والعهدة علي صاحب الوثيقة الذي زعم انها خط يد الأديب الكبير جحا نفسه
لو كان الإنسان لا يحمل إلا هموم نفسه ، ولا يعاني إلا المشقات التي تعترض سبيله في حياته ، ولا يتحمل بعد ذلك أحمالا يلقيها الناس على كاهله ، ولا يتكلف أن يقاسي عناء المتاعب التي تعترض سبل غيره من خلق الله ؛ لو كان الإنسان كذلك لكان سعيدا ، وحسبه من السعادة أن يعلم أنه إنما يشقي ويتعب ويكد فيما هو مسئول عنه ، فإذا سدد إليه الدهر ضرباته تلقاها صابرا ، لأنه يعرف ان تلك الضربات التى تصبها الحوادث على أم رأسه صبا ، إنما هي جزاء لما قدم من أعمال ، وما فرط فيه مما كان يجب عليه الا يفرط فيه . لا شك أنه من العدل أن يحمل كل امرئ نتائج ما اقترف في حياته من الخطأ أو الإثم ؛ فإن ذلك يعادل ما يجنيه من ثمار ما أحسن فيه وما وفق في القيام به . من حق كل زارع ان يحصد ما بذره في حياته ، سواء أ كان ذلك رزقا طيبا أم شوكا
مؤلم الوخز لو كان الامر كذلك لكان الإنسان سعيدا ، ولكانت الحياة معه عادلة على الأقل ؛ ولقد صدق الشاعر إذ قال :
وإن امرأ أمسي وأصبح سالما
من الناس إلا ما جني لسعيد
ولكني كلما تلفت حولي إلي ما مضي من أيامي لم أجد إلا أحمالا حملتها لم يكن لي في حملها وزر ، وصعابا تجشمتها لم يكن من العدل أن اتجشمها ، فقد كانت كلها أحمالا ألقيت على كاهلي إلقاء ممن كان من العدل أن يستقلوا بها دوني ؛ وقد كان كل ذنبي أن هؤلاء لا يستطيعون حمل أثقالهم ، وأنني كنت استطيع أن أساعدهم بتحمل عبئها عنهم ، فكانت نتيجة ذلك أنني قضيت عمري كله أجرر ، نفسى تحت الأعباء والأثقال التى يلقيها الناس على عاتقي لا اكاد أفيق من حمل إلا ليلقي علي آخر أثقل منه ؛ علي حين ان كلا من الآخرين صار خفيف الكاهل فارغ القلب من الهموم ، بعد ان ألقى على كتفي حمله الوحيد الذي عرض له ، ثم قضى سائر حياته في راحة ، مدخرا كل قوته كانزا كل سلامته .
من أجل هذا شبهت نفسي بصديقي العزيز " البطل الصامت " الذي يقضي كل حياته يحمل أحمالا ليس له في حملها مصلحة ، ويقطع عمره كله في عمل متصل لا يصيب
منه خيرا ، على حين تذهب ثمرة عنائه للآخرين . ذلك " البطل الصامت ، هو الذي يسميه الناس حماري ويأبى لي أدبى أن أدعوه بذلك الاسم الذي اعتاد الناس ان يسبوا به من يريدون إظهار الازدراء له لغبائه ، وهو ان قدره ؛ وقد أخذت نفس بأن أسميه دائما البطل الصامت حتى لا أؤذي صديقا مثله في كرامته . والناس يعجبون من ذلك ويضحكون منه سخرية ، ويحسبون اني اتعمد تلك التسمية لكي أسوق لهم بها فكاهة - ياللغباء ! إن البطل الصامت " عندي أكرم من كثير من هؤلاء الذين يحملونه أحمالهم ، ولا يتورعون مع ذلك عن إلحاق الأذي به بالضرب والوخز والشتم ، وهو صامت يبذل الجهد صابرا قويا ، حتى إذا ما تهدم وخارت قواه واعترته العلل قسا علي نفسه وتجلد وكد ما بقي من قواه ، وسيبقى ثابتا على خطته حتى يخر صريعا ويلفظ آخر أنفاسه تحت آخر حمل يقطع قلبه .
لا ينفك جيراني وأصحابي وأهلي بقصدي كل يوم من أقصى أركان ماهوش وأدناها ، ويطرقون بابي في الصباح والمساء وجوف الليل ، لكى يضعوا بعض احمالهم على كتفي ، فإن لم تكن احمالا كانت هموما يسودون بها الدنيا في عيني ولا اذكر ان واحدا منهم كلف نفسه مشقة الطريق إلي داري لكي يؤدي دينا لي عليه ، أو لكي يسدي إلي يدا من معروف أو إحسان . ولا أقصد بهذا أنني أحب أن يسدي أحد منهم إلي معروفا ، فأنا بحمد الله غني عن مثل هذا الجميل ، وكل ما أرجوه أن أخلص بجلدي واسلم منهم برأسي ورقبتى ولكني افضي إلي هذه الكرامة بما يختلج في نفسى من الهم حتى أنفس عنها بعض ما نجده .
