قالت زميلتي في تأثر : " كم يسيطر عملنا على كل تصرفاتنا وأحاديثنا حتى ليكشف عنا أينما حللنا . لقد كنت البارحة في الترام حين سألتني زميلة : هل ستنزلين هنا ؟ فكان جوابي : كلا ، بل الحصة الآتية ، وابتسمت ، ثم تطلعت إلى محياها انتظر ابتسامة فما رائني إلا الندم يرتسم على ملامحها ثم ينصرف في هذه الكلمات : " لقد ظلت آسفة طول يومي ، إذ لابد أن جميع ركاب الترام قد عرفوا أنني مدرسة ".
وكاد التعجب أن يحرك لساني حين ردته زميلة أخرى بوصف لحالها يوم ركبت القطار قاصدة مكان عملها ، فإذا بمن تجالسنها تسألن عن وجهتها ، وإذا بها تتخذ كل الحيطة لإخفاء شخصيتها كمدرسة ، لولا استمارة الحكومة التي كادت أن تفضح أمرها حين طالبها بها المفتش ، لكن بديهتها أنفذتها مرة اخري حين أضافت إلي القصة التي كانت قد ابتدعتها أن أخاها الذي تقصده مهندس بالسكك الحديدية ، وأن هذا يخول لها حق استعمال هذه الاستمارة الحكومية . وهنا بلغ التعجب مني مداه فصحت متسائلة : " ولماذا هذا التنكر يا زميلاتي ؟ والله إني لأسعي لإعلان مهنتي والفخر بها أينما حللت ، ولا أدري أيهما أشد خطأ وتحيذاً لهذا الوضع الشاذ ، أولئك اللاتي تظنن بهن احتقار هذه المهنة ، أو صاحباتها اللائي تنكرنها ، فلو أننا التمسنا للفئة الأولى من جهلها عذرا ، فماذا نلتمس لكن مربيات النفوس ومهذبات العقول حين تتخلصن من مهنتكن السامية ؛ إن في هذا التنكر منكن اعترافاً بما يراه هؤلاء القوم فيكن ، وكان الأولى بكن أن تعلن عن أنفسكن وتبدين اعتزازكن بهذه المهنة السامية ، لأن في هذا أقوي دفاع عنها . . " وقاطعتني زميلة بقولها : " ما أراك إلا مندفعة بحماس الابتداء ، ولسوف نري ما يكون عليه رأيك بعد بضع سنوات ، بل بعد انتهاء هذا العام ، أقسم يا زميلتي ما دفعني للثورة على هذا الوضع حماس
ولا تعصب ، وإنما هو الإيمان العميق بسمو رسالتي . فخبريني بالله . لأي شئ يتجه هذا التنكر منك ؟ أهو موجه إلى عمل المرأة عموماً لأنك مازلت في قرارة نفسك تعتقدين أن ميدان المرأة هو المنزل وحده وإن أبديت غير ذلك ، أو هو موجه إلي مهنة التدريس بالذات ؟
أما إذا كان اعتراضك موجهاً إلى عمل المرأة بوجه عام فأنا أعرف من اين استقيت هذا الرأي ، ولكني أربأ بعقلك عن التسليم بآراء فئة فانها ركب الحياة عند المرحلة البدائية ، فما زالت غرائزها فردية ، وما زال تفكيرها منحصرا في دائرة ذاتها ، أو إن تعداها قليلا ففي دائرة الأسرة ، ولا شأن لها بالمجتمع الواسع ، هذا إذا شعرت بأن هناك ما يسمي بمجتمع ، اللهم إلا حين يدعوها هذا المجتمع إلي الترفيه عن نفسها ، إن غاية ما تنصرف إليه غريزة السيطرة عند هذه الفئة هو الظهور بفاخر الثياب ، وأقصى ما يبلغه استطلاعها تسقط أخبار الغير والخوض في سير الناس ، لا تعرف عن التقدم سوى ناحيته المادية ، فهي تسارع إلي ملء منازلها بمستحدث الآلات ، أما أنها تعرف أن هذه الآلات قد احتلت مكانها القديم بالمنزل ، وأنها تدفعها من حيث لا تدري إلي خدمة أسرتها الكبرى ، أسرة الوطن ، فهذا ما لا يبلغه تفكيرها البدائي ، إذ ما لها وكل ذلك والوقت أثمن من أن تقضيه في مثل هذه الأمور الثانوية بالنسبة للمرأة . إنما الأجدر بها ، لو كان لديها فسحة من الوقت ، أن تقتضيها أمام المرأة ، أو في دور التجمل ، أو في التجول بين أرجاء المحال التجارية لتتبع أحدث الأزياء . فإذا لم يستطع كل هذا أن يملأ فراغها ، هرعت إلي المجتمعات تحاول لفت الأنظار إليها بإعلان رأي تافة أو الهتاف بصوت ناعم : أن أغلقوا أبواب الجامعة أمام الفتيات وخلوهن عن العمل ، لأن مخالطة الفتاة المحتشمة للفتى في قاعات العلم تقليد غربي وجريمة
لا تغتفر ، بينما مراقصة الفتاة المتبهرجة للفتى في دور اللهو تقليد شرقى وفضيلة سامية !! فإذا ساءلنا هذه الفئة بعد ذلك :
خبرونا إذاً إلى من تعهدون بتعليم أبنائكن في المرحلة الأولى وبناتكن في كل المراحل هزت أكنافها . وتلعثمت آلسنتها وكأن الأمر لايعنيها في كثير أو قليل وما يهمها تعلم الأبناء أم جهلوا ما دامت هي قد تبهرجت وتزينت وظهرت في المجتمعات تجذب الأنظار بمثل هذه الآراء الخطيرة على حساب العاملات في صمت وحشمة وأتزان .
