) والعهدة علي صاحب الوثيقة الذي زعم أنها بخط الأديب الكبير جحا نفسه . .
جاء صديقي أبو النور صباح اليوم فجلس إلي جانبي ، وجعلنا نتحدث ، والحديث ذو شجون ، فمر بنا الوقت سريعا ، وما أسرع ما تمر الساعات في مجلس صديقي ! أنا لا اكاد أحس بأنه إلي جانبي وأكاد أحسب وأنا أتحدث إليه انني إنما اناجي نفسى وأردد المعاني إلي ضميري . صديقي أبو النور مثل الماء الصافي تري فيه صورتك ؛ وهو كالنسيم البليل يتمسك ويمسح جبينك في رفق وتواضع لا عنف فيه ؛ وهو كالنور يهديك ولا تحس له مسا . وهو روح وذكاء وخير ومواساة وعطف شامل ، وإن كان لا يبدي ما يتم على أنه يريد أن يصنع لك شيئا . عيناه الفائزتان تملؤهما الرحمة ، وصوته الخافت بقبض بنبرات الإخلاص ، حتى لحيته الخفيفة تبعث الثقة وتوحى بالصدق .
وفيما نحن جالسان نتحدث حديثنا الوديع ، لاح رجل بخطر فوق سور الحديقة ويسرع متحركا ، فلمحته قبل صديقي ، فوخزته في جنبه لأنه كان مشغولا بإتمام حديثه ، فوضع يدء فوق حاجبيه ليتحقق منه ، ثم قطع حديثه وقال متمما :
- من لعله يكون ؟ فقلت في فزع : لابد أن يكون ضيفا أو سائلا ، أو واحدا من هؤلاء الجيران قد جاء يحملني بعض همومه
فقال أبو النور : أو صديقا جاء يدعوك الي وليمة . أو رجلا اتي إليك بهدية .
فقلت وقد أضحكتني سذاجته : - ألا تراه مسرعا أيها الشيخ ؟ ! وهل يدعوك إلي الوليمة من يتخطى إليك الأسوار ؟ ! ثم أسرعت فاختفيت وراء نخلة قريبة ، لأني كنت آليت على نفس منذ حين الا أقابل طارقا يطرق بابي ؛ ولم أفطن إلي أن الناس قد يتسورون إلي من وراء الجدران . ولو فطنت إلي ذلك لجعلت سور حديقتي مثل أسوار المدن الحصينة بدلا من ذلك البناء القصير الذي يستطيع كل من أراد ان يقفز من فوقه
وفيما كنت قائما لأستخفي همست لصديقي : قل له إني لست هنا .
فذهب أبو النور نحوه ليستقبله ، وكان ضعيف البصر فلم يره حتى كاد يصطدم " واخذ بحادثه بصوت مسموع وقال له أخيرا :
هو ليس هنا . أنه يقول لك هكذا ، ألا تفهم ؟ ! فصاح الرجل قائلا :
- أما تستحي ان تكذب وانت لا تدري كيف تكذب
فنصب أبو النور من تهمة الكذب وصاح به : - لست أكذب . إنه قال هذا حقا . فلم أطق أن أسمع هذه المحاورة السمجة ، وكاد الغيظ يملا صدري من صديقي . وأطلت برأسي من وراء النخلة وصحت بالرجل : أنت رجل سمج ! هل تعرف عن جحا اكثر مما يعرف هو ؟
ولكن الرجل الجريء لم يعبأ بصياحي بل ضحك كأنه يسمع مزاحا . وانطلق في سبيله نحوي ومد إلى يده من وراء النخلة ، فخجلت وخرجت إليه ، وكنت لم اتبين وجهه من قبل ؛ فلما وقعت عيني عليه شهقت شهقة عالية كمن فجأه منظر عفريت . وصحت قائلا : - أهو أنت ؟
فقال الرجل : نعم أنا هو . أنا صديقك القديم . وقد كان حقا صديقي القديم الحاج كمال الدين !