والأدهي من ذلك أنني إذا كان لي دين على أحد من الناس وذهبت إليه لأطلب الوفاء به ولم اكلفه عناء السير إلي داري ، لم أجده يوما في داره ؛ فإذا عثرت عليه في مكان غير داره ووقت عينه في لم ير شيئا منى وإن اطلت الوقوف أمامه ليملأ عينيه مني ! ذهبت منذ أيام إلي الشيخ الجليل الملأ عماد الدين ، وكانت
لي عنده أمانة من مالي ، أقرضته إياها في أيام محنته واحتياجه ! فلما عادت إليه الدنيا واقبلت عليه الارزاق قلت لنفسي إن هذه فرصة لي ، ولا بأس عليه إذا استعدت منه الأمانة ، فأنا أولى بها اليوم ، بل لقد كنت أولى بها عندما اودعتها عنده ، فلما ذهبت ابحث عنه عثرت عليه في حلقة من الناس يلقي عليهم درسا لم أعرف ما هو - فقد كان يبدي فيه ويعيد ، وينطق ألفاظا بعد ألفاظ ، ويهز لحيته ليفسر المعنى بهزاتها ، ويأبي المعني ان ينطلق ، مع ان الشيخ كان عنيفا في حركته ، وكان يبربر احيانا بربرة مخيفة تشبه زمجرة الأسد ،
ولما دخلت المسجد وقفت أمامه طويلا فنظر إلي نظرة قصيرة ، ثم أسرع فرد بصره إلي الحلقة كأنه لم يلحظ وجودي ، وزاد عنفا في بربرته وهز لحيته ، حتى مضت ساعة بعد ساعة ، وقامت طوائف من السامعين واقبلت بعدها طوائف وهي جميعا يقصدون البركة بالسماع ولا يعنيهم أن يفهموا مما يقول الشيخ شيئا
فلما طال بي الانتظار ضقت بسواع ألفاظه ، وثارت نفسي لم افز منه بطلب امانتي ، ولم استفد من قوله نقطة واحدة من العلم ، ورأيت هذا منى سفها وإسرافا ، فإن ساعة اقضيها في ضوء الشمس أجدي علي وأشرح لصدري ، وأعظم فائدة لجسمي من هذه الوقفة المملة في حلقة درس الشيخ ، وثار غضبى فصحت به :
" يا سيدي الشيخ " فنظر إلي مقضيا كأنه لا يعرفني . فزاد غضبى ، وثار الدم في رأسي فقلت له : أما تعرفني ؛ إنني انتظر فراغك منذ ساعات . فهمز الشيخ ذقنه ولمعت عيناه لمعة مخيفة ، ثم نظر إلي الحلقة كأنما يريد أن يستأنف درسه ، وأغفل أن يرد على بلفظ واحد له معني .
فغاظني ذلك أشد الغيظ ، وصحت به : لا بأس على هذه الحلقة إذا تفضلتم بالغياب عنها لحظات لرد أمانتى إلي ، وسأقوم أنا بهز ذقني لهؤلاء بدلا منك حتى تعود ، فلا تفوتهم منك فائدة .
ولست أدري ما الذي أغضب الناس من قولي هذا ، وقد كنت احسب أنهم يشكرونني عليه ، أو يتهامسون على الأقل معجبين بصدقى . ولكن هذا هو ما حدث : لقد قاموا جميعا قومة رجل واحد في وجهي يشتموني ويسفهون رأي ، ويصيحون بي :
- أفي مثل هذه الحلقة تلقي مساخرك ؟ ! أ إلي المسجد نسوق سخافاتك ؟ ! أليس لمجالس العلم عندك كرامة
ثم قالوا لي آخر الأمر : احفظ عليك حياءك يا جحا واخرج من هنا قبل ان نؤدبك ؛ فليس بنا من حقد عليك ، ولا كرامة لك ؛ ولكن عبثك لا يحلو ها هنا !
