لقد أطربني كثيرا ادعاؤك عنصر الرأة المثقفة في ندوة الخميس الأدبية . ولكنك تعلم يا سيدي كم تقيد التقاليد البالية حرية المرأة العربية ، وإلى أى حد حرمتها من حاجاتها العقلية والروحية ، حتى ختمت على صوتها فلم يسمع لها من ذكر ، اللهم إلا حين يتشدق مناهضوها بالحط من شأنها وإهدار كرامتها .
لذلك رأيت أن الأولى بها أن ترفع صوتها عن طريق القلم قبل أن تنزل الميدان ، وان تقدم نفسها اولا إلى الأوساط الأدبية الرفيعة ، لعل الإنصاف أن يأتي على يديها . وبناء عليه ، رحت أفتش بين حطام قلمي الهزيل من شيء اخطو به هذه الخطوة الجريئة ، واكتسب به هذا الحق للمرأة ، فلم أجد مما يليق موضوعه بمجلتكم الموقرة سوى مذكرات المدرسة ناشئة .
" من خطاب الكاتبة إلي المحرر
يعلم الله ، وتشهد زميلاني ، أنني ما كرهت مهنتي ولا أكرهت عليها ، وإنما شاء محكم الآباء أن افتتح حياتي الصلبة ثائرة نائمة محطمة النفس والآمال وأن أقدم عليها وما أعددت عدتي لغير الرحيل إلى الخارج حيث أرادت لي وزارة المعارف أن أجنى ثمار جدى بمواصلة الدراسة والبحث . .
ووقفت أمام تلميذاني أقهر الألم وأصطنع الثبات ، ثم أسئلهم على كلمة الافتتاح ، فلم أنس كيف أمهد لدراسة مادتي
وكيف أبتدئ بغرس الليل إليها في النفوس ، وإثارة حب استطلاعها في العقول ، لم أنس أن خير طريق لبلوغ هذه الغاية هو عرض فائدة دراستها ، وتبيان مسيس الحاجة إليها في الحياة العملية ، لم أنس شيئا من هذا ، وإنما نسبت نفسي كمدرسة حين اندفعت مبتدئة بقولي " لا شك أن التقاء آراء الجيل الماضي بآراء هذا الجيل يحدث تفاعلا ، وان هذا التفاعل قد يكون له من الدوي ما يبدو هدوء الأسرة ويهدد سلام العلاقات بين الآباء والأبناء فلو أننا هيأنا لهم ، آباء ثم أبناء ، معرفة نزعات النفس وحاجاتها من طريق دراسة علم النفس ، خلقنا فيهم روح التقدير لرغبات الغير وحاجاته ، ورسمنا لهم حدود السيطرة التي يجب أن تتراجع أمامها الدوافع الخاصة ، وبذلك يعرف كل منهم كيف يقف عند حده ، ولا يتخذ من القرارات إلا ما يلتقي بآراء الآخر في مزيج ساكن مستقر لا أثر فيه لثوران التفاعل ، ولا يسود فيه عنصر على حساب عنصر آخر أو يدفع به عابثا في الهواء ؟ .
ما كنت أتوقع أن مقدمة كهذه تصدر عفوا من وحي الشعور سوف تلقي من الهوي ما لاقته في نفوس أولئك الصغيرات وما نطقت به علامات الرضى على الملامح ، وهتفت نظرات التأييد في العيون ، بل ما كنت أظن أنها ستهيج من كامن الشجون ما يدفع تلك الفتاة الصغيرة لتتساءل في يأس ولوعة : " ولكن ما جدوي هذه الدراسة إذا تم الانفجار وصدع النفس وحطم الآمال ؟ ولم أدر كم امضيت من لحظات الشرود قبل أن أنطق بما يطمئن نفسها الثاثرة ويقنعها وزميلاتها بفضل دراسة علم النفس في تماسك الأسرة وسلامة المجتمع .
