) والعهدة على صاحب الوثيقة الذي زعم أنها بخط يد الأديب الكبير جحا نفسه .
مضت أيام كثيرة لم أر فيها صديقي أبا النور إلا قليلا - مرات معدودة - وضاق صدري من الوحشة إليه ، فإنه لم يبق لي في الحياة من سلوي إلا أن أجلس إليه ، وأسمع صوته العاطف .
ولم يكن أبو النور مقصرا في قلة رؤيتي إياه ، إذ أني علمت اليوم انه لم ينقطع يوما من الأيام عن الإلمام بداري الجديدة التي استأجرتها بعد بيع داري العزيزة ، وكان كلما اتى إلي الدار لا يجدني فيها ، فإني كنت اضيق بالقعود بين جدرانها المظلمة حتى أحس كان انفاسي تختنق ، وان السقف يكاد ينطبق على الأرض ، فأخرج منها لا الوي على شيء ، والتمس الهواء الطلق في اطراف ماهوش وفي طرقها . وكنت كلما وجدت جنازة سرت وراء النعش لأشيعها مع المشيعين ، لا لشئ سوى قضاء الوقت خارج تلك الدار ، فلا اعود حتى يدفن الميت ، ونقرأ عند جدنه الصلوات ، ويعزي المشيعون أهل الفقيد ، ويعود الجميع إلى بيوبهم .
وكان ولدي عجيب يصحبني في كثير من هذه الجولات الحائرة ، وكان يجد فيها فرصا كثيرة لدراساته الأدبية . وقد كنا يوما نشيع أحد الموتى ، فلما دفن في قبره وقرئت عليه الصلوات جلسنا نستمع إلي اصحابه وهم يؤبنونه بالمراني ، ويبكونه بألفاظ متمقة مؤثرة ، فقال أحدهم في مرئيته :
" انت هذا نحملك إلي مقرك الموحش الذي لا تري فيه الشمس ولا القمر ، ولا تطالعك فيه النجوم الزاهرة ،
ولا تهب عليك نسائم الأصيل العليلة ، أنت هذا في مقرك المظلم الذي لا تنفذ إليه الاضواء ، ولا تؤنسه سجعات الأطيار " .
وجعل ذلك الصديق يفيض في وصف القبر ووحشته وظلمته وضيقةحتى انهلت منا العبرات ، وسمع من جوانب الجمع شهيق البكاء . فإذا بي احس يد ولدي تطعنني في جنبي ، فالتفت إليه ، وخفضت له راسي وهمست له سائلا ماذا لعله يبغي من وخزني . فأشار إلي ان اميل بأذني إليه ليهمس لي قولا ، فملت إليه فقال لي :
- ألا تري يا أبي أن ذلك الرجل قد بلغ ذروة البلاغة في رثائه ؟ فهززت رأسي له موافقا ، ولم ارد ان اطيل الحديث في مثل ذلك المقام .
وما هممت برفع رأسي حتي وخزني مرة اخري ، فملت بأذني إليه مسرعا فقال :
- ولولا أنني لم أنشر مقالي بعد ، لظننت أن ذلك الرجل قد سرق مني هذه المعاني الرائعة .
فنظرت نحوه مستفهما ، فقال وقد أخرج ورقة جيبه
- هذه هي مقالتي التي صورت فيها بيتنا الجديد ، ووصفته فيها وصفا كنت احسبه معجزا . أتحب أن تسمعه ؟
ولم ينتظر إجابتي ، فأخذ يقرأ لي من الورقة وصف الدار وظلمتها ووحشتها ، فإذا به مثل ذلك الوصف الذي سمعته في تلك الساعة من صديق الفقيد .
فغصصت بريقي عند ذلك ، ولم أجد لفظا أجيب به ولدي عند ما سألني عن رايى في مقاله ، وانصرفت من الجمع وعدت إلي الدار حزينا ، وأحسست عند ذلك بفداحة مصابي وعظم جرمي ، إذ بعت دار اجدادي ، ونقلت ولدي وأهلي إلي تلك الدار المظلمة ، بل إلي ذلك القبر الشارد من جبانته ، وثارت نفسى ثورة هائجة عند ذلك ، فلم استطع كبح جماحها ؛ وخيل إلي أن هذا العالم قد تعمد ظلمي
وإذلالي ، وأنني مطالب بأن ادفع عن نفس ظلمه وإلا كنت امرءا لا استحق ان اكون إنسانا . إذ كيف كون إنسانا ينبض قلبي بدماء الحيوان ، ولا أدافع عن نفسي كما تدافع أحقر أنواع الحيوان عن أنفسها ؟ !
