الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 247الرجوع إلى "الثقافة"

من مذكرات جحا :، وزة جحا

Share

( والعهدة على صاحب الوثيقة الذي زعم أنها بخط يد الأديب الكبير جحا نفسه . .)

أهذه هي " ماهوش " العظيمة تبدو لي مثل خط غائر في الأرض ، وتعلوها غلالة من الدخان الأبيض . أهناك كل ثروة " ماهوش " ، وكل علمها وفنها ، وهناك كل حركتها التى لا تهمد ، وأضواؤها التي لا تخبو ، ونيرانها التي لا تخمد ؟ أهناك ضجتها العظمي وسخافاتها الكبرى ، وما تضطرب له قلوب ألوف الألوف من مآس وملاء ، ومن آمال وأطماع ، ومن خيبة ويأس ، ومن غرور وكبرياء ؟

أهذا هو كل عالم " ماهوش " في هذا الخط الأغير الضئيل الذي يخيل إلي أن الأنفاس تضيق فيه من هذا الضباب الذي يجثم فوقه ساكنا مرنقا ، كأنه غبار ثائر فوق حفرة مقبرة ؟

أنا هنا ، على قمة التل ، أنظر تحت قدمى إلي الوادي فيخيل إلي أنه جحر ضيق نضطرب فيه بعض الزواحف والحشرات التي لا تعبأ بأن تملأ صدرها من الهواء ، ولولا أنني ابن " ماهوش " الذي اقام فيها عمره ، وعرف ما فيها من غنى وحركة وقوة وجمال وحياة - لولا أننى ابن " ماهوش " الذي يعرف كل ذلك ، لما حسبت ان هذا الخط الأسود سوى خدش حقير في اديم الأرض ، لا ينطوي علي شئ سوى فضلات من حجر هثيم ، أو من عظم رميم .

ليت شعري ، ماذا أري من هذه الأرض لو صعدت إلي السماء فأشرفت عليها من سطح القمر ، أو من بعض

هذه النجوم ؟ ليت شعري كيف تبدو لي الأرض كلها بما عليها من حياة صاخبة مضطربة ، وما فيها من شعوب وأمم ؟ إن أغلب ظني أنها لا تبدو لمن هناك إلا نقطة عمياء مظلمة . لا شك أن النجم المتألق الذي يبدو لي وأنا هنا على هذه الأرض صغيرا  كالدرهم ، أكبر في رأي العين ، وأجمل وأروع من منظر هذه الأرض كلها إذا نحن اطلعنا عليها من مرقب في أدنى السموات . ولا شك في ان كل ما فيها من هموم وآمال ، ومن نعيم وشقاء ومن نضال وضجيج ، لا يرتفع أثره إلا قليلا ، ثم يتضاءل حتى يمحى ، فلا يلوح مما في هذه الكوكبة الصغيرة شئ سوي الصمت والجهالة !

ليت شعري ، ماذا هناك في هذه السموات التي تراها العين صامتة صغيرة هادئة ؟ أى خلق هناك يسكنها ؟ ومن أي مادة برأهم الله ، أمن طين ، أم من نار ، أم من شئ غير ذلك لا يخطر على قلب بشر خلق من تراب ؟

إنني كلما فكرت في هذا المعنى أحسست همتى تخور ، وينقص في عينى قدر الحياة ، فلا اجد فيها شيئا جديرا بأن أسعى له ، إلا أن أتأمل وأتسامي وأرثى لهؤلاء الضعفاء - هؤلاء الضعفاء الذين تخدعهم قوتهم الضئيلة ، وهؤلاء الأغبياء الذين يخدعهم ذكاؤهم الضحل ، وهؤلاء العمى الصم البكم الذين تخدعهم حواسهم الكليلة القاصرة . ما أجدر العقل المفكر بأن يرثى لهذا الإنسان الذي يمرح في غرور حياة فانية قصيرة حقيرة ، وقد اذهله انغماسه في غمارها عن أن يدرك حقيقة نسبتها إلى الوجود الأعظم والكون الأكبر ، فحسبها كل شئ ، وما هي في الحقيقة إلا كلا شئ !

ومع ذلك فلا بد لي من أن اهبط إلي الأرض لكي أعيش كما قدر الله لي ، ولا بد لي من أن أهبط إلي الوادي لأصيب منه ما كان لي أن اصيب منه ، وما مثلي في هذا إلا كمثل الألوف وألوف الألوف الذين يعيشون اليوم

ويفنون غدا ، وما زال هذا دأبهم منذ ألوف الآلاف من الأجيال .