فقلت له حقا : ماذا تريد ؟ لعلك قد جئت تطلب مني أن أعيرك صديقي " البطل الصامت " مرة أخرى . ولكن حذار أن تهينه فتدعوه حمارا كما اعتدت أن تدعوه
فنظر الرجل إلي باسما ، وقال في لهجة اعتذار ينطوي على الخبث :
- لا تخش يا سيدي ! فما بي من حاجة إلي صديقك " البطل الصامت ،
فانشرح صدري لهذه المجاملة وأرتحت إلي سماع حديثه ، وملت إلي مسالته . فأخذ يقي علي ويترحم على أبي ويذكر عهود الجدود ، حتى لان له قلبي ونسيت كل ما كان منه من قبل
وأخيرا . بدأ يتكلم ، وأخذ قلبي يغوص في صدري كلما استمر في كلامه حتى كاد يبلغ إلي كعبي ، فقد جاء يطلب مني أن أقرضه عشرة دنانير من مالي . فتحركت حركة مضطربة كانى ابحث عن مكان اهرب إليه ، فلم اجد سوى صديقي أبو النور ، فقربت منه ولزقت به ) والرجل مستمر في كلامه محاول إقناعي بأنه لن يبقى المال عنده اكثر من أسبوع ، وان عشرة دنانير لا تستحق ان يطلق امراته من أهلها ولا سيما هي أم أولاده . ففهمت من مجمل حديثه الملتوي انه لابد لي من ان احمل عنه حمله ، واجنبه تطليق امرأته . ولا أكتم أني شعرت بالرحمة تدخل إلي قلبي عندما تصورت الرجل وامراته وأولاده ، وما قد اجره عليه من الويل إذا أنا عجزت عن إفائه . وجعلت أقلب الفكر وأتلفت حولي وأفكر في كل ما عندي من حطام هذه الدنيا ، وانا صامت حائر ، والعرق يتصب من جبيني ولم يكن الرجل أقل شقاء مني ، فقد كان مظهره يشبه منظر أرنب يضطرب في جحر ضيق لا يستطيع فيه حراكا وسمعت أنفاسه تشبه الحشرجة كأنه يتنفس من خرم إبرة
وكان أشد ما اعانيه من الالم راجعا إلي حيرتي في الأمر
الذي يطلبه مني ، فلم يكن عندي شئ من المال اقرضه اياه ولكني لم أكن أفوي على الاعتذار له بهذا العذر ، إنني إذا اعتذرت للرجل لم يكن لي يد من أن أطلعه على حقيقة أمري ، ولم يكن من السهل علي أن أقول له إنني لا أملك من حطام الدنيا كلها عشرة دنانير لا ، لا ! فإن مثل هذا الاعتذار شئ لا يمكنني أن أتصور النطق به . إنني أتحمل الكثير من الضرر في سبيل التستر من فضول الناس ، وإخفاء فقري عنهم . فهذه ساقيتي تدور كل يوم مع أن قواريسها محطمة لا تحمل شيئا من الماء إلي الحديقة ، بل يتسرب الماء من ثقوب القواديس ؛ فإذا يبقي منه شئ لم يجد حوضا يجمعه ، لأن الحوض قد تهدم ، ومع ذلك فإنني حرصت على أن تدور الساقية كل يوم مكتفيا بتعبرها . وهذا الجرن الواسع الذي لا يحوي كيلة من القمح لا تسخو نفسي ببيعه ، فاني لا أتحمل أن يقول الناس إني احتجت فبعت جرني اضطرارا ، بل إني لا أحب أن أنقص منه شبرا واحدا ، لأني أري كبر الجرن خيرا من شماتة الأعداء . فكيف أرضي أن أعتذر إلي مثل هذا الجار الذي أتي يقصدني في عشرة دنانير ، وأطلعه على حاجتي وقلة ذات يدي ؟ إن هذا محال ! ومع ذلك فكيف أقدر على أن أتركه يطلق امرأته من أجل مقدار زهيد من المال مثل هذا الذي يطلبه ؟ أما إنه لمأزق محرج يسبب لي ألما لا أقدر على وصفه . ولكني أخيرا وجدت المخرج من مأزقي . هذا هو ثوري أبيعه وأعطي جاري قرضه من ثمنه ، فأبلغ عنده عذري ، فإذا رد إلي المال بعد قليل أو بعد طويل لم أعدم ثورا آخر اشتريه .
ولكن الثور لا يباع إلا في يوم السوق ، والسوق لا ينعقد إلا بعد أيام ، والرجل يطلق امرأته الليلة إذا لم أعطه المال الذي يطلبه .