فلم أجد بدا من الخروج . ونظر إلي الشيخ شامتا فانصرفت وتركته لا يزال يهز ذقنه لي ولهم . ومن عجائب الاتفاق انني ما كدت اعود إلي منزلي واستقر في مجلسى واستعيد صورة ما مر بي ، حتى سمعت طارقا علي الباب
يا حفيظ يارب ! تري من يكون ؟ وماذا تحمل لي دقة هذا الباب من جديد ؟ فقمت وقلبي يدق دقتين لكل دقة على الباب ، حتى فتحت المصراعين واخرجت رأسي من بينهما ، فإذا بي أري جاري الحاج كمال الدين . الحاج كمال الدين ! وماذا يريد مني هذا الجار بعد كل ما كان منه ؟ إنني لا أزال أذكر آخر عهدي به يوم جاء يطلب مني " البطل الصامت " ليحمل له بعض ( التين ) من غيطه ، فسمحت له به حياء من رده خائبا ؛ ثم اتفق أن مررت بداره عند غروب الشمس ، فرأيت منظرا يذيب القلوب حسرة إذا كانت من طبعها ان تذوب . فقد رأيت " البطل الصامت المسكين واقفا عند الباب ، وعليه حمل من (التين ) يبلغ علوه قامتين ، وقد تربعت من فوقه امرأة جاري الشيخ كمال الدين في كل زينتها ، ويكاد رأسها يبلغ نافذة الدور الأعلي من الدار ، والشيخ من وراء " البطل الصامت " يدفعه ويضربه ضربا قاسيا ، ويقول له : - حاء ! حاء ياحمار الكلب ! حاء ! لعن الله صاحبك .
وأما " البطل الصامت ، المسكين ، فكان يحاول جهده ان يدخل من الباب ، ولكن علو الحمل كان يمنعه ، لأن أعلى الباب كان واقفا دونه لا يتزحزح . ولكم حاول " البطل السكين " أن يطاطئ بحمله إلي أسفل ليستطيع الدخول ، ففرشح ومد يديه واخر رجليه وقوس ظهره ، ولكنى ذلك كله لم يجده شيئا ، فوقف بائسا ، وجعل يهز رأسه مقرا بالعجز ، ولكن جاري القاسي لم يتنبه إلي إشارته وما زال يضرب به ويشتمه ، ويلعن صاحبه .
فوقع هذا المنظر في نفسي أسوأ موقع ، فهذا هو " البطل الصامت ، يسمي حمارا ، ويقال له ذلك في وجهه صراحة ، ثم هو يضرب ولا يلتمس له عذر في عجزه ثم هذا انا صاحبه ألعن وأشتم ، فلا حول ولا قوة إلا بالله .
فقربت من جاري غاضبا ، وما هي إلا كلمات حتي كانت بيننا مجادلة عاصفة انتهت بأن غضب الحاج كمال الدين ، وأمر امرأته أن تنزل عن عرشها ، فنزلت وهي تدمدم وتبرطم ، ثم ألقى الحمل شيئا فشيئا عن " البطل الصامت " ، ودفعه إلي بقسوة وغضب ؛ فأخذته وسرت إلي جانبه أربت على ظهره وأمسح على رأسه وأحدثه لكي أسري عنه ، حتى بلغت الدار ، وقضيت سائر يومي أصلح من أمره وأسترضيه وأضاحكه ، حتى عاد إلي نفسه وطيبة قلبه ومرحه . بالاختصار ، رأيت ذلك الحاج كمال الدين وراء المصراعين ؛ فلما وقعت عينه علي تبسم ابتسامة حلوة وحيا تحية طيبة . ثم لم ينتظر حتى آذن له في الدخول ، فتقدم وخطا فوق العتبة ودخل إلي المنظرة ، وأنا أسير وراءه . فلما استقر به المجلس جعل يحدثني عن أحزانه وآلامه ، وما نكبه الزمان به ، حتى لان له قلبي ، ونسيت كل ما كان منه من الإساءة إلي " البطل الصامت " وكاد قلبي يذوب رقة له وعطفا عليه . ثم أخذ يحكي لي قصة بقرته التي كانت منذ حين حاملا ، وكيف أنها ولدت منذ ليلة ، وكان ابنها عجلا مشوها ممسوخا له صورة القردة وذيل الخنازير وحوافر البغال . فأحسست في قرارة فلي ألما ممضا ؟ وجعلت أفكر في حياة هذا العجل
التعس ، وما عسي يكون من شأنه في مستقبل أيامه ؛ مع انه لا ذنب له في ان يلقى به إلى هذه الحياة في تلك الصورة . وزاد بي الألم حتي شعرت بأنني اكاد أصعق في مكاني ، فتنبهت إلي نفسي ، وجعلت ازجرها وأعنفها على هذا الضعف ؛ فما لي أنا وعجول الناس ؟ أما كفاني ما قاسيت من تحمل الهموم من أجل جيراني ومن أجل غير جيراني من أهل ماهوش ؟ ! وثارت عند ذلك عزيمتى التى كنت قد عزمت عليها منذ حين ، فقد نسيت أن أقول إنني بعد ما قاسيت من قسوة الناس ونكرانهم للجميل وأنانيتهم وجشعهم ، آثرت ألا أعبأ إلا بنفسي ، وإلا أحمل سوي همومي .
