ان الغاية الاساسية من التعليم هو اكساساب الثقافة . والطرق الموصلة الى هذه الغاية عديدة فكل امة تنظم لشبابها التعليم الملائم لتذوقها الخاص وللعصر الذي تعيش فيه ، ثم تحور الاجيال المتوالية هذا النظام لتسايره مع تطوراتها . وقد تراعى عند هذا التحوير مبادىء اساسية عامة منها :
١) جعل الثقافة عامة قبل التوجيه الى الاختصاص ، وشاملة لجميع الفنون التي يهتم بها العصر حتى تتمكن الامة من التبادل الثقافي مع غيرها في جميع الميادين
٢ ) اعطاء كل فن اهميته النسبية وذلك بتقدير اتساع البرامج وعدد ساعات التعليم الاسبوعية حتى لا نتعمق فوق اللازم فى بعض الفنون ونهمل اخرى
٣ ) جعل حد " لحجم " المعارف التى تلزم لثقافة الطالب والتي يمكن هضمها مدة الدراسة دون الارهاق بصحته ودون دفعه الى اللهو والجولان فى الشوارع ، أى جعل حد لعدد ساعات الدراسة يكون ما فوقه ضررا وافراط وما دونه اهمالا وتفريطا .
ولا شك انه يعسر تعيين هذا الحد . فقابلية التلميذ للفهم والهضم تختلف باختلاف الافراد واختلاف سنهم والمواد التى يدرسونها - لكن لاهل التدريس خبرة فى هذا الامر وهم يعلمون هل يجب ان نزيد فى البرامج أو ان نخفف منها .
الامة التونسية اليوم فى حاجة اكيدة الى وضع نظام جديد لتعليم شبابها وكلنا يتساءل ماذا ستكون ثقافة بلادنا فى الغد . وستتألف بلا شك لجان مهمتها تحوير التعليم الحالى وستبنى هذه اللجان اعمالها على الاساس الذى سيعينه لها من بيده الامر . فماذا سيكون اول هذه الاعمال ؟ لودعونا اصحاب الفنون المتعددة
الى صب البرامج لاتانا كل منهم بجرته المشحونة ولطفح الاناء وكلف الطالب بما فوق وسعة وكانت النتيجة رديئة اذا لم تكن عكس الغاية المقصودة . ومع هذا قد يرى كل من اختصاصيي التربية المدنية والاخلاقية والنحو والصرف والادب والفقه والاصول والفرائض والتوحيد والحديث والسيرة النبوية والتفسير والتاريخ والجغرافيا والحساب والجبر والهندسة والطبيعة والكيمياء والعلوم الطبيعية واللغات الاجنبية والرسم القياسى والرسم الفنى والموسيقى . . ان برنامجه حد أدنى لا بد من دراسته لتكوين شباب محب لقوميته ولسانه ودينه وعصره والنزول دون هذا الحد فى نظرهم يؤدى الى نقص فى معارف أساسية يحرم الطالب من اكتساب هذه الخصائص .
وجوابنا ان الهدف المنشود ليس المعرفة فى ذاتها بل هو تمهيد الطريق الموصل الى اكتساب هذه المعرفة . لا يهمنا ان الطالب قد حصل عند انتهاء تعليمه العام على"حجم" ما من المعارف بل يكفى ان نهيئه الى تناول المعرفة المتسعة والعميقة فى فن يختاره - الغاية من الثقافة العامة هى اكتساب " رياضة فكرية " تمكن صاحبها من دراسة المسائل مهما تعددت وتعقدت وحل المشاكل مهما عسرت وعوصت .
والرياضة الفكرية اخت الرياضة البدنية ، لا تكتسب بحفظ ما فى الكتب والكراريس بل بالتمرين المسترسل المدرج الذي تتسع وتتضخم به مواهب الطالب ، اما حشو الادمغة بالمعارف فهو من نوع ذخر الكنوز عند من لا يحسن التصرف فيها ، فأما ان يضيع جل ما خزن فى الدماغ ويصير خاويا كما كان من قبل ( وهذا ما يقع غالبا ) واما ان يحافظ على حشوه فيسم ويصير صاحبه متعصبا لمعارفة فتصبح كلها عقائد .