هذه الأفكار كلها دارت في رأسي وأنا مطرق صامت والعرق يتصبب من جبيني ، ووجهي يحمر حينا ويصفر حينا آخر . فلما ضاق بي الامر رفعت رأسي ونظرت إلي أبي النور ،
وكان ينظر إلى كانه ينتظر ان ارفع رأسي ، وما كادت عيناي تقعان على عينيه الماطفتين حتى رايت فيهما دمعتين حائرتين تحولان فيهما . وكانه ادرك ما يدور في نفسى ، فمال إلى وقال هامسا :
- ما كلف الله نفسا إلا وسعها . فنظرت إليه حائرا لا أجد لفظا ، فأضاف قائلا :
- لا يسع المقل إلا الاعتذار فتشجعت وحملت نفسي علي هذه الخطة القاسية . واتجهت إلي الحاج كمال الدين وقلت له :
- إن ثورى هذا الذي تعرفه لا تلد ولا احلب منه لبنا ، وكنت عازما على بيعه في يوم السوق .
فبادر الحاج قائلا : - ولكن فيم الانتظار إلي يوم السوق إن الثور الذي يباع في يوم السوق يستطيع الجزار أن يذبحه ، وتستطيع أنت أن تبيع لحمه أقة أقة ، ورطلا رطلا ، ثم ينتهي ؛ وتربح من بيعه ما كان يربحه الجزار من الناس
فوقعت هذه الفكرة الجديدة كأنها الصدمة على أم رأسي . فإني لا أقوي على أن أري فرخة تذبح ، وكنت دائما أتعمد ان انام يوم عيد الأضحى حتى تذبح شاة الضحية وتسلخ وتجهز للآكل . فكيف يمكن ان اري ثوري المسكين وهو يذبح ؟ هل أقدر أن أرى هذا الهيكل يخر كما يخر الجبل ويقع إلي الأرض ، وينحر وتسيل دماؤه كالنهر ، ويضطرب ويفحص الأرض بحوافره ؟ لقد كان خادما مخلصا وصديقا قويا ، ولو رايت احدا يريد ان يضربه ضربة واحدة لوقفت أدافع عنه إذا لم يدافع بنفسه بقرنيه ، فلم أشعر إلا وقد قلت للرجل : - لا ، لا . لا يمكن
فقال الحاج في عناد : - إذا كنت لا تحب أن يتدخل الجزار فإني اقدر أن أذبح وان أسلخ ، وليس عليك إلا أن تأخذ اللحم وتبيعه . اين هو الثور ؟ قال هذا ثم قام مسرعا إلى مربط
الثور فقمت وراءه فاترا في دهشة - وقد خدرت أعضائي من وقع المفاجأة . ونظرت استنجد بأبي النور فنظر إلي حائرا لا يتكلم ؛ فأخذته من يده ، وسرنا وراء الرجل مجررا قدامنا في صمت حتى بلغنا موضع الثور . ولست أدري كيف استطاع الحاج في مثل هذه اللحظات أن يتم كل هذا . ولكن هو الحق الذي لا شك فيه . فما بلغنا موضع الثور حتى رأيناه يتخبط على الأرض والدم يسيل منه كما يسيل الماء من البزابير فغطيت عيني وخرجت مسرعا ، وقلبي الفزع فلم تسمعني الدموع . ووقف أبو النور ينظر إلى الرجل وحده ، فالتفت هذا إليه في وقحة وقال له :
- ابحث لي عن سكين صغيرة لأسلخ بها . ولكن أبا النور وقف صامتا ينظر إليه ثابتا لايقوي على الحركة فصاح الرجل مرة أخري :
- هات السكين قبل أن يبرد الثور ويفسد اللحم . فسمعت القول وخفت ان يبرد الثور ، فأسرعت فأتيت له بسكين والقينها إليه من وراء الباب ، ووقفت مطرقا حزينا . فجاء إلي أبو النور ووضع يده على كتفي وقال بصوته الهادي
- لا فائدة من هذا الوجوم . سأذهب لأحضر أهل القرية ليشتروا ، وبعد ساعة كان الحاج كمال الدين قد انتهي من عمله . وحضر أبو النور مع جماعة من اهل القرية ، وسمعته يحدثهم ويحاول ان يقنعهم ان الثور لم يكن مريضا . وسمعت قائلا منهم يقول : ومن يدرينا هل فرأ عليه الجزار اسم الله ! وقال آخر :
