرأسها النفرتيتي الساحر قد خلص من يد الحلاق الساعة؛ وفستانها الفيروزي الأنيق قد خرج من محل الخياط اليوم؛ وشنطة يدها اللازوردية المعلقة على
(للقصة بقية)
كتفها قد تدلت فى فراغ الخصر واستقرت على الجانب ؛ وشفتاها القرمزيتان قد انفرجتا عن ثغرها الشتيت لتلقي التحية ثم تواصل الحديث . وكانت الجوقة حينئذ تعزف لحنا رقيقا رفيقا ينسحم مع شحوب الضوء وهدوء المكان ونشوة الجلاس ، ولكنها جعلت الموسيقى دبر اذنها وفضلت أن تتكلم على أن تسمع ، فأخذت تناقلنى على الطعام شهى النوادر وطلى الاخبار حتى جرها الحديث إلى انشودتها الغرامية المعتادة ، فعطفها برفق إلى حديث يوم الاحد الماضى وسالتها : لعلك فى هذا الاسبوع قد وجدت النور الذى تفتقدين ، والسلام الذي تنشدين !
وأترابها من الإغواء ما يضل العابد بلفظة ، ويفتن الراهبة فى لحظة ! فقلت لها : إذن لا بد من الرجوع إلى العزبة . فقالت : ارجع إلى الوند والحبل ؟ لا يا سيد سيجان ! دعنى بربك أجرب حظى مع الذئب لم اكن بعد ذلك فى نصيحتى لبلانكيت إلا كمن يرقم على ماء أو ينفخ فى رماد ، ففوضت امرها إلى الله تم افترقنا على غير ميعاد .
فقالت وهى تنفض رأسها إلى : أى نور واى سلام وقد شد الله عضد شيطانى بشياطين اخر ؟ لقد وجدت فى بنت اختي
( للقصة بقية )

