الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 675الرجوع إلى "الثقافة"

من مذكرات مدرسة ناشئة :, مجانية التعليم

Share

كان طبيعيا أن يكثر الجدل حول مشروع المجانية بالمدارس ، وان تشهد حجرة المدرسات مناقشات حامية بين المحبذات له والساخطات عليه . واتخذ موضوع المناقشة يوما هذا الوضع : أي الاتجاهين أسلم ؛ أن يكون المبدء برفع مستوي الشعب ماديا ، أو يكون برفع مستواه عقليا ؟ وانبرت بعض الزميلات تؤيدن سبق الإصلاح المادي . وتدعمن رأيهن بضرورة محو الفروق الاجتماعية الشاسعة بين الطبقات قبل محو الأمية وقبل الجمع بين أبنائها جميعا على قدم المساواة في المدارس . ثم رحن يعددن ما نتج عن التسرع في تعميم المجانية من انتشار ذميم الخلق وتفشى سئ العادات بين التلاميذ .

قلت محتجة : " أما أنا فلا أري هذا الرأي ، فلماذا لا نفترض بقاء الأصلح من الخلق عند احتكاك هذه الطبقات بعضها ببعض ؟ لماذا لا نتوسم الخير في طبيعة هؤلاء الصغار ، فنتوقع أن يستقيم الخلق المعوج بمعاشرة الخلق السليم لا العكس ؛ وعلى أي حال سوف يفوق الربح الخسارة ، إذ نحن نتيح الترقي لطبقة ما كان لها أن ترقي في محيطها الضيق الأفق ، في حين أن ما قد يصيب الطبقة الأخرى من انحراف خلق أمر عارض من الممكن تداركه وعلاجه . . "

فقاطعتني زميلة بقولها : " إن الواقع يثبت عكس ذلك ، فهاهم أولادي يعودون من المدارس وقد حصلوا من بذيء الألفاظ واقتبسوا من منحرف السلوك ما يفوق كل ما اكتسبوا من مواد علومهم " .

قلت : " إذا علي الآباء أن يتداركوا الأمر ، ويساهموا في الإصلاح ، فالأمر محتاج للتضحية ، وهذه التضحية يستحيل بديهيا أن تطالب بها الطبقة الأمية ، وإنما تكون التضحية منك ومن مثيلاتك ؛ وليس وقف الآباء لبعض وقتهم على ملاحظة

الأبناء وهدايتهم بالشئ الكثير في سبيل التغلب على هذه الفترة الحاسمة في حياة مجتمعنا . ولكني ، للأسف الشديد ، أري من الآباء إحجاما عن رعاية أبنائهم في الوقت الذي اشتدت فيه حاجة المدرسة إلى رقابة النزل علميا وخلقيا . ومع ذلك - لو فرضنا أسوأ الفروض ، وهو إفلات الزمام من أيدي الآباء بالنسبة لأخلاق أبنائهم - فليست التضحية باخلاق طبقة من هذا الجيل بالشئ الكثير في سبيل رفع المستوي العقلي لأفراد الشعب جميعا ، بل ورفع المستوي الخلقي أيضا كنتيجة لهذا الاختلاط الذي تنكرنه جميعا وينكره الكثيرون معكن ، ووالله لو لم يكن في تصميم المجانية سوى الجمع بين طبقات الأمة هكذا في صعيد واحد ، لكان فيه الكفاية ، ولكان أعظم مرجح لتقدم النهضة العقلية على النهضة المادية .

ليس هذا هو الجانب المستعصي من المشكلة يا صديقتى وإنما الجانب الجدير حقا بالتفكير والتدبير هو الجانب النفسي ؟ ذلك أن أفراد هذه الطبقة المستجدة في المدارس يعانون أزمات نفسية شديدة من جراء اختلاطهم بطبقة تفوقهم مالا وجاها ، وان هذه الأزمات النفسية ذات نتائج بالغة الخطورة ، ولو وقفت على بعض منها لما أشفقت على غير هؤلاء ، من هذا الوضع ، ولما اتجه تفكيرك كله . وقبل كل شئ إلى الناحية الخلقية من هذه المشكلة .

خذي مثلا شعور الفتاة المحدودة الدخل حين تري زميلاتها يلعبن بالنقود لعبا ، ويتهافتن على مقصف المدرسة يبتعن ما لذ وطاب . أو شعورها حين تسمع عن حياة زميلاتها وما يحيطهن من اسباب الترف ووسائل الترفية . وهي لا تملك إلا أن نرمقهن في لحفة وحسرة ، وتستمع إلى أحاديثهن في عجب وحقد . ثم تخيلي أثر هذا كله في نفسها ، وما يورثها من شعور بالنقص تضيق به حينا ، ثم لا تلبث

أن تدفعها الحاجة الملحة لتعويضه إلى التفكير في وسائل غير مشروعة لحيازة ما بأيدي زميلاتها . ولقد لمست هذه الظاهرة كثيرا في فصولي ، وشكا إلى كثير من الصغيرات ثقل وطأتها عليهن .