إن نزهة اليوم رياضة للنفس تطلعها على لمحة من أنوار الحقيقة ، وحسبها هذه اللمحة ، فإن النفس الإنسانية أكثف من أن تخترقها الأنوار ، وأغلب الظن أنها إن تعرضت للحقيقة ، إلا في مثل هذه اللمحات الخاطفة , لن يكون نصيبها إلا الاحتراق والفناء .

فلأهبط إلي الأرض ، ولأنزل إلي " ماهوش " . نعم ! فإنه لا مناص للبشر من أن يرتبطوا بالأرض ، لأن الأوتاد التي تربطهم بها أقوي من الفولاذ ، لا بل إنهم لا يقدرون على أن ينزعوا أنفسهم من الأرض إلا إذا هلكوا وارتقت ارواحهم إلى عوالمها ، وخلفت الجسد لموطنه الذي هو مستمد منه . فالأرض فينا معاشر الخلق ونحن فيها ، وإن خيل إلينا اننا نستطيع السمو عنها

هذه هي " ماهوش " أخيرا ! ولكن ما هي " ماهوش " ، وما مكاني من " ماهوش " ؟ إنني احرق نفسى عليها أسفا كلما رأيت فيها ما أنكره ، أو ما لا يوافق هواى ؛ وقد بلغ الغرور بى ان كل ما لا يوافق هواى أنكره وأعده سيئة وشرا ، ومتى كان الإنسان يعبأ بالحق ؟ إن الحق عندي وعند سواي من هذه البشرية هو ما يوافق الهوي . إنني أحب أن أسير " ماهوش : حسب هواى ، فاذا لم أجدها تطاوعني ملأ اليأس قلبي فلا أجد فرجة منه إلا بأن أضحك وأسخر . ولكن أين محلي من " ماهوش " ؟

أنا هذا جحا الضحكة ، الذي لا يجد قوته إلا من فتات الحياة ، لا استجدى ولا اطلب ، بل ولست اجيب دعوة الداعي إلي الوليمة ، وأوثر أن أقضي الليلة طاويا على  على أن يطلع أحد من الناس على خلتي وقلة ذات يدي ولولا هذه الفضلة التي بقيت لي من ميراث الأجداد ، لما بقيت أنا ولا أحد من أولادي في الحياة . فمالى أملأ قلبي

حزنا إذا كانت " ماهوش " لا تسير على ما أحب ؟ ما لي أقطع نفسى هما كلما رأيت الأخطار محدقة بها ؟ إنني لا أملك فيها غير هذا المنزل الذي انحدر إلي من سلالة طويلة من الأجداد ، حتى بليت أسواره وجدرانه ، ونبتت الأعشاب الخضراء في قلب حجارته ! ما لي إذا أملأ صدري حزنا على كل ما ينذر " ماهوش " بالسوء ، كأنني أنا صاحبها ومالك قصورها وبساتينها ، ووارث ضياعها وقطعانها ! إنني لم أفز منها بغير لقب ) الأديب الكبير جحا ( ؛ ومع ذلك فإن الكثيرين من الناس ينفسون علي ذلك اللقب ، ويزعمون أنه لقب لا ينبغي لمثلي أن يفوز به . ولقد جهر بذلك أحد الأميين من هؤلاء الذين يقصدون " ماهوش " من وراء الفلوات ، ويتخذونها موطنا يعيشون فيه كالخفافيش لا يحملون إليها خيرا ، ولا يتركون فيها إلا فضلات أقذارهم - جهر هذا الأمي وقال إنني ما كان ينبغي لي أن أفوز بلقب ) الأديب الكبير ( . فليكن هذا ؟ ولست أضن بأن يحل ذلك اللقب عليه ، ففي ذلك أعظم انتقام لمثلي من مثله . إن هذا اللقب إذا أطلق على مثله كان وصمة صارخة ضاحكة ساخرة تصيح على الملأ بالتشهير به والحط من شأنه . ما لي أحزن لأحزان " ماهوش " ، مع أنها أفسحت صدرها لكل هؤلاء الجرذان الذين يتوافدون عليها من وراء الفلوات ، ومن وراء البحار ، على حين تضن على وتسرف في تعذيبى ؟ !

