الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 241الرجوع إلى "الثقافة"

من مذكرات جحا:، جحا والحب

Share

أيها العقل المفكر قف مكانك ، ولا تقلق هذا الكون السرمدي بثرثرتك . القمر يغمر الأرض بنوره الرقيق . فيجلو أرجاءها ، ولكنه لا يقسو عليها ، ولا يتدسس في خفاياها وأسرارها ؛ بل يترك عليها غلافة رقيقة من الظلام يحفظ تحتها بهذا الغموض الرحيم الذي تستطيع فيه أن تتمتع بأسرارها المحبوسة ، وهي آمنة من الوضح الباهر الفاضح فما زالت الأرض منذ القدم تأنس إلي ثنايا الستور ، لكي تفوز الإنسانية فيها بمتع الحياة . وما زال بنو آدم منذ خلقهم الله يهربون من النور الكامل إلي ظلال الفخت الخافت ، إذا هم أرادوا أقتناص لذات الحب ، أو الإنصات إلي همسات الأماني . وفي ضوء هذا القمر يجد

الخيال فسحة يجول فيها وينطلق ، وتعينه على جولاته تلك الظلال المتراقصة عند الأفق ، وهذه الشعاعات الضئيلة التى تخرج بين الأشجار ، أو من فرجات الأبنية ، أو في أذيال السحب البيضاء  . فهناك لا تزال عين الإنسان الكليلة ترى رقصات الجان وعربدة العفاريت ، ومجاوزة الأشباح ، وزيارات الأرواح ، كلها تهبط إلي الأرض مع أضواء القمر , فلا تزال تمرح وتعبث وتنساب في الآفاق حتي يطل عليها أول خيط من نور الشمس ، فلا تلبث أن تهرب لائذة بأ كناف الأجواء ، أو عائدة منه الاغوار والكهوف وشعاب الجبال .

في هذا القمر الساجي أرقد مستلقيا علي ظهري ناظراً إلي الفضاء الذي لانهاية له ، فكأنني أمـّحي فيه وأفنى ، أو كأن الوجود  كله يمّحي في ويفني ، فلا يبقى منه إلا ما بين جنبي ؛ وأري النجوم الصغيرة تبدو في خجل من ضآلة شعاعها ، ولكنها مع ذلك ترسل حديثها الصامت من وراء الفضاء ، وفي جوف العماء ،  تحدث عن الأسرار الهائلة التى يضمها الكون ، وتخبر عن سير القرون الخوالي حديثاً قصيراً لا يريد على لفظ " كانوا " فإذا ما سألتها عما وراءها وما يحيط بها ، وعن الكرسي

الأعظم الذي يسعها جميعا ، لمعت لمعة غاضبة كأنها تقول : " اخسأ " فلا يسعني إلا أن أقول ما قلت في أول كلمتى هذه : " أيها العقل المفكر ، قف مكانك ، ولا تقلق هذا الكون السرمدي بثرثرتك " ! وتطرق أذني الأصوات المنبعثة من ساقيتى ذات النعير المتصل : أيتها البقرة الناعسة العينين المستسلمة ! إن دورانك ليس عبثا كما يحسبون أليس في هذا الصوت الذي يدوي في سكون الليل ما يعوض عن دأبك في الدوران ؟ ! وماذا يعنيك إذا كانت الساقية ترفع ماء يروي النبات أو لا ترفع من الماء شيئا ؟ ! حسبك من الدوران نعير هذه الساقية ، حسبك هذه الموسيقى رنانة الأصداء ، التي تكسب الليل قدسية الترتيل والتسبيح . لا تكوني أيتها البقرة حمقاء مثل هذا الإنسان الذي لا يتحرك إلا لمطمع ، فلن تصيبي من الحياة إلا ملء مزودك من الحشيش .

