الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 250 الرجوع إلى "الثقافة"

من مذكرات جحا :، أيها الموت !

Share

والعهدة على صاحب الوثيقة الذي زعم أنها بخط يد الأديب الكبير جحا نفسه . .

فيم الحياة وقد سدت في وجهي سبلها ؟ فلا مال أعيش منه كما يعيش العاطلون ، ولا تجارة اقوى على المزاحمة فيها والفوز في معاركها ومخائلها ، ولا قدرة لي مع هذا كله على أن أكون لصا سارقا أو غاصبا نهائيا .

أليس الأليق بمثلي أن يمضي عن هذه الحياة التي لا يستطيع ان يسلك سبيلا من سبلها ؟ ! لست أدري هل هذه حالي في " ماهوش " خاصة ، ام هي الحال التي قدرها الله علي اينما حللت ؟ فإذا كانت الأولى فما اهون العيش وأكرهه في هذا الوطن العزيز الذي يحلو له أن يذلنى ويهملني ، وما أوسع بلاد الله اضرب فيها مشرقا ومغربا لكي أنفض عن نفسى معرة هذا الهوان ! وإذا كانت الثانية فليس دوني إلا سبيل واحدة ما أوعرها وما أقساها ! ليس لي عند ذلك إلا أن أخلص من هذا العالم كله ، فأستريح من عناء الحياة كلها ؛ ولكني كلما فكرت وعزمت ضعفت نفسي واعترتني الوساوس والشكوك . فهل ينبغي لمؤمن مثلي أن يهلك نفسه ؟ إن النار مصير القاتل الذي يسفك الدماء بغير حق ، فما بالي بمن يهلك نفسه هو ؟ !

أستغفر الله من هذه الخواطر الخانقة التي تدخل إلي قلبي كما تدخل الخفافيش إلي الاركان المظلمة من الخربات المهجورة ، فما كان مثلي ليقدم على إهلاك نفسه ، وهي من خلقة الله بديع السماوات والأرض . وإنه لمن أكبر الغرور أن يقدم الإنسان على التفكير في إهلاك خلقة بديعة يعجز عن أن يقلد خلقة أقل عضو من أعضائها .

اللهم طهر قلبي من هذه الخواطر الدنسة ، وطهر قلبي فوق ذلك من هذا الغيظ الذي يملأ صدري كلما نظرت حولي فرأيت هذا الاضطراب الذي يضرب اطنابه في أركان " ماهوش " . وفيم يمتلئ هذا القلب بالغيظ إذ يري النعمة المغصوبة مكدسة على القليل ، في حين يري نفسه محروما منها ؟

فهل كانت هذه النعمة لتهبط على إذا لم يغصبها هؤلاء ؟ إنني واحد من كثيرين مثلي ، قلم يمتلئ قلبي أسى من حسد المنعمين ، ولا يمتلئ رثاء ، وعطفا على آلاف المحرومين ؟ إنه لأجدر بي أن اتمسك بأعلي المثل ، ولا أزال ادعو الله أن يطهر قلبي من خبائث الغيظ والحسد ، فالدنيا لا تستحق أن يبذل من أجلها سلام القلب واطمئنانه . لأدع خيرات هذا الوطن للمغنيين ، وتجار الهوى ، وقادة الخبائث ، والمرابين ، ومصاصي الدماء ؛ ولأقنع بمثلي العليا ، فإنني قد عجرت عن أن أكون أحد هؤلاء الذين يفوزون بمادتها ، وليس لمثلي إلا أن يكتفى بمعانيه وفضائله طوعا او كرها . ولأدع " ماهوش " تلهو وتفيض بكرمها على كل من يتعلق بشهواتها . وماذا يضيرني إذا هي لاقت مصير امثالها من البلاد التي لا ترتفع فوق الشهوات ؟ اللهم إني أستغفرك من هذه الدفعات الخبيثة التى يدفعني إليها الحنق ، وأعود فأدعوك ان تغفر " لماهوش " وان توفق " ماهوش " ، وان تتدارك بلطفك " ما هوش " وطني الذي لا أحب وطنا سواه .

لقد دفعني غيظي بالامس إلي مداعبة لا ازال الوم نفسي عليها ، وأقطعها أسفا علي انني لم افكر مرتين قبل الإقدام عليها . امتلأ رأسي بالثورة والغضب على ان " ماهوش " تذلني وتتجاهل وجودي ، وقلت لنفسي ما يقوله الناس ، إنه لا كرامة لنبي في قومه ، وإن عيون البشرية عشواء لا تستطيع أن تري ما تحت أقدامها ، فهي عاجزة عن اختراق الحجب ، ولذلك لا يتردد الناس في أن يوقعوا الأذي بالعظماء في حياتهم ، لا لشئ إلا لأنهم لا يعرفون أنهم عظماء في أثناء حياتهم ؛ فإذا اتفق

يوما بعد موت العظيم ان تنبهت اهواء الناس بالصدفة المحضة فجعلتهم يفتنون به بعد موته ، ثارت عاصفة افتتانهم فتسابقوا في الإعجاب بالمسكين ، بعد ان يكون قد قاسي في حياته المر المرير منهم ، ورحل عن الدنيا وهو في اشد حالات الشقاء والخيبة . عند ذلك تقام له المآتم والموالد وتؤلف في سيرته الكتب المطولة ، وقد تقام له الأثار ، وتبني على قبره القباب ، ويجعل علي مثواه السدنة والحجاب ويجني المهرة الاذ كياء أرباحا عظيمة من افتتان الناس به ، ويقطفون من تغني الناس باسمه ثمارا حلوة كان العظيم المسكين يتمني لو اتيح له عشر معشارها في مدة حياته .

