الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 246الرجوع إلى "الثقافة"

من مذكرات جحا :، فوق شجرة الجميز

Share

]والعهدة علي صاحب الوثيقة الذي زعم أنها يخط به الأديب الكبير جحا نفسه ... [

لا مناص لبني آدم من أن يقيموا على الأرض ، ويسيروا علي الأرض ، ويجلسوا علي الأرض ، ويناموا علي الأرض ، ويدفنوا أخيرا في جوف الأرض . فمن الأرض خلقنا ، وعليها نعيش . هذا لاشك فيه . وقد اعتاد الناس ذلك وألقوه حتى صاروا لا يطيقون البعد عنها ، ويشعرون بالوحشة والرهبة إذا هم علموا عنها . وإني لأعجب للسر العظيم الذي يجعل الناس لا يقوون على فراقها ، فإذا هم حاولوا ذلك جذبهم إليها جذبا عنيفا ، ولم تمكنهم من الإفلات منها . أري الأطفال يتبون ويحاولون ان يتخلصوا منها ولو لمدة قصيرة ، فإذا بهم يقعون عليها وهم يضحكون كأنهم يلاعبونها ، ويسرهم أن يتظاهروا بمحاولة التخلص منها ، ويسرهم فوق ذلك أنها لا تغفل عن أحد منهم ، بل تمسك بهم وترجعهم إلي حضنها في غير مبالاة . والطير نفسه إذا علا فوقها فإنه لا يفارقها إلا إذا جاهد بجناحيه ، فإذا أعيا أو أصابه عجز في جناحه أو انخلع عنه ربشه هوي إليها كما يهوي الحجر الثقيل - سر الله الأعظم الذي أبدع

كل شئ فأنقن صنعه ! ولطالما تمنيت لو استطعت بحيلة من الحيل أن أتخلص من قبضة الأرض ، وأنطلق إلي السموات العلا ، فلم أقدر على أن أفلت قيد شبر واحد منها . وعرفت مقدار عجزي وضعفي ، وأقررت لله بالحكمة والعظموت .

ولكني وإن عجزت عن أتطلق من إسار الأرض يحلو لي أن أحتال في السمو ولو قليلا فوقها ، ولهذا حبب إلي أن أتخذ لي مقعدا فوق شجرة قديمة من الجميز ، لا أذكر متى رأيتها أول مرة ، وأكبر ظني أنها كانت هناك في مكانها منذ ولد أبي أو قبل ذلك . وهي شجرة شمطاء قد تشابكت فروعها ، وتداخلت أغصانها ، وصار جذعها المجعد مثل سفح التل تظهر عليه آثار فعل الزمن وخطوبه ، فكم بها من قطوع ومن كهوف ومن نقوش رسمها عليها أجيال من الأطفال كنت أنا واحدا منهم . وهي حبيبة إلي ، وإن كانت لا تحمل زهرا ؛ وهي جميلة في عيني ، وإن كانت أوراقها تبدو كالحة الخضرة كأن ماء الحياة يسير إليها كارها . وأجد طعم فاكهتها لا يزال لذيذا كما كان في أول يوم ذقت ثمارها

يحلو لي أن أصعد فوق هذه الشجرة ؛ واتخذت لي عليها مجلسا أو مرقدا لا أحس فيه أنني فوق شجرة ، بل أنام عليه بملء جفني مطمئنا إذا غلبنى على هدهدة النسيم الوديع .

هناك استطعت أن أسمو قليلا فوق الأرض ، وأن أشرف علي الناس من على ، وأن أتأملهم وأنظر إلي حركتهم وإلى سكنتهم بغير أن يقطنوا إلي أني أرقبهم أو يداروا عن حقيقتهم . فالناس لا يكشفون حقيقتهم إلا إذا اطمأنوا كل الاطمئنان على أن العين لا تراهم . كم من الناس من يملأون القلوب مهابة والعيون روعة ، فإذا سهوا مرة فأزاحوا الستار عن أنفسهم ، أو اختلس أحد نظرة إليهم من وراء الغطاء المحكم الذي يلفون به جوهرهم . فاحت منهم روائح العفن ، وأطلت منهم البشاعة والشناعة والحقارة . ولست أحب أن أتدسس في حقائق الأفراد ، ولا استحل أن اتجسس على أحد منهم بعينه ، بل أقصد أن أطل على الإنسان الذي في هؤلاء الأفراد . لقد امتلأ قلبي من أسرار الحياة ، واستطعت اليوم أن اعرف من عيوب نفسي ما يجعلني لا أقسو علي عيوب غيري ، ولا أظن إلا أنني واحد من أفراد هذه البشرية الضعيفة التي لا ذنب لها في ضعف فطرتها . فلست أحب أن أري من مقعدي فوق شجرة الجميز الشمطاء سوي ما أكمل به عملى عن نفسى و عن هذا الخلق الذي خلق من طبقتي .