وقد صار ابتلاع المعارف ( ولو بتعطش ) عسيرا بل مستحيلا لا سيما فى عصرنا هذا فحياة الانسان قصيرة ومواهبه محدودة مهما اتسعت ولا يمكن له التعمق فى جميع العلوم العتيقة والحديثة وذلك لتعددها واتساع نطاقها .
واول نظرنا إلى تعليمنا اليوم بتونس وجدناه مصابا بامراض عديدة يتحتم علينا علاجها ، منها :
١) تعدد انواع التعليم :
تعليمنا الحال والمثقفون الناشؤون عنه انواع مختلفة . فالابتدائي يشمل الزوايا والكتاتيب والمدارس القرءانية والمدارس العربية - الفرنسية والمدارس الفرنسية - والثانوى ثلاثة اقسام : زيتوني ( عصري و علمي ) و " تونسي" وفرنسي (عصري وكلاسيكى ) . وكان سبب هذا التنويع فكرة استعمارية جعلت الشباب قسمين متضادين : الزيتوني ( شرقي الثقافة ومحافظ على النظم العتيقه ) والمدرسي ( غربي الثقافة ومجدد ) وكلاهما كان يبغض الاخر ويحتقره . وقد اشتد هذا التضاد مدة طويلة واستغله الاستعمار كما شاء . أما اليوم فقد ضعف كثير لكنه مازال قائم الذات ومن الواجب المتحتم ان نقضي على بقاياه وان نوحد الطريق للشباب مادام فى مرحلة اكتساب الثقافة العامة .
٢) إرهاق الطالب
قد تسمح لي مهنتى وتجربتى الفردية ومحادثاتي العديدة مع زملأبي في المدارس الدولية وفي الزيتونة ، ان اجزم ان برامج التعليم الثانوي في الاقسام والتونسية " والزيتونية مرهقة إرههاقا فادحا لبدن الطالب وصحته العقلية . والأدله على ذلك عديدة ويكفى ان نبسط حالتين من الحالات المختلفة الموجودة اليوم في معاهدنا الثانوية . وبقصد الاختصار سنسمى :"المدرسى" التلميذ المنخرط في المدارس الفرنسية و " الصادقي " التلميذ المنخرط في الاقسام التونسيه من المدارس الثانوية ،وبـ"الزيتوني" والتلميذ المنخرط بالزيتونة .
أ) حالة السنة الاولى من المرحلة الاولى : ( القسم السادس بالمدارس الثانوية ) وهم السنة التى ينتقل فيها التلميذ من التعليم الابتدائي الى الثانوي . فلاول مرة في حياته سيطالب بالفهم ووعي المسائل ولا يزال مستواه الفكري صعيفا فينبغي ان نعينه شيئا فيشيئا على صعود سلم الثقافة . ولننظر الى جدول ساعاته الاسبوعية .