لئن كانت ماهوش قد أنكرت محلي ولم تجعل لي في أرزاقها نصيبا ، فإنني أنا لا زلت جحا ، ولا زال العالم كله مكاني ؛ والعار في حرماني لاحق بماهوش العزيزة - حماها الله من كل عار أواء ! إنني أحبك يا ما هوش مع كل ما يلحقني فيك من الأذي والإذلال والفقر ؛ ولن أبيح لنفسي أن أكون سبة عليك تلصق بك إلى آخر الدهر . فلآخذ منك نصبي ولو كان غصبا . ساخذ نصبي وإن كان ذلك سرقة أو احتيالا ، أو بأية وسيلة أخري من الوسائل الدنيئة ، فإن هذا أهون عندي من أن أموت جوعا أنا وأهلي فيقول الناس على تعاقب الدهور : لقد مات جحا جوعا لأن ماهوش القاسية لم تعرف له مكانه ، ولم تقسم له قسما في أرزاقها ! كيف أترك أولادي وأهلي في هذا البيت المظلم والجوع يعصر بطونهم ، على حين أرى الناس من حولي يحملون السكر والزبيب والتين والجوز وأنواع الفاكهة ، وأري الحوانيت حافلة بأنواع الفطير والفالوذج والسنبوذج والكباج واللحوم من كل صنف بين مشوي ومقلي وغير ذلك مما أعرف ومما لا أعرف ؟ ! كيف أفعل هذا إذا كنت رجلا تجري في عروقي دماء الحيوان ؟ ! !هكذا فكرت وفكرت يوما بعد يوم وليلة بعدليلة ، حتى رأيت نفسي ذات يوم أندفع اندفاعا نحو إنفاذ ما اعتزمته ، ولم يبق في نفسي عند ذلك مكان للصبر أو ضبط النفس . فقد جاء أبو النور يوما إلي داري يحمل كيلة من القمح وقطعة من السمك ، فوضع ذلك في ركن المقعد ، ثم أخرج من جيبه رمائتين وجلس يمسح العرق عن جبينه . وكنت عند ذلك في الدار على غير عادتي ، فقمت إليه ورحبت به كما أوحي إلي قلبي ، إذ كان شوقي إليه يملأ جوانب صدري . ولما رأيت ما حمله إلي داري سألته عما دفعه إلي ذلك ، وأنكرت عليه أن
يحمل نفسه مشقة حمل مثل هذه الهدية ، مع أنه أحوج مني إليها لقلة ذات يده وكثرة عياله . وفيما كنت أكلمه خرجت علينا امرأتي ريمة بصوتها الجهوري وحركتها العنيفة ، وجعلت تعتقني على ما قلته لأبي النور . وفهمت من قولها الصاخب انه لولا هدايا ابى النور في هذه الأسابيع الاخيرة لهلكنا جميعا من الجوع - نعم لهلكنا جميعا - هي وأنا والأولاد ولم يبق منا أحد .
ولا استطيع أن أصور مقدار المى عند ذلك ، فقد تبين لي أنني رجل قليل الهمة ، ناقص المروءة ، خائر العزيمة ، قد انحدرت وهويت إلي قرار سحيق من الهوان ، وصرت عالة على صديقي المسكين يقاسمني رزقه ، ويهبني أكثره علي قلة ذات يده وضعف جسمه .
فخرجت من المنزل كالأعمى لا أري شيئا أمامي ، حتى رأيت نفسي في أرياض ماهوش ، وتلفت حولي لأري شيئا أسرقه ، فلم أجد سوي البساتين الفسيحة تمتد إلي مدى البصر عن يميني وعن شمالي . فعزمت على أن اسرق ما أجد وإن كان نخلة أو جملا ، فأسرعت وقفزت فوق سور ، ودخلت بستانا فوجدت فيه أنواعا من الخضر والبقول ، فقلت : أسرق من هذه ما دمت لا أجد شيئا سواها ، وجعلت أقطع منها وأخلع في شئ من الحنق . ولم أجد شيئا أحمل فيه ما جمعته من ذلك ، فنزعت شملة كانت علي ، وجعلت أضع فيها أنواع الخضر المختلفة التي خلعتها من جذورها ، ثم ربطتها ربطة محكمة ، ووقفت أفكر في طريقة حملها والهروب بها إلي منزلي . وفيما أنا أفكر في ذلك لحقني الندم ، على أنني صرت لصا سارقا أقفز فوق أسوار البساتين وأنزع نباتها في غيبة أصحابها ، ولكنني جعلت أقاوم هذا الندم ودافعت عن نفسي بأن الشدة التي أعانيها لا تقل عن العاصفة الهائجة التي تقذف الإنسان برغمه إلي حيث لا يريد ؛ ولا جناح على الإنسان ولا لوم عليه إذا هو ركب المركب الوعر في وجه العاصفة الهوجاء ، فإنه ما كان ليقدم على ذلك لولا دفعها الذي لا يقاوم .