كنت أحس في أول الأمر أنني مثل القردة التي تعيش فوق الأشجار في بلاد الهند - وداخلني من ذلك شئ من التقزز والكراهة ، فليس هناك من يحب أن يشبه القردة . ولكني فكرت وتأملت في حقائق الأمور ، ورضت نفسي علي أن تخضع لحكم العقل والبصر ، فلم ألبث أن حملتها على الاطمئنان إلي شبه القرود .

وزاد بي التأمل ، ولج بي التصور ، فإذا بي أتحقق أن القردة أقرب أنواع الحيوان شبها ببني آدم ، وكأن الله تعالى قد جعلها على صورة الإنسان حتى يغض من كبربائه ، و يقل من غلوائه وقد حكي بعض أهل الأسفار أنهم رأوا قردة كبيرة الجسم تبلغ مثل حجم الإنسان أو تزيد عليه ، وقيل إن بعضها لا يحمل ذيلا في طرف جسمه ، فإذا استوي واقفا لم يكن بينه وبين الإنسان إلا فرق ضئيل . ومهما

يكن من الأمر ، فإن الإنسان يشبه القرد أكثر مما يـ سائر الحيوان ، فهو بلا شك أقرب إلي صورته من صـ الأسد أو الغزال أو الكلب ، والإنسان فوق ذلك يحـ في طباعه ملامح كثيرة من طباع القردة . وكثيرا ما وقـع أتأمل القرد وهو يلعب أمام مدربه ، وينظر بأدب إلي العـ التي في يده ، فعجبت من القرابة التي بينه وبيننا معشر آدم ، ثم نظرت إلي ذلك الحيوان الرشيق وهو يتما صاحبه من خوف العصا ، وكيف يحاول أن يختلس الدر ويخبئها في فمه ، ثم يلقيها إلي صاحبه إذا أدرك أنه ر وهو يلتقطها . ثم كيف يسرق كل ما تصل إليه يده سـ الطعام ويدخره في جوانب شدقيه إذا لم يكن جائعا . تأملـ كل هذا ، فصح عندي أنه ليس من الحق أن يبرأ الإنسا من القشبه بالفردة أو يستكبر على أن يكون مثلها في تسلم الشجر . مهما يكن من الأمر ، فإن قعداتي فوق شجر الجميز كانت نزهة نفسية فلما وجدت مثلها ؛ فهناك كنت أستطيع أن أبعد عن الناس كأنما جعلت بيني وبينهم أميال وأميالا ، مع أنني لم أعل فوق الأرض إلا بضعة أذرع لا تزيد على قامتين . ووجدت نفسي أستطيع أن أنظم حولي فلا أجد أحدا ، بل أري الجميع تحتي بعيدين ، ويسيرون مطأطئي الرؤوس لا ينظر واحد منهم إلي أعلي ، وهذه فى عجائب الطبع الإنساني ؛ حتى لقد خيل إلي أن الناس في بحث دائم عن أشياء يلتقطونها من تحت أقدامهم . وهذا الطبع العجيب يجعل إقامتي فوق الشجرة الشمطاء لونا من ألوان السحر . فهناك أتمتع بما يتمتع به صاحب القلنسوة السحرية التي تسميها شهر زاد في ألف ليلة وليلة ( طاقية الإخفاء ) ، فبينما أري الناس جميعا ، وأطلع على حركتهم وسكنتهم لا تقع عين أحد علي . وفي هذا ما فيه من مبعث على الدرس والسرور ، وقد استطعت من مقعدي هناك أن أعرف أسرارا جديدة في الطبع البشري ، لم أكن لأعرفها لولا شجرة الجميز .