نؤمن جميعاً - يا زميلتي - ويعلم كل عقل مستنير ، ان ليس الأمر جريمة ولا تقليداً ، وإنما هو دافع نفسى يحتم على المرأة أن تري لنفسها كيانا يكافح مع الجميع في سبيل الحياة والرقي ، شأنها في ذلك شأن الناس جميعا في سلم التطور ، تكون غايتهم في البداية إشباع لذاتهم الشخصية ،
ثم يتطور الهدف برقي العقل إلي إسعاد الأسرة ، حتى إذا بلغوا مرحلة أعلى من التقدم لم تهدأ نفوسهم ، أو على وجه الدقة . لم تقنع عاطفة اعتبار الذات لديهم إلا بإسعاد المجتمع الواسع مجتمع الوطن ، بل ربما المجتمع الإنساني كله . وهكذا ألح هذا الدافع على المرأة المثقفة حين رأت أن المجتمع يفتقد طبيعتها الحانية في بعض المهن كمهنة الطب ، النفسى منه والجسمى ، كما يتطلع إلى حسها المرهف وبصيرتها النافذة وحسن تفهمها لطبيعة الطفولة وطبيعة بنات جنسها في مهنة التعليم ، ألح عليها هذا الدافع فلم تجد سبيلا إلى إرضاء عاطفة اعتبار الذات لديها إلا بالعمل الجدي في سبيل إسعاد الوطن والإنسانية ، لأن في ذلك وحده تحقيق ذاتها وإثبات شخصيتها المستقلة ماديا ومعنويا .
أربأ بك إذاً ، يا زميلني ، عن التسليم بآراء هذه الفئة التي ما زالت في مرحلة إشباع نزعاتها الشخصية ، والتي لها من تأخرها كل العذر . وأحب أن يملأ الإيمان قلبك بسمو رسالتك كعاملة على رقى المجتمع وإسعاده . حتى لتستخفى ونتنكر العاطلات أمام إيمانك واعتزازك بعملك لا العكس .
أما إذا كان اعتراضك على مهنة التدريس بالذات ، فلي معك حديث آخر . ذلك أني لن ألقي بالا إلى ما تراه هذه العقول التافهة فيها ، وإنما أدعوك أن تضربى بآرائها عرض الحائط ، وتتحرري من تأثيرها تماماً ، ثم تناقشي معي هذا
الموضوع بعقلك المستنير وعلى ضوء معلوماتك الصحيحة وخبرتك الواسعة .
تعلمين ، يا زميلتي ، أن أهم ما يميز طبيعة المرأة من الناحية الاجتماعية ، هو غريزة السيطرة من جهة ، والحاجة إلى الحب والتقدير من جهة اخري . ولو راجعت معى كل المهن الى يمكن أن تقوم بها المرأة لما وجدت مهنة تشبع هذه الدوافع مثل مهنة التدريس فهذه السيطرة التى تصرفها بعض السيدات في سب الخدم وتعذيبهم ، أو التحكم في رغبات الأطفال ، تأبي المرأة المثقفة التي ألمت بطبيعة نفسها وطبيعة غيرها . أن تصرفها على هذا الوجه . في الوقت الذي تدفعها فيه ثقافتها إلى توسيع الدائرة التي تؤثر فيها وتسيطر عليها .
ولا شك أن موقف هذه المرأة المثقفة بين عدد من التلميذات قد يبلغ الأربعين ، وقد شخصت إليها ابصارهن . ورحن يتبعن حديثها في شغف وكأنما شدت آذانهن إلى شفتيها . .
ثم هذه المعرفة حين تقع بها العيون ، وهذا الرضا يشيع على الوجوه . . لا شك أن هذا الموقف لما يشع في المرأة كل رغبة في السيطرة ، ولا غرو فقد سيطرت فيه على أسمى جانب من الطبيعة الإنسانية ألا وهو العقل . ثم موقعها بين الصغيرات وقد حملت إليها كل منهن مشكلة مستعصية ووثقت أن لن ينبعث حلها إلا علي ضوء هذا العقل الراجح لمدرستها وتلك الخبرة الواسعة التي تتمتع بها . هذا الوضع فوق إشباعه لكثير من حاجات المرأة . من شأنه أن يزيح جانباً مشاكلها الخاصة لتحتل مشاكل الصغار مكانها ، ويخلى عن بؤرة الشعور الآمها الشخصية ليُحيل آلام الغير التي قد تهون إلي جانبها الآمها . ولا يخفى عليك ما تكسبه النفس من تنحية همومها . وما تستشعره من السمو والارتفاع فوق دائرتها الخاصة ، ثم ما تجد عليه روحها من صفاء يمكنها من التغلغل في نفوس الصغيرات والوقوف على مشاعرهن . ووضعها موضع الدراسة والتفكير منها . كلا لا يمكن أن يخفى عليك ما يبعث كل هذا في النفس من لذة آسرة لا تعدلها لذة أخرى .