امتلأ رأسي بهذه الأفكار الحانقة ، وعولت على أن أجرب ما يحدثه اهل " ماهوش " إذا انا مت واخليت لهم مكاني الذي يتجاهلونه . وقلت في نفسي : إن هذه أصدق وسيلة لكي اعرف حقيقة مقداري في نظر أهل وطنى ومنيت نفسي بأن نبأ موتى سوف يهزهم ، وسوف يشعرهم بالوحشة إلي ، وسوف يحملهم على معرفة مقداري ؛ فإذا انا صحوت بعد ذلك ، كان رأيهم في غير هذا الرأي الذي جربت اثره المؤلم في كل حياتي . فتمددت وصلبت أعضائي وقلت : " أيها الموت " !

ولم يكن من الهين على ان اظهر الموت وأنا حي اتنفس ، ولكني خاطرت معتمدا على انه ليس من عادة الناس ان يقلبوا الميت ، أو يجسوا اعضاءه ، ويتحسوا انفاسه ونبضاته ؟ فما زال الموت هيبة وحرمة تجعلان الناس يكتفون بالنظر من بعيد إلى اعضائه الساكنة وعينيه الزائغتين . وقد حدث ما توقعت ، وساعدني على نجاح حيلتي ان منزلي مظلم لا يستطيع الإنسان ان يتحقق فيه من شيء . ولست ارتاح هنا إلي كتابة كل ما كان مني بتفصيله ، فإن في ذلك شيئا يؤلمني ويشعرني بالذلة . مجمل القول أني غسلت وجهزت ، ووضعت على الفراش في انتظار النعش . وعند ذلك سمعت ما دار حولي من الحديث ، وعرفت كيف استقبلت " ماهوش" نبأ موتى .

لم يبق في " ماهوش " رجل ولا امرأة إلا أسف على ، وحزن لفقدي ، وتحركت اريحية الناس فجمعوا لي - وأنا ميت - من الدراهم والدنانير ما لو جمعوه لي وأنا أسعى بينهم لكفوني مئونة الحياة وعشت بينهم قرير العين لا أفكر في الموت . وسمعت البكاء والعزاء - حتى امرأتي ريمة كادت تقع على الأرض من الحزن ، ولطمت وجهها وقالت عني أقوالا حلوة لم أسمع منها حرفا واحدا في كل ما مضي من أيامي معها ؟ وكنت كلما اقبلت طائفة جديدة للعزاء كتمت أنفاسي حتى لا تحجب عن سمعي حرفا مما يقول كل فرد منها ، فخرجت من كل ما سمعت على أن أهل " ماهوش " بجمعون على محبتي ، والعطف علي . والإعجاب بما اسوقه لهم من الملح ، واطلع به عليهم من الفكاهة . وحسبي والله مثل هذا القدر ، فإني لا أطمع أن يدرك أحد منهم شيئا مما يفيض به صدري من المعاني المزعجة ، وحسبي أن أنزعج بها وحدي ، ومتى كان الناس يفهمون من المعاني إلا ما يحسونه هم ؟ ومتى كان الناس يدركون إلا ما يستطيعون أن يسموا فوقه ؟ لهذا كانت الساعات التي قضيتها في انتظار النعش من أحلى ساعات حياتي وأعظمها فائدة في درس طبائع البشر

وأخيرا جاء صديقي أبو النور ، بعد أن أعد جهازي ، واختار موضع قبري ، واشتري أكفاني وحنوطي ، ولم ينس ان يفرش لحدي بالرمل والحناء ، ليكون أرفق بجثماني . ولما دخل على جلس إلي جانبي ، ولم أسمعه يتكلم ، ولم احس أنه ذرف دمعة واحدة علي ، حتى لكأني به لم يحزن لفراقي . ولكني كنت دائما على ثقة من أن حزنه على أعمق من أن يذرف له دمعا ، أو ينطق معه بحرف . وقد احسست يده تجسني علي حين فجأة ؛ فانه انتهز فرصة خلو الغرفة من الناس فوضع يده على جسمى ومر بها علي أعضائي ، كانه لم يصدق انني مت حقا وكانت يده كلما مرت على جسدي أحس برغبة شديدة في أن أقبلها ، ولمت نفسي على أنني قد خدعته كما خدعت الناس ، وكدت انطق هامسا له بالحقيقة ، ولكني