كنت أتحدث إلي القاضي - حرسه الله - وعرض لنا في حديثنا ذكر الأرزاق ، فقال لي - حفظه الله - إن الأرزاق مقسومة على الناس ، وإن الخيرات موفورة ، وما الذنب في فقر الفقراء إلا لقعود همتهم وعجزهم عن اصطيادها . فعجبت لقوله ، وقضيت سائر يومي في هم وخجل من نفسى , ولم اقدر على ان افهم كيف قسمت هذه الأرزاق ، وكيف يصيب الناس انصباءهم من هذه الخيرات ؟ فالذي أعرفه حقا هو أننى في " ماهوش "

شخص لا رزق له . أنا صورة هائمة مثل المعاني التي تجول في رأسي ، وأراني في حيرة وشقاء كلما تمثل لي أملى الحبيب علية ابنة السلطان ، وتمثل لي إلي جانبه حرماني وهواني على الناس . ألست أنا ) جحا ( الذي لا تذكر " ماهوش " ) إلا إذا قال الناس في أقاصي الأرض وأدانيها إنها بلد ) جحا ( ؟ كم من غريب يحل في " ماهوش " قصدا لكى يتحدث إلي ، وكم من امير ارسل إلي بطلب أن الحق به في بلده ، وانا آبى ، وأتكبر ان اغادر موطني الذي لا أحب موطنا سواه ، ولا أحب قوما سوي أهله الذين ضاع بينهم نصيبى !

أليس لي في " ماهوش " مثل ما يصيبه هؤلاء العاطلين ذوي الزينة الذين يمتصون الخيرات كما يمتص الدود المائى الدماء من البثور ؟ أليس لي ما لأحد هؤلاء في " ماهوش " العزيزة ؟ يقول القاضي - حرسه الله - إنني أنا المذنب ، وإن هذه خيرات الله كثيرة ، فإذا كنت لا أصيب منها كما يصيب الناس ، فذاك لأنني أنا الذي قعدت وقعدت همتي عن طلب الرزق .

نعم ! أنا لا استطيع أن أزرع ، ولا أن أحارب ، ولا أن أتجر . ولكن أليس لمثلي نصيب إلا أن أكون زارعا ، أو تاجرا ، أو جنديا ؟ انا ) جحا ( ، ولا حاجة بى إلي أن أقول من أنا .

لقد أردت بالأمس أن أعابث الناس كما يعابثنى هذا البلد الحبيب ، فإن قاضى " ماهوش " - حرسه الله - كان قد اودع عندي عشرين وزة مند حين ، ثم بعث بالأمس في طلبها ، لأنه كان يعد وليمة عظيمة ودعاني إليها , ولكني لم ألب دعوته لسبب بسيط ، وهو أننى لم اجد عندي جبة نظيفة ولا قميصا لائقا . فقلت في نفسى : لماذا لا آخذ واحدة من ذلك الوز ، فتكون نصيبى من الوليمة ؟ ثم فكرت في " ماهوش " ونصيبى منها ، وتوزيع الأرزاق فيها ؛ فأحببت أن انتهز الفرصة لأبين للناس معني قد لا يفهمونه .

فأخذت الوزة نصيبا لي ، وسقت أمامي الوزات الباقية ، وجعلت اهش عليها حتى بلغت بها منزل القاضي ، ودخلت إليه لأسلمها إليه . فعدها فوجدها ناقصة ؛ فراجعني في عددها ، فراجعته مكابرا ، وقلت إنها عشرون بلا شك . فلم يؤمن ولم يصدق ، فقلت له ؛ هات عشرين من اصحابك وحجابك ، واجعل كل واحد منهم يأخذ واحدة ، وهي بلا شك تكفيهم جميعا ، كما تكفي أرزاق " ماهوش " كل من فيها . فتبسم القاضي وأطاعني فيما أردت . ولما تناول كل رجل وزة ، بقي واحد منهم بغير نصيب . فنظر إلي القاضي وقال ضاحكا :

- أرأيت ؟ ! فلم أتحرك ، بل قلت له :

- لقد رأيت ، إنه بلا شك رجل قاعد الهمة ، عاجز القوة ، لا ينبغي أن يكون له نصيب ! فنظر القاضي وهو يخفى ابتسامته . فقلت له ولم انتظر منه قولا :

- نعم - لقد كان الوز أمامه ، وكان يستطيع أن يأخذ لنفسه واحدة .

فنظر إلي القاضي صامتا ولم يجب ، ثم نظر إلي أصحابه وأمرهم بالإنصراف لإعداد الوليمة .

لقد فهم القاضي ما أردت ، ولكن الناس جميعا لم يفهموا سوى انني ضحكة سخرة لا اقصد سوى ان أملأ بالسرور قلوبهم الجوفاء .

) طبق الأصل (

اشترك في نشرتنا البريدية