المواد اللسان العربى اللسان الفرنسي التعليم الدينى التاريخ والجغرافيا التاريخ الاسلامي الرياضيات علوم الطبيعة الخط ، الرسم القياسي الرسم الفني التربية المدنية والاخلاقية الرياضة البدنية الموسيقى الشغل اليدوي الجملة
المدرسى ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ٥ ٦ ١/٢ ٢ ٢ ١/٢ ١ ١/٢ ١ ١ ٢ ١ ١ ــــــــــــــــــــــــــــ ١/٢ ٢٣
الصادقي ــــــــــــــــــــــــــــــــ ٨ ٦ ١ ٢ ١ ٢ ١/٢ ١ ١ ١ ١/٢ ٢ ١ ـــــــــــــــــــــــــــــ ٢٧
الزيتوني عصري ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ٨ ٢ ١٠ ٢ ١ ٣ ١ ١ ١ ١ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ٣٠
الزيتوني علمي ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ٨ ١٠ ٢ ١ ٣ ١ ١ ١ ١ ـــــــــــــــــــــــــــــــــ ٢٨
( اختيار ( بالزيتونة ( لا يعمل بذلك في ( الزيتونة اليوم
وينبغى ان نذكر ان عدد الساعات في الزيتونة في عهد قريب ( لا يفوق الاربعة اعوام ) كان يرتفع الى ٣٤ ساعة :
اللسان العربى ... ١٥ العلوم الدينية ... ١٣ الحساب . . . ٤ الجغرافيا .... ٢ ـــــــــــــــــــــــــــــ ٣٤
واذا امعنا النظر فى هذا الجدول وجدنا ان جملة ساعات الدراسة التى تتطلب التحضير بالمنزل وتتعب الفكر وتشغله ( المواد السبع الاولى ) هى :
١٧ بالنسبة للمدرسي ١/٢ ٢١ بالنسبة للصادقي ٢٧ او ٢٥ بالنسبة للزيتونى اما عدد الساعات الاخرى المخصصة للمواد المريحة للفكر فهى ١/٢ ٦ بالنسبة للمدرسي و ١/٢ ٥ بالنسبة للصادقي ، والزيتوني في الواقع محروم منها تماما . واذا صح ان عدد الساعات المعدة للدراسة الشاغلة للفكر بالمدارس الفرنسية هو حد أقصى ينشأ عن تجاوزه إرهاق التلميذ وحرمانه من الراحة واللعب
والمشاركة فى الحياة العائلية والاجتماعية فاننا بلا شك نكون ارهقنا الصادقي وحملنا الزيتونى ما لا يطيق .
وماذا نقول عندما نسمع صياح من ينادى اليوم فى فرنسا بتخفيف برامج التعليم الثانوى ، وبجعل الصباح للدراسة والمساء للمواد " الفنية " والرياضة البدنية والالعاب المدرسية والشغل اليدوى . . . والمراجعة والمطالعة . . وهذا النداء صادر عن ذوى خبرة وعددهم فى نمو وصفوفهم فى تحشد . غير انه يصادمهم ذلك الارث الثقيل الذى خلفه لهم ماضيهم الثقافى المديد .
وينبغى ان نعتبر ايضا ان سن المنخرطين في هذا القسم فى انخفاض بالنسبة للسنين الفارطة . فنجد اليوم من لا يتجاوز عمره عشر سنوات او احد عشر سنة وسيأتى يوم يستقر فيه عمرهم في هذا المعدل ويجب اذاك ان يكون اتساع البرامج وعدد الساعات لائقين بهذا العمر
ب) حالة السنة الاولى من المرحلة الثانـية : وهى السنة التى ينتقل فيها التلميذ من طور التلقين والتأمل والوصف الى طور التحليل والتأليف ، والمناقشة واقامة الدليل على صحة القول ، والاتيان بالرأى الفردي واسناده الى اساس متين . فالتلميذ فى حاجة الى عدد وافر من الساعات يعدها للتحضير فى غرفة المراجعة أو فى المنزل - لننظر الى جدول عدد ساعات حضوره بالقسم :
المواد ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ اللسان العربى اللسان الفرنسى اللاتينية اليونانية لغة اجنبية التعليم الدينى التاريخ والجغرافية التاريخ الاسلامى الرياضيات الطبيعيات الرياضة البدنية الرسم الفني الموسيقى الشغل اليدوى الجملة
المدرسي
