خرجت من (( ماهوش )) أسير كالأعمى والأفكار تحتوشنى من كل جانب ، والأنفاس تكاد تمزق صدرى ؛ ونظرت حولى فرأيت ربوة (( ماهوش )) الخضراء تبتسم للصباح ، إذ تلقى عليها الشمس أول شعاعها الذهبى ، ورأيت سماءها والسحب قد زخرفت أطرافها بنسيج سحرى من الفضة والذهب والزبرجد والياقوت . هذه السماء هى التى ملأت قلبى بالتسبيح ، وعلمتنى من المعانى ما تعجز عنه كتب الفلاسفة ومباحث العلماء ! وألقيت نظرى على سهل (( ماهوش )) إذ تنحدر إليه الجداول الصافية تتدفق من عيون رائقة باردة تنبع فى قمة الربوة ، ثم تسير فى أنهارها التى تلمع فى قيعانها الحصباء ، كأنها الدرر واليواقيت قد انفرطت وتناثرت
من عقد حسنا ، كانت تحلى بها صدرها العاجى .
ورأيت بيوت (( ماهوش )) تنحدر من سفح الربوة إلى السهل كأنها قافلة تحمل الأفاويه من بلاد الهند هابطة من جبال البامير إلى سهول إيران ، تتخلها رياض (( ماهوش )) بما فيها من النبت والشجر ، ما بين قصير وطويل ، وبين مورق ومجرد ، وقد تداخلت ألوانها ، وتشابكت فروعها ، وتعانقت قضبانها ، واهتزت للنسيم الوديع الذى هب فاترا كأنه لا يزال وسنان من أثر النعاس فى الليل المنصرم !!
هذه (( ماهوش )) لذة العين وبهجة القلب وشفاء الصدر أغادرها وأهاجر منها ، وأخلفها من ورائى لأضرب فى الآفاق ! فناديت قلبى أن يتجلد ، وقلت يا عين أغمضى ، ويا نفس التمسى النسيان .
وما زلت أسير غارقا فى الأفكار حتى أفقت أخيرا على صدمة عنيفة اندفعت على أثرها إلى جانب الطريق ، وكدت أهوى إلى وهدة الحقول المجاورة ، فقد صدمنى فارس من هؤلاء الفرسان أصحاب القلانس العالية الذين يتقنون الانتفاش فى ملابسهم الزاهية فى أيام السلم ، ويتقنون الاختفاء فى منازلهم فى أيام الحرب . وكان مثل
الببغاء فى زينته الكاملة وسلاحه التام ، من قلنسوة حمراء فوقها ريشة زرقاء ، من تحتها عباءة صفراء تغطى ملابس أخرى بيضاء وخضراء ، وقد لف على وسطه منطقة سوداء ، ودلى منها سيفا مقوسا منقوشا بالفضة مرصعا بالجوهر ، ومن تحته ومن تحت كل هذه النقوش الباهرة جواد كريم ، لا يقل فى ألوان زركشته وزخرفته عن صاحبه الفارس .
وأفقت على أثر صدمتى بهذا الفارس وجواده ، وكان مقبلا من تجاه (( ماهوش )) إذ كنت أنا موليا عنها وأنا مطرق غارق فى هواجسى ، تجرفنى همومى ، ويدفعنى إلى الأمام حتفى ؛ وقد لطف الله بى ، فلم أصطدم إلا بجانب الفارس وجواده ، وإلا لحطمت تحت السنابك ، ولم أخرج بعد من أرباض (( ماهوش )) .
ولما ذهب عنى الدهش ، واستطعت أن أفكر ، نظرت إلى الفارس متعجبا ، وبدأت أسمع ما يقول ؛ وحسبت أنه يريد أن يعرف من أنا ، ولم أرد أن أكشف له عن نفسى ، فقلت له :
- أنا فقيه !
فرأيته قد سكن وخمد غضبه ، وقال فى شىء من السرور :
- فقيه ؟!
فهززت له رأسى أن نعم . ولكنه كرر سؤاله فى اهتمام قائلا وهو يبتسم :
- فقيه ؟؟
فخفت من تكراره لهذه الكلمة ، وخشيت أن يكون لها عنده معنى آخر ، كتاجر - مثلا - أو صيرفى ، أو جوهرى ، فيحسب أننى ممن يحملون معهم الأموال ، وممن يطمع فيهم رفاق الطريق ، فبادرت مجيبا :
- وأديب !
