الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 251 الرجوع إلى "الثقافة"

من مذكرات جحا :، ليس لك هنا مكان !

Share

) والعهدة على صاحب الوثيقة الذي زعم أنها بخط يد الأديب الكبير جدا نفسه ...

ماذا  ينبغي للإنسان أن يصنع إذا لم يجد شيئا يعيش به ، وينفق منه على أهله ونفسه ؟ هذا سؤال لا أزال أكرره ولا أقدر على أن أجد له جوابا. وقد يثور الجواب حينا في حنايا صدري ، ويلمع لمعة سريعة مثل ومضة البرق ، ولكنه لا يلبث أن يخبو ويزول ، ولا يبقي من بعده سوي الظلام . ماذا ينبغي لمحروم أن يفعل؟ إنه سؤال محير بغير شك ، ولاسيما إذا كان ذلك المحروم شخصا مثلي ، لا يقدر على عمل آخر غير هذا الذي نسميه الأدب - تلك البضاعة المزجاة التي يتجر فيها ، .معشر الحمقي

لقد اشتدت حلقات الكرب حولي ، وانتظرت الفرج أن يطلع علي يوما ، ولا أري الشدة تزداد إلا عنفا . ولم أجد من أهل " ماهوش " الأعزاء إلا البسمات التي قد تكون ساخرة في بعض الأحيان ، ثم تكون عاطفة في البعض الآخر . ولكنها بسمات ، والبسمات لا تغني قليلا ولا كثيرا . وفقدت كل شئ لي في " ماهوش ، حتى لحافي الذي كنت أتدثر به في ليالي الشتاء الطويلة ؛ حتي لحافي هذا قد سلبوني إياه وأنا أحاول أن أصلح ما بينهم ، وكأنهم لم يثيروا الخصومة إلا لكي بنزعوه من فوق كتفي !

وحاولت جهدي أن أعمل ، وأن ألتمس الرزق من كد جسمي وذهني ، فلم أفلح ، ثم حاولت أن أنهب ، وأن آخذ قسمي من أرزاق ماهوش غصبا ، فلم أفلح ؟

ثم حاولت أن أموت لأهل " ماهوش " حتي أفوز منهم بنصيب الأموات ، فما كدت أصحو وأعود إلي الحياة حتى عدت إلي موضعي ، وعادوا  هم إلي إغفالي وإهمال أمري ! وعرضت نفسي علي الأصدقاء ألتمس مساعدتهم ، فعرضتها علي صديقي القاضي -حرسه الله - وعلي المحتسب -عفا الله عنه - وعلى الوالي - هداه الله - فلم أفز عندهم إلا بالرد والخيبة ، وببعض وخزات من السخرية !!

ذهبت إلي القاضي وكان في مجلسه ، وأصحاب الخصومات يزدحمون على أبوابه، وعجبت من كثرة ما بين الناس من هذه الخصومات ، ولم أدر ، أكان الأمس من دون الأيام يوم الزحام ، أم أن الناس هكذا في كل يوم يختصمون . وجلست قريبا من صديقي - حرسه الله- فقد رحب بي ، وأجلسني علي أريكة قريبة منه . وكان لابد لي من أن أسمع ، ومن أن أري ، ومن أن أتتبع الأقوال وأفهم الحجة بعد الحجة . وجعل القاضي يستقبل الخصوم واحدا بعد واحد ، ويسمع الشهود ، ويناقش ويراجع ، ويزن ويحاسب ؛ فكان كلما انتهي من قضية نظر نحوي بمؤخر عينه ، كأنه يلاحظ حركة أفكاري . فكنت أظن أنه يريد أن يستأنس برأيي ، حي لا يضل في الحكم ، فأقترب منه وأفضى إليه بما رأيت ، وأجتهد في  رأيي اجتهادا عظيما بما استطعت من رجوع إلي الكتاب والسنة والقياس والإجماع ، ولا أقصد بذلك إلا وجه الله سبحانه وتعالي ، والإعانة علي الحق ، والمساعدة علي إزالة المظالم . ولكنه كان كلما سمع مني رأيا تجهم وعبس ، ولوي وجهه عني كارها ، ثم يقضي في آخر الأمر بحكم هو نقيض حكمي ، ورأي هو عكس رأيي .

