( والعهدة علي صاحب الوثيقة الذي زعم أنها خط يد الأديب الكبير جحا نفسه . .)
ما أشد الجمال وقعا على النفس ! أليس هذا قولا عجيبا ؟ إن الناس يتحدثون عن الجمال كانه شئ كله سعادة وسهولة ويسر ، ولكني لم أجده كذلك ، وقد يكون السبب في ذلك شذوذا في طبعي ، أو اضطرابا في نفسي جعلني أحس غير ما يحسه الناس ؛ حتى لقد يبدو لي أحيانا أن العالم كله في واد وأنا وحدي في واد آخر ، فأنا منعزل عنهم ، مخالف لهم في رأي ونظرني وإحساسي . ولست أحاول ان أوازن أو أقارن ، فلا فائدة من ذلك ، فقد أكون أنا وحدي على الحق وهم جميعا على الباطل ، وقد يكون الأمر على نقيض هذا ، ولا سبيل إلي الاهتداء إلى الحقيقة . وأين هي الحقيقة ؟ هذا سؤال أردده دائما ولا أملك إلا أن أقول : لست أدري !
ولكن الذي يضيق له صدري أحيانا ، هو أن الناس إذا خالفوني وخالفتهم يسخرون مني ، ويضحكون أحيانا في وجهي ، ويجاهرون بأنهم وحدهم على الحق . ويستشهدون على ذلك بأنهم كثير يرون الرأي الواحد ،
وأنا وحدي أري الرأي الآخر . وكثرة أصحاب الرأي لا تدل على صدق ذلك الرأي ؛ وإلا لكان العالم بقي إلي اليوم كما كان من يوم خلقه الله ؛ لأن الآراء الجديدة لا يراها إلا فرد واحد في أول امرها ، ثم تتحرك جموع الناس في بطء حتى يجتمع بعد سنين طويلة على الاعتقاد الذي كانت الجماهير من قبل تراه بدعة ضالة مضلة . فليسخر من شاء مني ، فلست امنعه من ذلك ، ولن يضرني بسخريته شيئا ، فإني كذلك أسخر وأضحك ، ولا يخذلني عن سخريتي وضحى أنني واحد ، وأن الذين يخالفونني كثيرون .
الجمال شيء مؤلم ، يعقب في النفس الحسرة بدل أن يشيع فيها السعادة والسرور . هذا قول اقوله واردده ، واسخر ممن يخالفني فيه ، وأضحك منه ؛ ولو بقيت وحدي فيه إلي آخر حياتي .
كان الأمس من أجمل الأيام التي مرت بي ، فقد كان عيدا من اعياد الربيع الباهرة ، وقد مر بي منظر في هذا الأمس لم تقع عيني على أروع منه ، ولا أبدع ، ولكنه مع ذلك قد اعقبني حسرة لا تزال تحرق قلبي إلى هذه الساعة . فأنا اليوم موزع القلب لا يقر لي قرار ، احس كأن لهيبا يندداع في صدري كلما تذكرتها !
نعم فقد كانت آية الله في الجمال البارع ، ليس فيها عنة من الهنات التي تدل علي انها آدمية ؟ فهي اقرب إلي ان تكون حورية من حور الجنان . ولن احاول ان اصف
محاسنها ، فذلك شئ يحتاج إلي أكثر من هذه الألفاظ الفاترة التي يتكلم بها الناس ويتفاهمون بحروفها المركبة . إن الألفاظ ميتة ووصفها يحتاج إلي كل الحياة ، والألفاظ غامصة ووصفها يحتاج إلي كل الوضوح لكي يمكن أن يفهم ؛ والألفاظ نصف ما اعتاد الناس أن يروه ، وجمالها شئ ليس في الناس مثله حتي تكون في الألفاظ البشرية ما يرسم له صورة في الأذهان . إن وصفها يحتاج إلي أن يراها الناس بعيني ، ويتأملوها بقلب ، وليس شيء دون ذلك بقادر على تصويرها والتعبير عن محاسنها . فكلما هممت بوصفها لم أجد من الألفاظ إلا ما يدل على سورة حسها وسحره ، فلا أزيد على أن أقول : ما أجملها ! وما أحلي عينيها ! وما أقوي سحرها ! وما أعذب نظرتها ! وما أبهي طلعتها ! وهذه ألفاظ - كما يعرف من يسمعها - لا تفيد معنى ، بل هي صرخات من الأعماق لا يعرف معناها إلا من رأي آية الجمال ذاتها . وذلك المعنى يذكرني بقول سمعت صديقي أبا النور بقوله ذات يوم ، إذ قال : " ما أضيع عمر الشعراء ! " نعم ما أضيع عمر الشعراء ، لأنهم لا يقولون إلا أمثال هذه الصرخات التي لا يستطيع أحد أن يفهمها ، إلا إذا تحرك قلبه يوما لسبب من الأسباب ، فيذكر صرخة الشاعر ، وبحسب أنه ما قصد إلا ذلك المعنى الذي أحسه هو ، مع أن الشاعر قد يكون هائما في واد آخر ، لا صلة بينه وبين ما يقصده هذا المسكين .