- ومن يدرينا هل مات أولا أو ذبح قبل الموت ؟ فغاظني ذلك وذهبت نحوهم لأطردهم ، ولكن صديقي نظر إلي نظرة توسل ، فسكنت وهدأت نفسى وما زال هو بهم حتى أقبلوا معه نحو أكوام اللحم ، فجعلوا يفحصونها في حذر ودقة . فقال الحاج كمال الدين : ما لكم تقلبون اللحم بأيديكم كانكم ليست
لكم عيون . فأحس القوم بألم الكبرياء الجريحة ، فإنهم لم يأتوا ليسمعوا مثل هذا التأنيب ؛ بل جاءوا والنقود في جيوبهم ليشتروا لحما صالحا
فقال أحدهم غاضبا : - لا حاجة لي إلي الشراء . ثم سار متجها نحو الباب وكأنها كانت كلمة سحر - فرددها الجميع وساروا مسرعين وراء صاحبهم ؛ ولم يجد في إرجاعهم كل ما قاله صديقي أبو النور من حجج وتوسل
فغاظني ذلك حتى كاد قلبي ينفجر . فماذا انا صانع بهذا اللحم كله ؟ ومن لي بمن يحمله وهو مثل التل العظيم ؟ وهل كنت لأ تركه حيث هو لينتن ويتعفن ويفسد على الهواء ؟ وما كدت اري الناس يبلغون باب الدار حتى جن جنوني فصحت بهم :
- علم ايها الإخوان . عودوا كراما . تعالوا وخذوا اللحم ولا أريد له ثمنا . فترددوا في السير قليلا ، ثم وقفوا لحظة ، ثم علا صوتهم مختلطا ، ثم انقلب تيارهم عائدا واسرعوا قليلا قليلا حتى بلغوا مصرع الثور المسكين وهم يركضون ؟ وجعل كل منهم يخطف كل ما تصل إليه يدء حتى حملوا كل اللحم ، إلا فخذا ضخما كان الحاج كمال الدين واقفا إلى جوارها وفي يده السكين تبرق وتفطر من الدم ، فارتد الناس عنها وساروا خارجين ، وكل منهم ينظر إلي نصيب الآخرين في حسد . ولم يحفل احدهم بأن يلتفت نحوي ، إلا فتي منهم نظر إلي بعد أن خرج من الباب ثم ضحك وقال :
- تعيش وتذبح ياجحا فوقعت انظر في أعقاب القوم في غيظ ويأس . وغبت في تأمل عميق لم أفق منه إلا على صوت مشاحة من خلفي ، فالتفت فاذا بي اري جاري الحاج كمال الدين يحمل الفخذ على كتفه اليسري ، ويجر بيمناه جلد الثور ، وصديقي أبو النور يجاذبه الجلد وهو يقول :
- جحا أولى بجلد ثوره . فرماه الرجل إليه في غيظ ووقاحة وقال له :
- خذ كله إذا شئت ،
ثم سار مسرعا يحمل الفخذ ويهز يده اليمنى بالسكين .
فصحت به في لهجة التوسل والغيظ :
- دع السكين فإنها لامرأتي
فرماها إلي الأرض باحتقار ومضي ولم يلتفت نحوي حتى خرج .
فنظر أبو النور نحوي عاطفا ، ووضع يده على كتفي وقال وهو يرفع جلد الثور :
- أي صديقي فنظرت له متأثرا وقلت : صديقي
ثم سرت وهو يسير إلى جانبي واضعا يده على كتفي ويجر الجلد بيده الآخر ، حتى بلغنا المربط فوجدنا به فوضي تشبه آثار موقعة في حرب ضروس . وجدنا راس الثور والإكارع والفروث والمصران وكومة من الأوساخ جعلت الهواء عقنا يكاد يخنق الأنفاس . فرى صديقي بالجلد إلي ناحية من المكان ، وأخذ يرفع الحطام ويكنس الأقذار : فأسرعت إلى جواره أساعده حتى كلت منا الايدي وتألمت فقرات الظهر من الانحناء .
فرفعت رأسي لأستريح ، ورفع رأسه كذلك ، فتقابلت أعيننا ، ورفقنا حينا ينظر كل منا في وجه صاحبه صامتا . ثم انفجرت بيننا ضحكة في وقت واحد - في ثانية واحدة كأنها ضحكة شخص واحد .
وامتدت الضحكة وطالت حتى كدنا نقع على الأرض من الإعياء ، وجعل كل منا يضرب في غير وعيه على ركبته ويقول :
- الله ! أما والله إنها لقصة . إنها لقصة ظريفة !
) طبق الأصل (