هذه ، يا صديقتي ، هي الناحية التي استولت على كل تفكيري ، واهتزت لها في عنف أوتار وجداني . وهذا هو الجانب الذي جعلني أتوقف عن التصحيح يوم لمسنا سويا أقوي مظهر له في ورقة للإجابة ، نسيت صاحبتها كل شئ إلا أنها فتاة بائسة في حاجة إلى مساعدة الغير ماديا ومعنويا فراحت تبث الورقة شكاتها ، وتملى القلم أناتها ، لعلها تجد من المصحح سامعا ومجيبا . . لعلك تتبين الآن ما غاب عنك حينذاك فأدهشك من تصرفي ، ودفعك تتساءلين عن سر توقفى عن العمل واشتغالي بنقل ما خطت هذه الصغيرة البائسة في مفكرتي ، وربما جعلك تستخفين بملكي حين أجبتك أنني أفعل ذلك حتى أحتفظ بأصدق صورة لهذا الوضع ، وحتى تكون لى نعم الحافز على العمل جديا للتخفيف من وطأته . واليوم أذكرك بما قرأنا سويا ، وما أصبح مطبوعا في ذاكرتي فوق مفكرتي ، وكنت قد استكثرت سطورها المستقيمة على مثل هذا السلوك المعوج . أذكرك الآن بقول الفتاة : " ظلم طغي وهو أن حتى اليتامي جار عليهم الزمان ، ولو كان يخشى بأسهم ما عابهم إنسان . . لو تعرفون قلوبهم ، بقلوبهم نيران . . لقد أصبحنا في حزن وبكاء ، ولا من أحد يعطف علينا أو يرعانا . . "

هذا الجانب الخطير من المشكلة - يا صديقتي - قد لمسته واضحا ، وشعرت بخطورته شعورا عميقا ، ولكنني مع ذلك لم أيأس مثلك ، وإنما آمنت كل الإيمان بإمكان اصلاحه والتغلب عليه تدريجيا ، إما عن طريق الأخذ بأيدي المحتاجين وتوجههم إلى استغلال أوقات فراغهم فيما يعود عليهم بالكسب المادي ، وإما عن طريق عمل الحكومة على رفع المستوي المادي لأفراد هذه الطبقة ؛ أما الطريق الأول ففي استطاعة كل مدرسة أن تسير فيه آمنة حتى تبلغ هدفها إذا توفرت لها المساعدة الجدية من المشرقين الاجتماعيين ، والتوجيه السديد من المربين المصلحين ، وإذا شعر كل فرد منهم أن عليه واجبا وطنيا بل إنسانيا يجب أن

يؤديه في هذه الفترة العصبية وإن اقتضاء الأمر التضحية بالوقت أو بالمال . وأما الطريق الثاني فأرجو أن توفق الحكومة إلى السير فيه حتى النهاية

حقيقة - ياصديقتي - لا تكون النهضة صحيحة إلا بتعميم مبدأ تكافؤ الفرص في كل النواحي ، اقتصادية كانت أو اجتماعية أو سياسية أو تربوية . إلا أننا لو تتبعنا تاريخ تطبيق هذا البدأ في كل دولة ، لما وجدناه قد طبق كاملا في جميع النواحي منذ البداية ، فقد ابتدأت كل من انجلترا وأمريكا بتطبيقه في الناحية السياسية ، فساوت كل منهما بين أفراد شعبها في حق الاشتراك في الحكم . بينما ابتدأ الاتحاد السوفيتي بتطبيقه في الناحية الاجتماعية ، فمحا الفروق بين الطبقات . ولكن المساواة السياسية وحدها لا تكفل المساواة الاقتصادية والاجتماعية ، وبالتالي لا تكفل المساواة في التعليم ؛ وهذا ما حدا بدولة عريقة في الديمقراطية السياسية كأنجلترا إلى إقرار وجود نوع خاص من المدارس ذات التكاليف الباهظة لتعليم أبناء الطبقة الثرية . وجعل أمريكا تفرق في التعليم بين زنوج وبيض ، وبين فقراء وأغنياء . كما أن المساواة الاجتماعية وحدها قد دفعت الاتحاد السوفيتي إلي احتكار الثقافة وحصر التعليم في دائرة العقائد السياسية التى تخدم الحزب الشيوعي وحده .

إذا ، فلا المساواة السياسية وحدها ضامنة للنهضة العقلية في الأمة ، ولا المساواة الاجتماعية وحدها محققة لهذا الهدف ؛ وإنما هي جميعها اتجاهات متكاملة تختار كل أمة منها ما تراه الأولى بالابتداء ، لكنها جميعا سائرة بخطى واسعة نحو تحقيق التكامل بينها وتعميم مبدأ تكافؤ الفرص في جميع النواحي

ونحن - يا صديقتي - قد تغاضينا عن تحقيق هذا المبدأ اجتماعيا واقتصاديا ، كما أهملنا شأنه سياسيا إلى حد ما . ما دمنا لم نعترف بعد بحق المرأة في الانتخاب ، لكننا جعلنا بدايتنا هذه الخطوة الجريئة ، وكان تطبيقنا لمبدأ تكافؤ الفرص في التعليم أولا وقبل كل شئ . أما أننا سننجح في تطبيق ما تبقي من نواحي هذا المبدأ ، فنقيم بذلك دعائم النهضة الصحيحة ، فهذا ما أمل أن يتحقق قريبا بعون الله وجهاد المصلحين .

اشترك في نشرتنا البريدية