الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 248الرجوع إلى "الثقافة"

من مذكرات جحا :، جحا تاجراً

Share

( والعهدة علي صاحب الوثيقة الذي زعم أنها بخط يد الأديب الكبير جحا نفسه . )

انتظرت الفرج طويلا ، ولكن لم تلح لي منه بارقة بعد طول الانتظار ، فاضطررت بعد أن ضاقت الحلقات ، واستحكمت الشدة ، أن أمل الانتظار ؛ ولم أجد ما أفرج به كربتي إلا أن أبيع بيتي - ذلك البيت القديم الذي خلفه لي الأجداد - والذي يحمل في كل ركن منه ألوفا من الذكريات الحلوة ، والذي يتمثل علي كل جدار من جدرانه آثار لمس راحات الكرام الأماثل من سراة " ماهوش " الذين انحدرت دماؤهم إلي . ولقد كان بيع البيت القديم صدمة لم أقو علي احتمالها ، فوقفت عند كل جذع في الحديقة ، ووقفت عند الساقية المنهدمة ، وعند الجرن الأجرد الفسيح ، وذرفت الدموع الغزار أسفا وحزنا ، وسرت حوله ، فوقفت عند كل لبنة من لبنات السور المنهدم الذي لا يبلغ علوه ذراعا ، وجعلت اناجي النفس وأيتها آلامي وأندب لها سوء حظي ، وأنا لا أقدر على التخلص من الوخزات الأليمة التي تطعن قلبي كلما تذكرت أنني أنا الرجل الذي جعل الدهر من محنته أن يبيع هذا التراث العزيز الذي خلفه لي الأجداد .

نعم ، لقد بعت الدار العزيزة فوا أسفاه ! ولكني عدت إلي نفسي ألتمس لها المعاذير ، فكيف كنت اقدر على أن اعيش ، وان أنفق على أهلي وصغاري ، وان أتجمل للضيف والقاصد ، وأحي سنة الكرم في بيت أجدادى ؟  كيف كنت أقدر أن أفعل هذا كله إذا أنا لم أبع هذا البيت ، بعد أن لم يبق لي من مال سواه

النهاية ! فلأنس هذا الرزه ، فإن النسيان رحمة ونعمة .

وقد دبرت في نفسي تدبيرا يعلم الله انني كددت فيه عقلي وروحي ، وجمعت له حيلتى ومعرفتى . ولكن أني للإنسان أن يفلح في تدبير أمره إذا لم يرد الله أن يدبر له أمره ؟ ! حاولت أن اصطاد بكدي رزقا كما يصيد الناس أرزاقهم ، ونزلت إلي ميادين العمل كما ينزل إليها الناس فيصيبون منها ثمار جهدهم ، وزاحمت في الأسواق كما يزاحم الناس فيها ولكن ذلك كله ذهب سدي ، وصح عندي ما قاله الشيخ القاضي - حرسه الله - واستقرت في نفسي كلمته التي قالها لي منذ حين ، إذ قال : إن الذنب ذنبى ، وإن الأرزاق في الدنيا موفورة لمن استطاع ان يقنصها . كنت أنزل إلى السوق كل يوم ، فأخرج منها بصفقة المغبون ، على حين يخرج الناس منها بالخير والمال والكسب الوفير فلا بد ان يكون بي نقص يقعد بي عن مجاراة الناس في قنص الخيرات والتقاط الثمرات . ولكني لا أدري ما هو ذلك النقص حتي أعمل جهدي في مداواته والتخلص منه .

حسبت في أول الأمر أن الذي يقعد بي هو الخمول والكسل ، فقضيت ليلي ونهاري في سعى ، لا أبيح لنفسي أن تستريح في ساعة ، ولا أن تفتر عن الحركة لحظة . ولكن الحركة المتصلة لم تعقبني سوي التعب والإعياء . ثم حسبت ان الذي يقعد بى عن الربح هو قلة الاهتمام ، والتعالي عن المجامع المضطربة الصاخبة ، فحملت نفسي علي ان تقبل بكل ما فيها من رغبة على مطامع الحياة ، وان تقتحم الزحمة مع المتزاحمين ، فانشرح صدري للتجارة وما فيها من عواصف ، وصرت اجد اللذة كلها في البيع والشراء ، والأخذ والعطاء ، والمجاذبة والمساومة ؛ ولكن ذلك كله لم يجدني شيئا ، ولم أجن من كل جولاتى إلا تمزيق الملابس ، وإبلاء النعال ، وبحة الصوت . ولست استطيع الآن سوى أن أبث آلامي لهذه الكراسة ،

فلا يسع مثل بعد الخيبة إلا ان ينفس عن صدره بالشكوي والإفضاء .