فلم يعجبه هذا اللفظ ، وكرر اللفظ الأول قائلا فى اهتمام :
- فقيه ؟
فنظرت إليه مرة أخرى ، ورأيت اختلاف ألوانه ، وامتلأ قلبى ضحكا ، وكدت أنطق قائلا :
- أبوك السقا مات !
ولكنى خشيت أن يفهم قولى ، فاكتفيت بأن هززت رأسى وأعدت الكلمة التى أعجبته قائلا :
فقيه !
فنزل عن جواده ، وفتح لى ذراعيه ، وأخذ يقبلنى بين عبنى وهو يبرطم بكلام كثير ، ففهمت منه أنه هو وجماعة من قومه يقيمون فى بعض أصقاع (( ماهوش )) ، وطالما امتدت أطماعهم إلى أن يكون لهم فقيه ليتخذوه زينة إسلامية ؛ فما كاد يسمع أنى فقيه حتى غلبه السرور ، وحسب أنه قد وجد لقية ثمينة .
وبعد أن أشبع نفسه من التملى بى ، ركب فرسه وأمرنى أن أسير وراءه نحو المحلة التى تقيم بها جماعته . فقلت سبحان الله ! أهذه محنة جديدة ؟ ثم سرت وراءه مطرقا ، وجعلت أعزى نفسى قائلا لها : إن السير وراء هذا الفارس لن يغير شيئا من أمرى ، فقد خرجت من (( ماهوش )) لا أقصد قصدا ؛ وسواء لدى شرق وغرب .
وما زلت أسير حتى مالت الشمس نحو المغيب ، وأخذ التعب ينال منى ونظرت نحو الفارس لعلنى أرى فيه علامة تدل على أنه يريد أن يستريح ، فلم أجد من ذلك شيئا ، فقد كان يهز رجليه ويغنى ، كأنه لا يذكر بأن جحا يسير وراءه . ولكن الله أرسل الفرج من حيث لم أدر ، فعند منعرج الطريق طلع علينا فارس آخر يجىء من الشرق مقبلا نحو (( ماهوش )) وهو فى زينته وألوانه لا يختلف عن صاحبى ، اللهم إلا فى توزيع الألوان وتنسيقها فيما بين رأسه وقدميه .
ولما اقترب ذلك الفارس منا حيا صاحبه ووقف حياله يحدثه قليلا ويراطنه .
وبعد قليل من هذا الحديث التفت الفارس الجديد نحوى وقال باسما :
- فقيه ؟
فعاودتنى الرغبة فى الضحك ، وكدت أنطق مرة أخرى قائلا :
- أبوك السقا مات !
ولكنى كظمت نفسى ، واكتفيت بأن تبسمت وهززت رأسى وقلت :
- فقيه !
فنظر الفارس إلى صاحبه ، وجعل يحدثه حينا ، ثم سمعت الحديث يحمى ، والألفاظ تسرع ، ثم رأيتهما يجردان سيفيهما فجأة ويقف أحدهما حيال الآخر موقف الحرب والنزال .
فعجبت أشد العجب لهذا التبدل السريع ، ووقفت أنظر إليهما (متفرجا) ، فليس شىء أشد جذبا للأنظار من فارسين يتنازلان بسيفيهما وجها لوجه !
ولكنى ما لبثت إلا قليلا حتى رأيت المنظر يتحول فجأة تحولا كريها ، فبدلا من أن يقف الفارسان وجها لوجه إلى نهاية المعركة ، رأيت صاحبى ، الفارس الأول ، يتجه نحوى ويهدد صاحبه ، الفارس الآخر ، بأنه سيقتلنى ، حتى لا أكون لأحد منهما ؛ لا لهذا ولا لهذا .
ففهمت عند ذلك فقط أن المعركة بينهما كانت على أنا ، إذ كان كل منهما يريد أن يقتنص لجماعته فقيها ، وأن صاحبى الفارس الشجاع رأى أن يحسم النزاع بطريقة مختصرة لا تكلفه ولا تكلف صاحبه أية مشقة ، فرأى أن يبقر بطنى أنا حتى لا أكون لأحد منهما .
وهذا رأى سخيف بلا شك ، وكان لا بد لى من الدفاع عن نفسى ، فلم أجد غير لسانى أدافع به ، فصحت قائلا :
- حاسب ! ماذا تريد منى ؟!