كنت في الأحكام الأولى أكاوح نفسي وأكذب أذني ، وأتهم علمي ، وأعزم على أن أكون أكثر تنبها وأدق فهما فيما يأتي من القضايا ، وأقول في سري إن

القاضي أحفظ للكتاب ، وأفقه بأصول الحجة ، وهو أفطن من فهم ، وأعلم من علم ، وهو الحكم الرضي ، وأعدل من قضى ؛ ثم أمضي معه إلي القضية التالية ، فإذا بالأمر يطرد ويتسق ، وأراه في كل مرة يحكم حكما غير حكمي ، ويفهم فهما غير فهمي . فداخلتني فيه الشكوك ، وكدت أظن به الظنون ، وتساءلت عن نزاهته وقسطه ، وتحركت حركات لم أملك ما كان فيها من غضب ومن إنكار ، فاستلفتت حركتي نظره ، واتجه إلي مغضبا والشرر يتطاير من شعاع عينيه . فخشعت وسكنت ، ولمت نفسي علي ما كان منها ، وقلت لها : إنني لم آت إلي القاضي لكي أعينه على العدالة ، بل جئت إليه طالبا عونه ، وملتمسا عطفه ، والعدالة بعد كل شيء أمر طالما اختلف الناس في مرماه ، ولم يتفق جيل من الأجيال علي معناه . فكيف لي أن أطمع في أن أوافق القاضي فيها على رأيه ، أو يوافقني على رأيي ؟ ولم أكن من بعد ولا من قبل موكلا بنصرة الحق وإقرار العدل ، ولم تكن لي في خصومات " ماهوش" ناقة ولا جمل . فلما رأي القاضي خشوعي وانكساري ، لانت نظرته قليلا ، فتبسمت له وأحنيت رأسي بالتحية ، فصرف عني وجهه وأقبل على قضاياه يفصل فيها ، كما شاء هو لا كما شئت أنا . وحاولت أن أملك زمام وجهي وأعضائي ، وجعلت أصرف عقلي عن متابعة أقوال الخصوم ، حتى لا أسمع شهادة شاهد ، ولا أفهم مراجعة مراجع ؛ وأطرقت أفكر في ملكوت السماوات وكيف خلق الله الخلق ، وكيف دبر ملكه كما شاء ؛ ونطقت بأمثال هذه الأقوال ، وجهرت مسبحا بمثل هذه الألفاظ ، فالتفت القاضي إلي في عنف ، وسألني ماذا جاء بي إليه ؟ فاضطربت وتلعثمت ، ثم جمعت نفسي وقلت له ما جئت من أجله ، طالبا معونته على عمل أصيب منه رزقا . ولكنه قاطعني قبل أن أتم حديثي ، وقال لي :

ليس هنا مكان لك!

وكان هذا جوابا واضحا حاسما ، لا تردد فيه ولا مجال للمحاورة حوله ، فقمت واضعا ذقني فوق صدري من الخجل ، وسرت لا أكاد أبصر مواطئ قدمي ، حتى ذهبت إلي المحتسب ، فوجدته في مجلسه أشبه الناس بالقاضي في مجلسه . وبالاختصار انتهي بي الأمر إلي أن رأيته هو الآخر يحملق في غاضبا ، ويسألني عما جاء بي إليه ، ثم يقول لي آخر الأمر :

ليس هذا مكان لك .