ـــلاسيكي ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ٣ ٤ ٣ ٤ ١/٢ ٣ ١/٢ ١ ١/٢ ٣ ٢ ١ ١ ١ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ١/٢ ٢٧
عصري ــــــــــــــــــــــــــــــــ ٣ ٤ ٣ ١/٢ ٣ ٤ ١/٢ ٤ ٢ ١ ١ ١ ــــــــــــــــــــــــ ٢٧
الصادقي
كلاسكى - أ ــــــــــــــــــــــــــــ ٦ ٥ ٥ ٣ ١ ٣ ١ ٣ ٣ ٢ ـــــــــــــــــــــــــــــ ٣٢
عصري ـــــــــــــــــــــــــــــ ٦ ٦ ٣ ١ ٣ ٤ ١/٢ ٤ ٣ ــــــــــــــــــــــــــــــ ١/٢ ٣٠
الزيتونى
علمي ـــــــــــــــــــــــ ١٢ ١٨ ١ ٢ ٢ ١ ــــــــــــــــــــ ٣٥
عصري ـــــــــــــــــــــــــــــ ٥ ٣ ٤ ٥ ٣ ١ ٥ ٣ ١ ــــــــــــــــ ٢٩
اختياري بالنسبة للمدرسى الكلاسيكى
اختياري اختياري
وجملة عدد ساعات الدراسة الاجبارية الشاغلة للفكر ( المواد العشر الاولى ) هي
١/٢ ٢٢ و ٢٢ بالنسبة للمدرسي ٣٠ و ١/٢ ٢٨ بالنسبة للصادقي ٣٥ و ٢٩ بالنسبة للزيتوني
وفصاحة هذا الجدول تغنينا عن كل شرح وتفسير . فحمل الصادقي ثقيل وعبء الزيتوني اثقل منه ولا ننس ان التلميذ التونسي فى هذا القسم اوشك ان يبلغ الرابعة عشر او الخامسة عشر من عمر ، وهو سن " النمو " والبلوغ الذي يطرأ فيه على الشاب اضطراب فى مجموع اعضائه لا يخلو من خطورة ولا اعرف مدرسا قط لم يعترف بهذا الارهاق الفادح وبتحتم التخفيف . اذن لم لم نخفف ولم نرحم الطالب ونيسر له امره ونحسن نتائجه ونرفع مستواه الثقافي ؟
الجواب هو ان الداء الكبير الحاجز بينه وبين التخفيف هو تعصب كل اختصاصي وتمسكه ببرامجه و" سويعاته " القليلة التى هى فى نظره ، دون اللازم الادنى - فهو يوافقك على ثقل البرامج وما ينشأ عنه من مضار لكنه يأسف لعدم موافقته على التنقيص من مادة اختصاصه خشية اضاعة ما هو اساسى بالنسبة لثقافة التلميذ ، واذا الححت ربما رماك بسوء النية نحو اختصاصه او على الاقل بعدم اكتراثك به - والتحوير مستحيل ما دام لم يتغلب كل اختصاصى على ذلك الميل الطبيعى الذى يدفعه الى رفع اهمية فنه الى اعلى درجة ولم يراع مع الجميع مصلحة التعليم العامة
٣ ) السبع سنوات الطوال :
التعليم الثانوي يستغرق سبع سنوات - وهذا الزمن اطول مما يجب وقد قضى على عدة طلبة فى تونس وعلى ضعفاء الحال منهم بالاخص . يرى الشاب التونسي اليوم نفسه في الثامنة عشرة وحتى فى العشرين من عمره وحتى في العشرين من عمره ، وهو لا يزال جالسا على كرسيه المدرسي . وفي نفس الوقت تصور له مخيلته متع الحياة والرفاهية التى نالها من اكتسب المال . هي صور خلابة كم هدمت من عزيمة مستعينة فى ذلك بنداء العائلة الى طرق باب من ابواب
الارتزاق والطالب يعلم انه اذا ارتزق اراح اهله من حمله واعان على تحمل من هو اصغر منه واضعف .
ولو فرضنا ان عزمه قوي وان الحظ اسعفه فلم تضطره العائلة الى الانفصال عن الدراسة فهو- غالبا - يختار اسرع طريق فى تعلميه العالي ويقف عند انتهاء المراحل الاولى محروما من المسير الى ما هو ابعد ومن الارتقاء الى ما هو اعلى . والذى يؤلمه مر الآلام هو شعوره ويقينه بان له الكفاءة والمواهب اللازمة لاستمراره فى الصعود الى اعلى قمم الثقافة
وكم من باب اغلق امام الشبان وحتى الكهول بسبب تجاوز العمر القانوني ؟؟ وهذا الوقوف عند حد غير بعيد من الدراسة العالية هو الذي ضعف فى بلادنا عدد الذين اتسعت ثقافتهم وعمقت بحيث صار لهم مذهب في اختصاصهم جعلهم قادة ومرجعا لغيرهم .