كل شئ في هذا الليل الساجي يبعث على السلام والسمو ، وأحس وأنا مستلق على حشائش هذا الجرن الواسع أن الحياة جميلة ، وأن الإنسان لم يخلق فيها للآلام . الحياة حلوة ، ولو لم يكن فيها سوي أن تستلقي علي ظهرك في ضوء القمر ، وتتأمل الصور التي حولك ، أو التي في خبايا صدرك ! هناك تستطيع أن تجد السعادة في هذا السلام الشامل ، ومناجاة أحلامك العزيزة . هنا أستطيع أن أعيش مع علية ابنة السلطان إذا شئت ، لا يفرق بيني وبينها تلك الفوارق التي تحجبها عنى إذا ما طلعت الشمس ، ولا يمنعها مني ذلك السلطان القوي . الذي لا أحس قوته ولا عظمته ما دمت مستلقيا في هذا الضوء الرقيق .

قد اعتاد الإنسان أن يتخذ في ضوء القمر الخافت مجالس حبه ، يخلو فيها بمن أحب ، لأنه يجد في غموضه وخفوته مشجعا علي الخلو بغرامه . وكأني به لا يجرؤ على على أن يفتح عينيه على حبه ، لأنه غير جدير بالحب ؛ أو

كأني به يخجل من نفسه إذا رآها تطيع تلك العاطفة المظلومة ؛ أما أنا فإني يحلو لي أن أفكر في هذا القمر الساطع الذي يحمل خيالي إلي آفاق العلا ، حيث أجتمع بعلية عند السماك ، بعيداً عن الأرض الضيقة وجهلها وسخافاتـها . ولكني مع ذلك لا أجد لذة أكبر من أن أفتح عيني في ضوء الشمس لأري حبي معلنا غير خفي ، ويحلو لي أن أجهر بحبى , وأن أتملى بسماع أصداء تسبيحي بذكرها ، لأن كل ما فيها عندي كريم نبيل صريح . لقد قلت وتحدثت وسبحت ، وسمع الناس قولي وأحاديثي وتسبيحى ، وماذا يعنينى منهم إذا هم سخروا مني ورموني بالغرور والجنون وفساد الرأي ؟ ! لقد أفضي إلي صديقي أبو النور برأيه ، وعنفني علي مجاهرتي بذكر حب علية ، ولامني علي أنني أعرض نفسى للهلاك بهذه الأقوال ، وأجعلها مهزأة للناس . هذا الناس يعجب لصعلوك مثلى إذ يتطاول إلي مقام الملوك . أنا صعلوك ؟ حقا أني فقير ، ولست أدعي الغني ، وأني قبيح ولا أدعي الجمال ، وأني ضعيف الجاه ولا أدعي القوة ، ولكني مع ذلك جحا ! إنني جحا علي سن ورمح . أنا الذي أدرك من المعاني ما يفوت عقولهم ، وأسمو فوق الحياة سموا لا يستطيعه أحد منهم . أنا من إذا فكر تفتحت دونه الأسرار المغلقة ، وإذا كتب تدفقت في صدره ينابيع من الآيات يغترف منها ما شاء ، ولا يخشي عليها أن تنفد . أنا جحا الذي لا يداري ولا يماري ، ولا يعبأ في الحياة بشيء مما يرغب فيه الناس ، أو مما يرهبونه . فما الذي يمنعني أن أتطلع إلي ابنة علاء الدين ، وقد كان أجدادى سادة في ماهوش قبل أن يحل أجدادها فيها ؟ -

ثم ما الذي يلومني عليه الناس من حب علية ؟ وما الذي يعنفنى عليه صديقي أبو النور ؟ إن السلطان لا يستطيع أكثر من أن يمنعها عن كبرا واستعلاء . ولئن منعها مني فلن يستطيع أن يمنع قلبي من حبها ، ولن يستطيع أن

يحجب عني العوالم التي أكتشفتها من تأمل حبها ! إنني أعيش في حبها ، وأسمو به كما يسمو العابد في صلاته . وهل الحياة كلها جسم أو جسد لا عبرة فيه بالروح ؟ إن روحي تهيم في حبها ، وتستطيع أن تقضي كل الأيام والليالي في الأفق الأعلى تتغدي من ذلك الشجن الطاهر الذي يشملها ، ونتصفي من ذلك الهيام الحار الذي يصهرها . عليه ابنة علاء الدين ! لن أكف عن التعلق بك , والتسبيح بإسمك ، والتماس الحياة العليا من محبتك ، وإن لم تقع عيني عليك مرة أخرى !!