وهكذا ترددت علي واحد بعد واحد من أصحابي ، ومن أعرف من أصحاب الأمر والنهي ، فوجدتهم جميعا أشياعا في الحكم وأندادا في كل شيء ، ولم أسمع منهم إلا هذا الجواب الواحد الحاسم الواضح :

- ليس هنا مكان لك

فأيقنت أخيرا بما كان ينبغي لي أن أفطن إليه من أول الأمر ، وهو أنه ليس لي في " ماهوش " كلها مكان . وهذا أمر طبيعي ، كان يجب علي أن أعرفه بادئ ذي بدء ، فكيف يكون لي بها موضع مع كل من فيها من الناس ؟ حقا هي تتسع لكل من يعرف من أين تؤكل الأ كتاف ، ثم بعد ذلك كيف تركب الأكتاف؛ وهي تتسع لكل من يأتي إليها من وراء الفيافي ، ومن دون لجج البحار ، ولكن هؤلاء جميعا يعرفون كيف يبلعون أحكام القاضي - حرسه الله - بغير أن تطرف لهم عين ، أو تختلج في وجوههم عضلة . بل إنهم ليسرعون إلى نجدته ، فيبلعون له إذا لم يستطع هو أن يبلع بعض أحكامه النهاية . انتهي بي المطاف إلي أن عزمت على الخروج من " ماهوش " ، ما دمت قد أيقنت أنه لا مكان لي بها .

أي " ماهوش " ، وطني الحبيبب ! إن خروجي منك لا يكلفني عسرا ، فليس علي إلا أن أسير علي قدمي في الطريق الذاهب منك إلي شرقك أو إلي غربك ؛ فليس

لي فيك ما أحمله ، ولا ما يثقل نفسي بالحزن على فقده ، اللهم إلا أن يكون الصبية الذين من ورائي ، ولكن الله هو الذي يتولاهم ليس أنا ، وإلا أن تكون وحشتي من الصديق الذي آنس إليه . صديقي أبو النور ، وحرماني من أملي الأثير - علية ابنة السلطان .

أي " ما هوش " وطني الحبيب ! إنني إذ أخرج منك ، أخرج كارها لمعنى واحد يملأ قلبي وجلا ، ويسيل الدمع من عيني ألما ؛ وذلك أن في خروجي منك سبة تلصق بك إلى آخر الدهر ، إذ يقول الناس علي مر السنين واختلاف العصور : إن جحا اضطر إلي ان يخرج من "ما هوش " إذ لم يجد بها مكانا له . فإذا كنت أيها الوطن تهملني ولا تحس فقدي ، فإنني أعزك ولا أقوي علي أن أكون سببا في سبة تلصق باسمك . ولكن ماذا أستطيع أن أفعل إذا لم أخرج منك إلى بلاد الله الفسيحة ؟

اللهم إن عذري واضح ، فلا تغضب على أيها الوطن الحبيب ومع ذلك فكيف أتردد ، وكيف أحزن ، وكيف أفكر في سبة تلصق بهذا الوطن من أجلي ؟ ما هذه الحماقة التي تدفعني إلي مثل هذه الآراء السخيفة ؟ سأذهب مهاجرا من " ماهوش " ، ولن أعود إليها ، ولن أراها بعد ذلك ولن تطأ قدمي ثراها ، فلقد ذفت فيها من الهوان ألوانا ومن القسوة والنكران صنوفا ، ومن الظلم والكيد أنواعا . ولطالما أخفيت آلامي في ضحكاتي الساخرة ، ولكن ضحكاتي لم تستطع في يوم من الأيام أن تخفف من وقع الطعنات والوخزات التي كنت أحسها تمزق قلبي . أواه! إن التجلد ليس معناه ان اللهيب لا يحرق ، أو أن النصل لا يدمي ويؤلم

وداعا أيها الوطن ، وسأحاول أن أمسح دموعي ، وأن أسكن خفقان قلبي ، وأن أهدئ من حرارة أنفاسي ! !

) طبق الأصل (

اشترك في نشرتنا البريدية