أما حاجة المرأة إلي الحب والتقدير ، فنادرا ما يتهيأ لها إشباعها في دائرة المنزل المحدودة . لاسيما وان هذه الحاجة تشتد بازدياد ثفافتها التي ترهف منها الحس وتضاعف عندها الاعتزاز بالنفس . لكن خبريني كم من مرة شاعت الغبطة
في أرجاء نفسك وقد التفت حولك تلميذاتك . فرحات بلقائك في الصباح ، تنثرن عليك تحيات الطفولة البريئة ؟ .
كم من مرة لمست عمق مشاركتهن الوجدانية لما يلم بك من ألم أو يعكر صفوك من مرض ؟ أما أنا فوالله لقد كن لي خير معين على تحمل آلامي . كان يكفيني أن أقبل في الصباح على هذه الفصول المتراصة في صف طويل ، فألمح مجموعاتهن تنطلق من أبوابها متجهة نحوي كأنها جميل الطير يحوم حول حامل الحب إليه ، فلا يسعني إلا أن أحمل لها كل الحب وأودعها في إخلاص كل ما بجعبتى من غذاء العقل . كان يكفيني هذا ، يا زميلتي ، حتى أشعر بضآلة همي . وعظم شاني المستمد من نفوس أولئك الصغيرات ، أشعر أنني في مملكة أخرى غير هذه المملكة الخارجية التي قل فيها شأني ، وهان أمري . مملكة مشرفة باسمة ، فقد كن لي إشراقة صبحي وربيع عامي ، لا استشعر إشراق الصباح بغير بسماتهن . ولا أتبين فترة الربيع إلا بإقبال مجموعاتهن كأنها باقات الزهور المتفتحة للحياة ، والعجيب أنهن كن يحملن إلى أحياناً بعض الزهور ، فيا لروعة زهور محمل زهوراً !
أين هذه المهنة من مهنة أخرى في دواوين الحكومة ، تضيق على المرأة الخناق ، وتحاسبها على كل حركة . وتدعوها إلى تصنع الخشونة طبعاً فيها . . أين هذه الحياة الجافة المتصنعة من طبيعتنا التي نطلقها على سجيتها ونشبع كل حاجاتها وتروي فيها تلك الناحية الوجدانية الغالية عليها ، فإذا بها تنمو وتؤتي أحسن الثمرات فتغذي بها صغيراتنا اللائي يعترفن لنا بهذا الجميل ، ويحطتنا بدورهن بوارف من ظلال محبتهن وتقديرهن . وتبقى الحياة هكذا ربيعاً دائماً .
إذا نظرت للتدريس على هذا الوجه يا زميلتي ، وتأكد لك أنه ليس عطاء منك فحسب ، وإنما هو أخذ لك وكسب لطبيعتك ، أو هو تبادل بين طبعتيه ، طبيعة صغار تتحرق شوقا إلى طبيعتك الحانية ، وطبيعة نفس المرأة التي في مسيس الحاجة للحب والتقدير ، لو نظرت إلى التدريس هذه النظرة لأمنت أننا لن نستطيع الحكم على المرأة المصرية بأنها قد
صارت عضوا عاملاً في مجتمعها ، وأعنى بالعمل هنا العمل الذي يوافق طبيعتها حقا وتفيد به وتستفيد منه ، لن يمكننا أن نحكم هذا الحكم حتى نري مدارس البنات جميعا قد خلت من الرجال ، بل نري إشراف المرأة قد امتد إلى مدارس البنين في المرحلة الابتدائية من التعليم .
دعي ، يا زميلتي ، كل هذه الأقاويل التي تصدر عن عقول محدودة الثقافة ، وعن نفوس فقيرة لا تجد ما تستجيب به لظروف جديدة يفرضها التطور والرقي . دعي كل هذا ولا تنظري إلي مهنتك بغير عقلك المستنير ، ووهبك الإنساني وطبيعتك المتعطشة إلى إرضاء اعتبارها لذاتها وإرواء حاجاتها الاجتماعية والوجدانية ، ثم ليكن ديدنك رأي " مكدوجال " القائل إن السعادة تتحقق في العمل الذي يحفظ على المرء تكامل شخصيته ويضمن له تحقيق ذاته وإرضاء نزعاته . فلست أري مهنة أقدر على تحقيق سعادة المرأة بهذا المعنى كمهنة التدريس .