وغادرت الفصل مطأطئة الرأس أسائل نفس : هل يمكن حقا تدارك ما كان ؟ أوليس موقفي اليوم بشاهد على تأجج ثورة البركان ، وأن فوهته ما تزال متسعة تلفظ بخار الأماني المنصهرة فتحيط حديثي بجو قاتم أشفق أن تتفتح عليه اكمام أولئك الصغيرات ؟ ولم تدعني الصغيرة احار طويلا في أمري ،
إذ تبعتني مستتجدة برأبي ، ومستلهمة السلوي من حديثي وكأنها استشعرت تلك الوشيجة القوية التي تربط بين نفسينا ، واستشفت عمق مشاركتي الوجدانية لثورتها ، فاندفعت شاكية : " . سلبوني غذاء روحي مثلا في فني حين حرمون الالتحاق بكلية الفنون الجميلة ، ثم مازالوا يحقرون لي هذا الفن حتى سئمت العيش معهم . . ولم أبخل عليها بسرد ما كان من أمري . لعل شكاتها أن تتضاءل أمام شكاتي فتمتثل لظروفها مادام في الإمكان تداركها . . ثم رحت أسري عنها مداعبة : " بل لعلها أرادت لك كل الخير حين هيأت لك دراسة الفلسفة قبل دراسة الرسم حتى تفلسفي لنا هذا الفن في الستقبل " .
لكم لاحقتني عبارات هذه الصغيرة طول يومي ، وكم سبحث في بحر من تأثر الخواطر ألتمس المرسي ، فما أكاد أدركه حتى تجتذب أذني موجات صوتها الناقم ، فأعود من حيث بدأت ، وأظل أتساءل " هل حقا هناك أمل في تماسك الأسرة ؟ ومتى نري الأب الذي يعامل ابنه معاملة الكبير فيعهد إليه بالمسئوليات ، وأولها مسئولية تصريف شئونه الخاصة وفقا لميوله ؟ وكيف نجد الأب الذي يعرف كيف يمهد لرغباته في نفس ولده فيمليها عليه في صبغة أقرب إلي الاستشارة منها إلى الإلزام ؟ ومتى يعلم الآباء أن المراهق من ابنائهم يعاني من الام الشعور بالوحدة ، والقصور عن تحقيق الآمال ما يكفيه منغصا لحياته . وأنه بحاجة إلي من يأخذ بيده ويغدق عليه من عطفه ما يجعله يركن إليه كزميل يعينه على حل أزمانه النفسية . ؟ من لنا بإعداد الأب الذي لا يعكس مشاكله الحاضرة ، وما لاقي في الماضي من ضغط أبائه ، على نفوس صغاره الناشئة ؟ من لنا بإعداد هذا الأب مادام الجد ينفث سموم غضبه في نفس الأب ، فلا يلبث هذا أن يصبها بدوره على رأس الابن ، حتى إذا ثقل ضغطها على نفسه ورثها للحفيد . . وهكذا دواليك . وإذا فلابد للاصلاح من استئصال الداء من أساسه . . ولكن من لنا بهذا الاستئصال ؟
تلاحقت هذه الأسئلة تدوي في كباني ، واشترك في تناولها عقلى ووجداني ، فناديت في حنقي وثورتي حتى كدت أصدق أن هذا السيل من الاحتجاج والوعيد موجه إلي
حقا ، وسددت بصري إلي حيث ارتفع من أسفل المدرج ، فإذا بالضابطة تصر على توعدي بالثبور وعظائم الأمور إن أنا سلكت هذا الطريق . . . باركها الله هذه الضابطة ، لقد جئت إلى شفتي بابتسامة عريضة كانت قد خاصمتني من عهد بعيد . وما بلغت مكانها حتى تداركت الأمر معتذرة ثم راجية ألا أرتدي زيا يشبه زي التلفيقات بعد اليوم . وتركتها وأنا أتساءل : " أى زي تقصد ؟ أما كان الأولى بها أن ترجوني اقتلاع هذا العون الوجداني الصارخ من أعماقي ، فوالله إنه لأقوي مظهر جمع بيني وبين صغيراتي " .
وغادرت المدرسة وأنا اتحسر على هذه النفوس الناشئة تعالى الأمرين من الآباء في المنازل ، وتقيد حريتها على هذا الوجه بالدارس ، وهي في كلتا الحالتين ضحية مشاكل الكبار يعكسونها عليها . ويحيلونها إليها .
فلهم في شر عكس مشاكلي وتحويلها ضغطا على هذه الاكمام الرقيقة التي لم تتفتح بعد للحياة اللهم أعني على ) إحاطتها نحو مشرق الأمال وإمدادها بمزيج من منسجم الآراء والأفكار . . اللهم اجعل من علمى وآلامي سلاحا قويا أعاونها به علي مقاومة آفتها : وما آفة تلك الأكمام الرقيقة إلا تفاعل الأجيال .