فوقف وجعل يبين لى قصده ، فقلت له :
- هذا رأى غير صائب . ثم أخذت أبين له أن خير الطرق هى أن يقاتل صاحبه إلى النهاية المرة ، فإذا قتله سرت وراءه شرقا أو غربا ، كما يشاء وهو مطمئن ؛
ثم جعلت أبين له أنى قد أفيده إذا سرت معه وأنفعه نفعا لا يساويه نفع من شخص آخر ، فإنى فقيه وأديب ، وأستطيع أن أؤلف الشعر ، وأن أكذب فيه كذبا رائعا ، وأن أكتب الرسائل الرنانة ، وأن أمدحه بما لا يتصور أنه فيه ، فأجعله يشتهر بين الناس بالفضل والكرم ، والسماحة والعلم ، والعقل والحكمة والشجاعة ، وكل ما يحلو له أن يكتسب فى أعين الناس من الصفات التى ليست فيه .
فوجدته قد رق لى ، ولانت نظرته إلى ، واقترب منى باسما ووضع يده على كتفى وقال :
- عفارم !
ثم ذهب نحو صاحبه وأشار إليه أن يقترب منه ، فلما صار على قيد خطوتين منه قال له :
- أتذكر الكلب الأسود الذى أودعته عندى ؟
فقال صاحبه باهتمام :
- بلا شك ، وأنا فى حاجة إليه .
فقال له الفارس باسما فى خبث :
- إذا أردت أن أرده إليك ، فأنزل لى عن هذا الفقيه ، وإلا فإنى قاتل كلبك عند عودتى .
فنزل الفارس عن جواده ، وجثا على ركبتيه أمامه ، وجعل يتوسل إليه أن يبقى على كلبه ، وأن يفعل بى ما يشاء . ثم مسح دمعة ثارت فى عينيه وسلم بغير قيد ولا شرط
فأخذنى الفارس المنتصر ، وسار بى فى طريقه والسعادة تطفر من أسارير وجهه حتى بلغنا محلة الجيش ، وأقبل على الجند من كل صوب يقبلون يدى وهم خاشعون .
وهأنذا اليوم أستقبل الصباح على رزق مكفول ،
وظل ممدود ، وجاه عريض ، وعز راسخ الأساس .
أى رب ! هكذا جرى قضاؤك فى الأزل القديم ! فقد خرجت من (( ماهوش )) لا أدرى إلى أين أسير ، فإذا بى أصبح فقيها لجيش لا أعرفه ، لأن فارسا من
فرسان ذلك الجيش خشى على كلبه الأسود أن يقتل وهو برىء . لقد هان على ترك وطنى لما لقيت فيه من الهوان والإغفال ، وهأنذا أصبح فقيها لكتيبة من فرسان لا يعرفنى أحدهم ، ولا تربطنى رابطة بأى منهم !
وقد قضيت السنين الطوال مع أهل (( ماهوش )) أكلمهم بلغتهم ، وأجاملهم فى أحزانهم ، وأشاركهم فى سرورهم ، وأعفو عما يصيبنى منهم ، وأحب خيرهم ، وأدعو الله أن يسدد خطاهم ؛ ولكنى خرجت من بين ظهرانيهم لأنى لم أجد بينهم لى مكانا ، وهأنذا منذ تركت (( ماهوش )) قد صرت فقيها بين قوم لا أنطق بلسانهم ، ولم أقدم عند أحدهم خيرا ، ولم أطلب منهم معروفا أو إحسانا !
أيتها الأقدار العجيبة ! إنك تبلغين أذنك اليمنى من وراء الجانب الأيسر من رأسك ؛ ولست أدرى كيف تفعلين ذلك الأمر وهو عسير ؟
ومن يدرى ، لعلنى أستطيع فى يوم من الأيام أن أعود إلى (( ماهوش )) فأجلو عينى بنظرة أخرى من أمل القلب المعذب : من علية ابنة السلطان .
(طبق الأصل)
- ثم إلى هنا انتهى الجزء الذى أمكننا أن نقرأه ونستجلى غامضه ، وأما ما بعد ذلك ففيه ترميج ومسح وتخريق من أثر البلى . وسنحاول أن نعده للنشر بقدر طاقتنا ؛ فإذا تهيأ لنا شىء من ذلك نشرناه إن شاء الله تعالى ... ... ... ...