أري الرجال يسعون سعيا شاقا ، ويعملون في الحقول

يقطع القلوب ، ويحملون الأحمال الثقيلة التي بدوءون ـا فأعجب وأسائل نفس : ما الذي يضطر هؤلاء إلي هذه المشقة ؟ فلما اطلت التأمل رأيت أن هناك سوطا يهلهب ظهورهم ويدفعهم دائما إلي الإمام - سوطا عليهم المعدة احيانا ، ويجرده عليهم النساء احيانا ى . وقد لاحظت أن السوط الذي يجرده عليهم النساء وأقسى ، فإذا ألهب سوط النساء ظهر الرجال اندفعوا لأمام في عنف ، ولم يترددوا أمام شيء ، حتى الجريمة مهما بلغت من الشناعة . وأما النساء أنفسهن ، فقد قلت أنهن لا يعرفن الرهبة ، بل عن أشبه شيء بمروضي ود ؛ فالأسد إذا غضب من وقع سوط المروضة التفت غاضبا وزمجر ، ولكنه لا يلبث أن يضع ذيله بين يه ويفعل ما يؤمن به . ومن أعجب ما لاحظته في النساء لا يقصدن ما يقلنه أبدا . ومن ذلك ان إحداهن ى لا يقصدن ما يقلنه أبدا و من أن إحداهن ل " نعم " وهي تقصد " لا " ثم تقول " لا وتنظر فيها قائلة بهما " نعم "

هذه كلها ملاحظات وقعت عبني عليها من فوق شجرة ، والناس يمرون أو يجلسون في الظل من تحتي غير عالمين أن هناك عينا ترقبهم .

وقد خرجت من كل ما تأملت فيه على حقيقة واحدة ، على أن الإنسان كله جدر بالرثاء . الإنسانية ضعيفة ـكينة ، وإنه لمن القسوة والظلم أن يحكم إنسان على ـان بأنه مخطئ أو آثم .

والنفوس الكبيرة لا تحب أن تكون فظة غليظة انها تعرف عن ضعف الإنسان ما يملأ قلبها سماحة . ولم بين الناس أشد قسوة في حكمه على الناس من أولئك لين امتلأت نفوسهم بالعيب والنقص . من أجل كل ـذا الذي اعتديت إليه في تأملي ، وأنا فوق شجرة الجميز ، حس دائما بأن خير ما أفعله هو أن أواسي الناس إذا ستطعت . فالسارق جدير يعطفى من أجل جريمته ؛ والذي تكب الكبائر أحق بالرثاء والعطف ممن امتلأ قلبه

سلاما ؛ والجاهل لا يستحق الأزدراء ، بل هو جدير بأن ينزل العالم أفقه حتى لا يخجله .

لقد أصبحت لا أري في الحياة شيئا يستحق أن ينكره الإنسان العاقل أو يغضب له . ليس هناك إلا ما يثير الرثاء والعطف والمواساة ، حتى العداوة نفسها لا تثير في نفسى إلا مواساة لعدوي المسكين الذي يعذب نفسه بشعورها المرير .

سألني بالأمس سائل : ماذا كنت فاعلا لو ذهبت إلي بلاد يعبد الناس فيها العجل من دون الله ؟ ففكرت قليلا ثم قلت : " لا أفعل شيئا . أحش وأرمي له " .

ولكني ما كدت أنطق بهذه الكلمة حتى علت الصيحات من حولي من كل جانب ، وظن الناس أنني أعابتهم فعلا ضحكهم ، وذهبوا بديعون قالتي في أطراف " ماهوش " وأما صديقى أبو النور ، فقد غضب على وعنفنى أشد التعنيف علي كلة ظن فيها كفرا ومعاذ الله ما كفرت منذ آمنت ؛ ولكن هذا ما بلغته من تأملى فوق شجرة الجميز .

وكلما هدأت الأصوات حولي وهب النسيم من خلال الأوراق الصفراء ، أو كلما لمع من فوقي ضوء الشمس أو سجا الليل ، أو طلع في السماء القمر والنجم ، كلما حلا التأمل ، وشملني السلام ، ذكرت عليه ابنة علاء الدين سلطان قوتية ، و تمنيت لو كانت هناك إلي جانبي أنظر بعيني في عينيها لأستوحي منهما الحقيقة الباهرة ، وأستنشق من قبل أنفاسها عطور الفردوس ، وأملأ قلبي بالسعادة والسلام من ترنيم ألفاظها . ولكن ... يا عليه ابنة السلطان ماذا لعلك تظنين بي إذا أنت رأيتني فوق شجرة الجميز مشرفا علي الناس من بين أغصانها ؟ أتكونين مثل صورتك كمال الحكمة ، وكمال النيل ، وكمال السمو ، أم تكون كسائر هذا الناس تقتحمنى عينك وتسخرين ؟

أواء لو كنت يا عليه مثل سائر هذا الناس !

( طبق الأصل )

اشترك في نشرتنا البريدية