أمسكت خوف أن يفتضح الأمر قبل أن يحين أوانه

ثم حملت بعد أن تم تجهيزي ، ووضعت في النعش ، وسار المشيعون من امامي ومن خلفى ، بعضهم ينشد الأشعار ، وبعضهم يتلو القرآن ، وبعضهم يحدث جاره في شؤون تجارته ، أو في سيرة جيرانه ؛ وكان للمشهد ضجيج عظيم بقي بما فيه من عدد عديد . وما زلت محمولا في طرق ماهوش " وانا اكاد اعرف كل موضع حملت فيه مما كان يصل إلي سمعي من اصوات الاسف التي يبعثها النساء والصبيان من بيوتهم ؛ فهؤلا ، جميعا احبائي أهل " ماهوش " الذين لم أجد وسيلة للعيش فيهم إلي بأن أموت .

وأخيرا بلغ المشهد إلي جانب النهر سالكا من طريق الجسر الأعظم ؛ وكان النهر في الأمس قد فاض وعلا حتي صارت أمواجه ترتطم بالشاطئ ، ويسمع عجيجها عن بعد عظيم . وكانت العادة أن يخوض أهل " ماهوش " في ماء النهر حتى يبلغوا الجانب الآخر ، حيث توجد جبانة المدينة . ولكن النهر لم يسبق له أن علا وفاض كما فعل بالأمس ، وهذه من عجائب الصدف وتهكم المقادير . فلما بلغ النعش جانب النهر أحسست ترددا في السير ، كان الذين يحملونه قد خافوا أن يخوضوا في النهر ، ولهم العذر في ذلك ، فانهم لو فعلوا لغرقوا وغرقت معهم ، وانقلب موتي إلي حقيقة واقعة . وكنت أعرف في النهر موضعا لا يبلغ فيه الماء فوق الركب مهما فاض النهر وعلا ؟ فلما رأيت تردد القوم ، وخشيت منهم الخطأ ، وخفت أن تقع بهم وبي كارثة ؛ تجلدت ، وشددت نفس من الأربطة وقمت برأسي حتى رفعت غطاء النعش الحريري ، فأشرقت على المشيعين ؛ وهم جميعا في شغل ينظرون إلي النهر ويفكرون في أسلم طريقة للسير فيه ؛ وخشيت ان يبدو لهم رأي جديد في أن يجعلوا النهر قبري ويقرأوا علي الفاتحة ، ثم يعودوا من حيث أتوا ، فبادرت صائحا فيهم :

- من هنا . سيروا من هنا . فالمخاضة عن يساركم !

وماكدت انتهي من كلماتي حتى علت صيحة ، وارتفعت الأصوات في فزع ، وتفرق المشيعون يلتمسون السبل كانهم قطيع من شياه طلع عليها ذئب كاسر . ورمي الحمال النعش في عنف ، حتى احست عظامي تقعقع ؛ وفي لحظة واحدة لم أجد حولي إلا صديقي أبا النور وحفار المقبرة وواحدا من القراء لم يستطع أن يجري لبعض ضعف فيه

وأخذ أبو النور يفك عنى أكفاني بأنامل مضطربة من الفرح ؛ ولكنه كان مطمئنا كانه لم يصدق من قبل التى قد مت حقيقة . وبعد ان سكنت صدمة الخوف الأولى عاد المشيعون متجهين إلي . وكانت لهم ضجة مروعة من ألفاظ التقريع والتأنيب ؛ حتى أزالوا من نفسى كل ما سمعته منهم من قبل من عبارات المحبة والمودة والتقدير .

ولا عجب في ذلك ؛ فقد رأوا أنني لا أزال حيا ، والمحبة لا تساق إلا للأموات .

وبعد قليل قمت بينهم وأنا مطرق من الخجل ، ولففت حولي بعض أغطية النعش ، وحاولت ان اعتذر لهم عما سببت لهم من المتاعب ، واخذت ابين لهم ما دعاني إلي ركوب ذلك المركب الوعر . واخيرا طلبت منهم ان يعطوني ما جمعوه من المال من اجلي ، وما اخذوه من الناس باسمي ، حتى لا اضطر إلي أن أموت مرة اخري ؛ ومن يدري ، لعل موتي في المرة الثانية لا يكون إلا موتا حقيقيا

فانهالوا على عند ذلك بالشتائم ، ولم أفز منهم بدرهم واحد ، وعدت إلي منزلي حزينا اقطع نفسي اسفا على أنني لم أجن من وراء سعى إلا ألما جديدا وخيبة طريفة . وكان أبو النور أشد مني ألما ؛ فكانت الدموع تتساقط على ثوبه متتابعة ، والأنفاس تهز صدره هزا عنيفا بعد ان كان هادئا صامتا . وقضي معي تلك الليلة كلها حتى طلع الفجر ، ولم يفارقني لحظة ، ولم تفارقه الدموع ولا الأنفاس الحارة . ذلك الصديق

) طبق الأصل (

اشترك في نشرتنا البريدية