وافقت من هذا التفكير على لمس يد تقع على كتفي ، فالتفت ورائي ؟ فإذا بصاحب البستان ينظر إلي نظرة خبيثة ويهز كتفي بيده ويقول :
ما هذا ياجحا ؟ وماذا جاء بك إلى هنا ؟ ولم ادر كيف أجبت الرجل ، ولا كيف نطقت ، ولا كيف تحركت ! ولكن هكذا كان جوابي :
- حملتني إلى هنا عاصفة هوجاء
فتضاحك الرجل خبثا وقال :
- عاصفة ! إنني لا احس عاصفة . فقلت له في مرارة
- إنك لا تعرفها - إنها عاصفة لا يعرفها أمثالك . ولو هبت عليك يوما لما سألتني عما جاء بي إلي هنا .
فضحك الرجل كأني قولى سره ثم قال :
- آمنا يا سيدي أن العاصفة حملتك إلى هنا . ولكن كيف قلعت كل هذه الجذور ؟
فنظرت إليه في غيظ وقلت :
- دفعتني العاصفة فتشبثت بهذه الجذور وجذبتها فانخلعت في يدى .
فضحك الرجل طويلا كأنما هو يسمع مزاحا ثم قال :
- آمنا أيضا ، بكل ذلك يا سيد جحا . ولكن ما الذي وضع هذه الخضر في هذه الشملة ؟
وكنت إلي هذه اللحظة لم أفكر إلا في العاصفة التي دفعتني إلي ما اقترفته ، ولم افكر في شئ آخر بعد ذلك . فقلت للرجل في صراحة :
- لقد فاجأني قبل أن أفكر في هذه الشملة وما فيها . وكأني قد القيت على الرجل عند ذلك حجرا افقده الإتزان فانفجر ضاحكا حتى وقع على الأرض ، فلم يقم إلا بعد حين ، وانا واقف انظر إليه متعجبا . ثم اقبل نحوي فحمل الشملة بيديه وألقاها على كتفي وقال لي :
- بارك الله لك فيها يا عم جحا . وارجو الا تطير العاصفة بهذه الشملة عن كتفك . ثم فتح لي الباب فخرجت وقلبي ممتلىء بالشكر والحزن - نعم بالشكر والحزن .
وقد حاولت بعد ذلك مرارا أن اغتصب واسلب وانهب ، ولكني كنت في كل مرة لا أفلح في إنفاذ عزيمتي . فقد كان الناس كلما رأوني أحمل شيئا نهبته ، ضاحكوني ووهبوني ما سرفت عن رضا ، فأرجع حزينا لأني لم أغتصب شيئا
ولكني ما لبثت أن احتقرت نفسى ، فقد كانت هذه الحال أقرب الأحوال إلي الاستجداء والتكفف ، مع أني ما قصدت إلا الغصب والنهب ، ولم أقصد أن أصبح شحاذا
وزاد من أجل ذلك حزني حتى لاحظ صديقي أبو النور في زيارته الأخيرة ما اعتراني من الانقباض والإطراق ، وفاتحي في أمري ، ولم استطع أن أخفي عنه شيئا منه ، بل افضيت إليه بكل نأمه وكل خلجة في أبعد طيات صدري . وقد اشتد به الحزن حتى غلبه في ذلك اليوم ، فلم يرد على بحرف واحد حتى قام وفارقني ، وقد لمحت الدمع ينحدر فوق خديه وهو قائم لينصرف عني .
أي صديقي البس في طاقتك أن تفعل أكثر مما فعلت . فلقد واسيتني من مالك القليل ؛ ثم واسيتني بصمتك ودمعك ، وأشفقت أن تقول لي كلمة تستنزف الدماء من قلبي الجريح ! !
) طبق الأصل (