ذهبت أول يوم لأنظر في السلع وأختار من بينها سلعة تصلح لأن اتخذها متجرا لي ؛ وبعد تفكير وتردد اخترت أن أتجر في الطنافس ، فإنها نظيفة لا يأنف منها الحس ، ولا ينفر منها الذوق ، ولا يتعفف عنها أصحاب المروءة ، ولا يستغني عنها العظماء والأمراء .

ولما استقر رأيى على هذه النية ، ذهبت لأشتري طنفسة من تلك التحف الثمينة التي لا يقدر على صنعها غير أهل تبريز ؛ وحدثت نفسي بأنني استطيع أن ابيعها إلي بعض الأغنياء من معارفى ، مثل القاضي - حرسه الله - أو المحتسب ، أو الوالي ، أو أحد القواد في جيش السلطان ؛ وعللت نفسي بالكسب الهين من وراء هذه التجارة التي لا تنزل بالمروءة ، ولا تحمل المرء على مخالطة الأرذال . ولم يطل بى البحث حتى رأيت طنفسة بديعة ، لم تقع عين من قبل على مثلها في البهاء والحسن ، فكأن ألوانها قد خلت من رياض الربيع ، وكأن اضواءها استمدت من أشعة السماء وقت الأصيل إذا ما صبغت اضواء الشمس الغاربة أردان السحب ، ووشت أطرافها بكل باهر بارع من الألوان .

فوقفت حيال ذلك الجمال مأخوذا لا أقدر أن أرد عيني عنه ، ولا أن أحولهما عن تأمله . ومضى وقت طويل وأنا أنتقل بناظري من زهرة في النقوش إلى زهرة ، ومن قوس في الوشي إلي قوس ، وضرب بي الخيال إلي بلاد قاصية أتت منها هذه الطنفسة البديعة ، فخيل إلي أننى أراها وهي لا تزال على نولها ، ولا تزال الفتيات يعقدن على خيوطها عقدة بعد عقدة ، فإذا هن أتممن ورقة من زهرة ، أو قضيباً من غصن ، امتلأت قلوبهن سروراً ، وفاضت نفوسهن تيها وعجبا ؛ فيقفن دون النول ويلمحنه عن بعد ، ويملن رؤوسهن يمنة ويسرة لكي يتملين بلذة

النظر الملىء إلي الآية التي أبدعتها أناملهن .

وتصورت هاتيك الفتيات وهن عاكفات علي الطنفسة يعقدن فيها العقدة بعد العقدة ، وهن يتهاتفن فيما بينهن بالضحك ، ويتساورن بالهمسات الخافتة ، يتحدثن عن أحلامهن وعن آمالهن ، ويتبائتن أشجانهن وعواطفهن . ثم تصورت إحداهن وقد بدا لها من وراء النافذة شخص لمع لمعة في عينها ، فتركت العقدة التي بين أناملها فلم تتمها ، وأسرعت إلي ) المشربية ( لتنظر من ورائها إلي الشخص الحبيب ، وتدس عينها في الفرجات الصغيرة التي بين مخروطاتها الدقيقة ، لكى تتزود من النظر إليه بنظرة تظل لقلبها زادا ، حتى يطلع صباح اليوم الذي بعده ، فيمر الحبيب من وراء النافذة مرة أخرى . فإذا ما عادت الفتاة إلى الطنفسة لتعقد فيها عقدها كانت أناملها مضطربة وعقدها ملتوية ، ولكنها مع ذلك كانت تصور من تلك العقد الملتوية ، وبهذه الأنامل المضطربة زهرة ساحرة في روعة ألوانها ، وحلاوة منظرها , وانسجام خطوطها

تصورت هذا كله وأنا واقف انظر إلي الطنفسة ؛ ثم صحوت من تأملي ، فذهبت إلي صاحب الطنفسة وساومته فيها ، فوجدته حريصا عليها ، فزدته في ثمنها ، ولم أتردد في أن أبذل له ما يطمعه في بيعها ، وأي ثمن يغلو علي طنفسة مثل هذه قد أودعت فيها حرارة الأرواح ونشوة الحب ، وعذوبة الأماني ؟ ! وبعد لأمى سمح التاجر فدفعها إلي ، ووزنت له ثمنها ثلثمائة دينار كاملة ، وحملتها وسرت بها وأنا أكاد أطير فرحا ، فقد خيل إلي أننى فزت من الرجل بصفقة ذات ربح مكفول .

ولكن واعجبا للناس ، وواعجبا لنفسي ذهبت أعرض الطنفسة على خيار القوم ، فعرضتها على القاضي ، وعلى المحتسب ، وعلي هؤلاء جميعا ، فلم أجد في كل من عرضتها عليهم رجلا يستطيع ان يفهم ما فيها من روح

و حرارة وعذوبة . فكلما عرضتها على واحد منهم قام إليها يقيسها بالذراع ، ويحسها باليد ، ويزنها بالكف ، كأنما هي سلعة مبتذلة مما يكتفى فيه بالقياس والوزن .