ما علينا . إنني أحس التعب يمشي في مفاصل جسمي ، ويملأ عيني مثل الرمل وأري صورتها ، أري صورة ( علية ) ابنة السلطان علاء الدين تتمثل لي في كل ركن ، وفي كل شئ أنظر إليه ! فلأذهب إلي مضجعي ، لعل هذه الصورة الملائكية تؤنس ليلتي بطيفها حين ينام هذا العقل البائس . إنني أود لو زارني ذلك الطيف في منامي ، فإن الأحلام لا تبدو في النوم احلاما ، بل تبدو حقائق ينخدع لها الإنسان ، ويفوز من خداعها بمتعة تفوق متعة الحس
الصاحي . وماذا علي لو فزت من السعادة بقسط في حلم ثم أفيق فأعلم أنني كنت حالما ؟ ماذا علي في ذلك ؟ وهل أصدق اللذات الحسية سوي حلم من الأحلام ، وصورة وهمية من الصور إذا هي انقضت ولم يمض عليها إلا لحظة واحدة ؟ وهل الحياة كلها سوي سلسلة احلام من صور وهمية بعضها مستقبل وبعضها ماض ؟ وهل الواقع الحاضر سوي اللحظة القصيرة الخاطفة التي يعيش فيها بالحس الحقيقي ؟ وما هي تلك اللحظة الخاطفة ؟ إنها تكاد تبلغ حد العدم لو تأمل المرء كتبهما . ما هو الحاضر الواقع ؟ بأنه أقصر من أن يكون شيئا . هو في الحقيقة عبور سريع كومضة البرق ، ثم يصير صورة ماضية
إذن إلي النوم والآحلام فما هي بأقل شأنا من حقائق الحس ! يا علية ابنة السلطان علاء الدين ! ماذا أنت ؟ هل أنت امرأة ؟ وإذا كنت امرأة فهل زوجتي ريمة امرأة ؟
اعتاد الرجال أن يتكلموا عن النساء ، وما أحمقهم إذ يفعلون ذلك . إنهم يتكلمون عن النساء كما يتكلمون عن صنوف النبات والحيوان ، فهذا النبات طوله كذا ، ولونه كذا ، وثمرته من صفتها أنها كذا . وهذا الحيوان حجمه كيت ، ومن صفته كيت ، ومن طباعه كيت . اعتاد الإنسان أن يتحدث هكذا عن النبات والحيوان واصناف المعادن والحجارة ، فهو لذلك يتحدث عن النساء جملة ، ويقول فيهن ما يشاء بحسب ما تصوره له نفسه . وما دري ذلك الإنسان الأحمق أنه إنما يصف امرأة عرفها أو نساء عرفهن ، وانه لا يمكن أن يتحدث عن النساء كلهن بوصف واحد . وقد وقعت أنا في هذا الخطأ نفسه ، فقد كنت أتحدث عن المرأة فيما بيني وبين نفسي ، وفيا بيني وبين الناس ، فلا اصفها إلا باعوجاج الخلقة وفساد الطبيعة ، وكثيرا ما كنت أذكر أنها قد خلقت من ضلع الرجل ، والضلع كما هو معروف عقلة عوجاء لا يمكن ان تستقيم إلا إذا كسرت ؛ ولكم تمنيت لو كانت قد خلقت من
عضو آخر من الأعضاء كالذراع أو الرجل ، فإن ذلك كان أدعي لاستقامتها وصلاح أمرها . ولكم ألقيت عليها وزر خروج زوجها آدم من الجنة ، لأنها غاوية مغوية مغرورة غرارة مفتونة فتانة . وكثيرا ما كنت أصفها بهذه الصفات حتى رأيت علية ابنة السلطان علاء الدين في يوم الأمس في عيد الربيع ، هذه الحورية الهاربة من الجنة مثل امرأتي ريمة ؟ اهي واحدة من النساء اللاتي كنت أصفهن مما أصف ! إنني أستغفر الله ، فما كنت أصف من النساء إلا ريمة التي أظلمت قلبي ، وسودت أيامي ، وأسهرت ليالي ، وأرتني النجوم لامعة وقت الظهيرة ، وأشعلت رأسي شبيا من مقاساة أهوالها ، ومعاناة الحياة إلي جوارها . وياليتها كانت تخفف وطأة خلقها بشيء من الحسن في صورتها ، فقد شاء الله لها أن تكون كاملة في القبح ما بين وجهها إلي قلبها . فإذا كنت قد أسأت الظن بالنساء ، فهذه سيئة من سبئات ريمة قد أصابت بنات جنسها جميعا . فما بي من كره للنساء ، ولقد اهتززت من أخمص قدي إلي قمة رأسي عند ما لاحت على من وراء ستارها بالأمس ، إذ لمحتها في عيد الربيع . ومالي قد نسبت ؟ ألم أكن في شبابي أحببت علية أخري ؟ لعل ذلك الاسم الحبيب هو الذي يثير في نفس كل هذه المعاني ، ويهزني هذه الهزة السحرية التي أحسها إلي اليوم تسري في جسمي كلا خطر اسمها على قلبي . علية - كيف أنت الآن ؟ أقصد عليه التي أحببتها بكل قلبي ، إذ كنت شابا لا أزال أطالع أول أسفار الحياة . لقد كانت المرأة عند ذلك في نظري حاملة مفتاح السعادة استمدها من النظرة ، ومن التحية ، ومن الإيماءة ومن الابتسامة ، وكنت انظر اليها في كل يوم مرة ، فأعيش على تلك النظرة سائر اليوم مكتفيا بما أصبت منها من السعادة ، حتى أعود فأراها في اليوم الذي بعده ، ثم أعود إلي داري حاملا صورتها ذخرا لليوم المقبل كله . وكنت أدور حول بيتها كما يطوف الحاج بالكعبة ، وقلبي
مملي بالخشوع ، وكم سرت وراء هودجها وهي تذهب في زيارتها إلي أهلها ، فأرقبها عن بعد وأنا أقطع الميل بعد الليل حتى تبلغ المنزل الذي تقصده ، فألمحها لمحة ، ثم أعود أطوي الأمبال وأنا خفيف الخطا ، باسم الوجه والقلب ، وأقضي الليل مع طيفها المرح تتمنى وتتمنى ولكن الله لم يكتب لي زواجها ، وكانت من قسمة ذلك الشاب السمح الذي عذبها وأفسد عليها حياتها . إنها لم تكتب لي لأن ريمة كانت مكتوبة علي جبيني منذ خلقت لكي إرادة إرادة الأقدار في تعذيب ، وتتكيد عيشي ، وإساءة ظني بالنساء جميعا . ولكنى رأيت عليه الأخرى ، علية ابنة السلطان العظيم ، فعاد قلبي إلى الأمتلاء بعد نظرة واحدة . وماذا علي الأقدار لو جعلت عليه هذه من نصيبي لتكفر عما ساقته لي من الآلام فيما مضي من أيامي ؟ وماذا علي لو تزوجت مرة بعد مرة ، فإن الإسلام لا يمنع أن يتزوج الرجل من امرأتين . ولكن ما الذي يحملني على الإبقاء على ريمة مع كل ما أصابني منها ؟ لو كانت امرأه صالحة لترددت في الأمر ، ولقلت إن من الظلم أن أتزوج بأمرأة أخري تكون أحب إلى منها ، ولأشفقت من التفريط في أم ولدي التي ربطها الله بي رباطا لا تفصم عراء . ولكن ما الذي يحملني علي التضحية بنفسي من أجل امرأة مثلها لا أذكر لها حسنة واحدة في مجال صورة أو جمال خلق . انتهينا . لقد استقر رأي على أن استقبل السعادة من جديد ، وأخلع عن نفسي هذا التردد المحزن ، فأتزوج بمن يهتز لها قلبي ، وتضئ نظرتها جوانب صدري ، علية ابنة السلطان علاء الدين . فلأتقدم جريئا ، فلبس بيني وبينها إلا أن يرضي أبوها وترضي هي ثم . . ينتهي الأمر وأحوز السعادة . إني أحس في نفسي قلقا وألما بلغا بي حد الشفاء من وراء نظرة واحدة إلي ذلك الجمال المؤلم . فمن تجود علي الأقدار فتزيل عن ذلك الشقاء ؟ ليس بيني وبين ذلك إلا أن يرضى السلطان وابنته وينتهي بي الأمر إلي ما أحب .
( طبق الأصل )