أيها الحب كم جني عليك الأدعياء الذين لم يعرفوك ، ولم يفهموا منك إلا هزة الجسم الكثيف المظلم . كم من الأدعياء يرددون لفظك في الشعر الغث ، ويلوون به ألسنتهم في غنائهم المخنت ! وما هذا الذين ينشدون فيه اشعارهم , ويمطون به أنغامهم ، إلا الشهوة الفاترة المتقلبة التي يشاركون فيها الكلب والكلبة ، والخنزير والخنزيرة ، والحمار والأتان . وكم جنى  هؤلاء الأدعياء على النفوس الساذجة التي كانت تستطيع أن تسمو إلي آفاق الحب الصحيح , فصرفوها عنه قبل أن تقدر علي ارتياد آفاق العلا ، ودفعوا بها إلي الطين المسنون ، وخيلوا إليها أن هذا هو الحب .

أيتها النفوس المضللة المسكينة ! الحب هو أول ما دفع الخليقة إلى طريق الحياة ، إنه الملك الحارس الذي ناط به الله عمران هذا الكون منذ تنفس نفسه فبعث في الأرض سر الروح . وما كان لمثل هذا الملك أن يتخذه الرجال لهواً أو ملاة وما كان له أن يتخذه النساء رزقا ، أو يتخذن الخداع في سبيله مطية . إنه الجد كله ، والطهر كله . والسمو كله ، والصدق كله .

أواه ، إن هذا التفكير يجهدني ، حتي كأنني في بحران محموم ، وأحس رأسي يدور ويضطرب ويتصدع . وكلما خيل إلي أنني قد قربت من إدراك كنه هذا الحب صحوت إلي نفسي ، فوجدتني حيث كنت مدلهاً صابحاً فيه على

غير هدى . وهل يقدر العقل على أن يدرك في طوقه الصغير الضعيف كنه السر الذي سبق الحياة نفسها ؟

أراني قد استرسلت مع الخيال ، فحملني على أجنحته ، ولج بي حتى بعد عن هذه الأرض التي لا أستطيع واأسفاه أن أقطع الأسباب التي تربطبي بها . وإنه لمن السخف أن أطير مع الخيال ، ورجلاي مثبتتان في هذه الأرض التي يعيش الناس فيها كما يشاءون وكما يتصورون ، لا كما أشاء أنا وأتصور ! وما أنا بينهم إلا جحا الفقير ، جحا الضحكة ، جحا الصعلوك الذي لا يحسن إلا أن يقول أقوالا لا يفهمونها ، وقد يسخرون منها . ولئن كان الله قد حكم على أن أحرم من أملي لمثل هذا السبب ، فلا مناص لي من الخنوع لإرادته ، والتأدب اللائق بجلاله . ولأقنع بهذه الصورة الثاوية في قلبي أناجيها ، وأتملى فيها بالمثل الأعلى لكل ما هو جميل ، وكل ما هو نبيل ، وأعيش في عالم الصور ، مستغنيا عن دنيا الناس وعالم الجسد والحس . فمثل هذا العالم الأعلى هو الجدير بمثلي .

يا عليه ابنة علاء الدين ! سأحيى من أجلك معني الحب كما أراده الله أن يكون ، وسأقيم له بقلي محراباً يسبح فيه القلب لذات الحب الأسمي !ولعل الليلة إذا أويت إلي مضجعي ، وأغفت العين ، وغاب الوعي ، وتنبه الروح ، أسريت إليك حيث لا يردني حجاب ، ولا يرهبني سلطان !ولعل طيفك هذه الليلة لا يسأل عني منكرا من أكون ، كما فعل ليلة الأمس . لقد رفعت عيني نحوه ليلة الأمس ضارعا . فالتفت إلي ّدهشاً ، ورفع حاجبيه ، ونظر إلى الوصائف المحيطة بي ، وأشار إليّ منكرا وهو يقول : " ذلك البائس المسكين من يكون ؟ ".

لعل طيفك يكون هذه الليلة أكثر اهتداء إلي محرابه , ولعل مسيل الروح يبلغك حتى يتجه طيفك إليّ باسما . ويرد إليّ تحيتي بنظرة غارقة فيها كل معاني السعادة !!

طبق الأصل

اشترك في نشرتنا البريدية