بالاختصار ، لم أخرج من تجارة الطنافس إلا بخسارة نصف مالي ، وعولت على ان اختار تجارة اخري تكون في سلعة مما يحتاج الناس إليه ولا يمكنهم ان يستغنوا عنه ، فإن العظماء والأمراء قليلون ، ولكن الناس سواهم كثيرون ، والبيع والشراء لا يربح إلا إذا كانت السلعة مما ينفق عند العامة التى يبلغ عددها الألوف المؤلفة . وبعد تفكير واجتهاد عولت على أن أتجر في الأغنام ، فليس بها قطعة واحدة لا تعود على الناس بفائدة ، ثم هي بعد ذلك جميلة المنظر بديعة الخلقة .

يا الله ، ما أحلاها ، وما أبدع خلقتها ، وما انعم أصوافها ، وما أحلى ثقاءها ! ولقد كنت دائما أحبها وأطعم ما اقتنيه منها بيدي ، وأداعبه كما أداعب ولدي ؛ ولقد ابدع الله خلقتها ، فما تري فيها من عيب سبحان من جلت قدرته ، وعظمت حكمته ، وبدعت صنعته ولكن . . ولكن كل هذا لم يجعل تجارة الأغنام رابحة ، فالناس إذا أتوا لشرائها لم ينظروا إليها بعيني ، وجعلوا يدفعونها في غلفلة ، ويجسونها في شراهة ، كأن لعابهم يسيل من تصورها مشوية او مقلية . وبالاختصار لم اخرج من تجارتها إلا بخسارة نصف ما بقي من مالي .

وهكذا استمر بي الحال وأنا انتقل من تجارة إلي تجارة ، ومن سلعة إلى سلعة ، وكل منها يقتطع نصف ما بقى حتى لم تدع لي الأسواق إلا دراهم معدودة . فلم أجد شيئا استطيع أن اشتريه بها إلا البيض - بيض الدجاج . وفي الحق ان البيض سلعة لا بأس بها ، وهو ابيض اللون نظيف جميل الصورة ، وليس في الأشياء ما يدخل الفرح على القلب مثل البيضة إذا وجدتها في ركن من الأركان في

بيت الدجاج ، فكأنك عند ذلك قد وجدت لقية من الجوهر .

ولكن . . ولكن البيض لم يكن خيرا من كل ما سبقه ، فقد كنت اشتري تسعة منه بدرهم - بدرهم واحد ، واعتقد اننى قد نهبت المرأة التي باعته لي ، فقد كانت كل بيضة منه خيرا من الدرهم القذر الذي ادفعه إليها . ولكن الناس كانوا إذا أتوا للشراء مني لم يدركوا ما في البيض من جلال الخلقة ، ومن جمال الصورة ، ومن إبداع الهندسة ؛ بل كانوا ينظرون إليه في الضوء ، وينقدونه نقد الصيرفي للدراهم كأنه شئ مبتذل لا تتجلى فيه قدرة الخالق المبدع الأعظم .

وكان الأمر ينتهي دائما بأن أبيع العشرة منه بالدرهم الواحد ، حتى ابتلع السوق كل ما بقي من دراهمي .

وأنا اليوم أتلفت حولي فلا أجد إلا يدا فارغة ، وبيتا خاويا ، ولا ازال انتظر الفرج القريب ، وهو لا يزال عني متباعدا

لقد أحببت التجارة وأغرمت بها غراما شديدا ، ففيها للنفس مراح ، وفيها للتأمل براح ، وفيها للعين لذة ، وفيها للعقل متعة ؛ ولكني لم اخرج منها بغير صفقة المغبون ، مع كل ما بذلته فيها من الجهد والاجتهاد

رب ! هذا انا اضرب في الأسواق لألتمس الرزق ، فلم اقعد ولم أتخاذل ولم أكسل ، ولكنى هذا عبدك ، لا أملك مالا ولا عقارا ، ولا أجد رزقا ، كأنما كنت في غيبة عند توزيع الأقسام . ألا متى يطلع على الفرج القريب فيزيل من كربتى ، ويحل من عقدتى ، ويزيح عني تلك الظلم المتراكمة ! ألا متى أبلغ منية النفس التي طال انتظارها ، وكاد الشك يداخلنى في إمكان تحققها ! الا متى يطلع ذلك الفرج القريب ، فإن قلبي ما زال يتطلع في شوق وقلق إلي مهبط أمله ومناط رجائه : علية ابنة السلطان !

) طبق الأصل (

اشترك في نشرتنا البريدية