فرفعت رأسي متكلفا الجمود والبرودة ، وقلت لجاري في جفاء :
- ليس لي شأن بكل هذا ، فهل عندك قول آخر ، لأني أحب أن أستريح قليلا فدهش الحاج كمال الدين وخجل ، كأن دلوا من الماء البارد قد صب فوق رأسه . ولكنى لم أعبأ ، وبقيت على جمودي . فلما لم يجد في دهشته وخجله فائدة ، قال لي بسوت متلعثم ؛
- ألا تساعدني أيها الجار العزيز ؟ فقلت له فاترا : - إذا كان في طوقي أن أساعدك . فقال متكلفا الابتسام
ا- لاشك أنك تقدر على مساعدتي . ثم طلب إلي بالاختصار - أن أعيره حماري ليحمل له بعض التين يا خبر ! " البطل الصامت " يدعي حمارا مرة أخري ؟ ويطلب هذا الرجل أن أعيره إياه مرة أخري ؟ لا ، لا هذا كثير !
فقلت وقد غلا الدم في رأسي : - سآخذ رأي " البطل الصامت " أولا . فقال وكأنه لم يفهم :
" البطل الصامت " ؟ ومن هو ؟ وما دخله في الأمر فقلت نعم " البطل الصامت ، وأرجوك بعد اليوم ألا تهين " البطل الصامت " فتدعوه ) حمارا ( . هل ترضي انت ان ادعوك ) حمارا ( ؟ ! إنني لا أسمح لك بشتمه أمامى لقد ربى معي ومع اهلى في داري ، ولا انسي فضله على ، ولا اسمع لاحد بأن يهين كرامته ما استطعت إلي ذلك سبيلا .
فتبسم الرجل ، وقال معتذرا وفي عينيه لمعة من الخبث : تفضل ! خذ رأيه إذا شئت . فلم يخذلني منظره عن عزيمتي ، وقمت إلي " البطل الصامت ، فمسحت على رأسه وظهره ، فرفع رأسه نحوي يتشممني ، فملت عليه وسألته بصوت مسمعوع :
- أتحب أن تخدم هذا الجار الذي تعرفه ؟ ولست أدري إذا كان قد فهم قولي أم لم يفهم ، ولكنه نظر نحو الحاج كمال الدين ، واستعد لان ينهق نهيقا غاضبا ، ففهمت ما قصد ، وذهبت إلي جاري فأخبرته أن " البطل الصامت " لم يرض بالذهاب معه .
فقال الجار ، وقد زاد الخبث لمعانا في عينيه ؛ - ألا تسأله عن السبب ؟ فزاد في الغضب ، حتى لم أجد موضعا للمداراة
ولا الهجاملة ، فقلت له متجهما - لقد سألته فقال لي الحاج : - وماذا قال ؟ أراك تفهم لغة الحمير فلم أعبأ بسخريته ، وقلت له : - لقد قال لي إنه سمع في صباه مثلا حكيما يجب أن يلزم العمل به دائما
فقال الرجل صاحكا بصوت عال في غير حشمة : - وما ذلك المثل ، لا شك أنه مثل حمار حكيم . فقلت بغير تردد : - نعم مثل حكيم ، " حمار ما هولك ، ظهره
قوي ، يضرب جانبه ويلعن صاحبه فنظر إلي الرجل نظرة طويلة تنفث سما . ثم قام سريعا وادار ظهره وخرج من الدار بغير ان يقرئني سلاما . ولكن ما الذي يهمني من كل ذلك ؟ لقد عزمت منذ حين عزما أكيدا علي الا اعبأ بهموم الناس ، وإلا انظر إلا في مصلحتي وفي تدبير امري ، وكفاني ما ذقت من هذا الخلق العجيب
لن ادخر بعد اليوم وسعا في السعي لنفسي ، والنظر فيما يعود بالخير على وحدي ؛ فلعلي استطيع ان اهييء من حال ما يقربني إلي أملي الذي ملأ قلبي ، لعلني اقدر على أن افوز بالأمنية العزيزة التي لا تفارق خيالي في صحوي وفي أحلامي : علية ابنة السلطان
) طبق الأصل (