وعلاج مصيبة تجاوز الحد فى العمر يمكن بالتنقيص من سنوات التعليم الثانوى وليس ذلك بعسير اذ ينتهى التعليم العام بانتهاء المرحلة الاولى التى تستغرق اربعة اعوام - وتكرر البرامج اثناء الثلاث سنوات التى تستغرقها المرحلة الثانية ، وذلك مع شيء من التوسع والتعمق . ولا فائدة في الاعادة ولا في التعمق في بعض مسائل من فنون شتى فالتوسع والتبحر من خصائص التعليم العالي ولا مانع من ان ينتهى التعليم الثانوى بانتهاء مرحلته الاولى . واذا لزم ان نجعل بين الثانوي والعالى سنة تحضيرية نكون قد ربحنا على الاقل عامين كاملين لهما اهميتهما من الحيثية العائلية والثقافية والقومية
٤) تعدد الامتحانات :
اذا اردت ان تعلم ما هي نتيجة تعليمنا الحالي فاسأل المدرسين بالاقسام التونسية والزيتونية واسأل الممتحنين الذين شاركوا مرارا كثيرة في لجان الامتحانات المختلفة ( الاهلية ، التحصيل ، ديبلوم الصادقية ، الباكلورية . . . ) - فسيكون جوابهم ان النتيجة ضعيفة جدا وسيقولون لك احيانا ان دماغ التلميذ افرغ من فؤاد ام موسى . فالتلمذ غالبا لا يحسن الكتابة الصحيحة ، ولا القراءة الصحيحة ، ولا التعبير الصحيح وقد اشبعناه نحوا وصرفا وادبا وغمرناه حتى كدنا نغرقه
فى بحر الشعر والنثر . - وربما كان مثله كمثل من يردى انه سأل شيخه بعد سنة كاملة من دراسة التوحيد عن الصلة العائلية بين " المنوبية " والاله . وربما وضع مدغشقر فى البحر الاحمر وتحدث عن مقابلة وقعت بين نابليون وهارون الرشيد . . .
والغلطات المضحكة الفادحة التى من هذا النوع كثيرة لا يحصى لها عدد . التلميذ عديم التفكير غالبا ويعول على حافظته التى طالما خانته واوقعته فى الخطا الفاحش . وكيف لا يعول عليها وهو مطالب بحفظ " حجم " مربع من المعارف وهذا ما يجعله يميل الى طريقة الابتلاع الخالص دون وعي ولا فهم . فيصير كالببغاء يقول كلاما لا يفقهه قط . فما المانع ان يلاقي نابليون هارون الرشيد ؟ فكل ذلك اصوات تقال واشكال تكتب واذا غضبت عليه رماك بالظلم فهل هو مسؤول على تراكم المسائل فى دماغه ؟ هل اراد هو ان يكون لهذه المسائل من التشابه ما يمزجها في حافظته ويجعله عاجزا على تمييز بعضها عن بعض ؟
وعندما نفتش عن اسباب انحطاط مستوى تلاميذنا نجد من يقول ان نظامنا التعليمي هو الذي يفقد التلميذ ما اكسبه الله من توازن عقلي ومواهب طيبة واستعداد للنضج الفكري . ومنا من يقول انحط الشباب وتقلصت مواهبه بسبب " فساد العصر " الذي اكتسح منه عفته وفضائله . . .
والحقيقة ان جهود الطالب تشتتت بتعدد الفنون التي ادخلت في براوح التعليم دون ان يفسح لها المجال وبالمحافظة على البرامج القديمة - فكل تحوير ياتي بزيادة فى البرامج وفي ساعات التعليم .
زد على هذا ان العصر الذى نعيش فيه يشغل بال الشاب بأمور خارجة عن الدراسة . ولا اعني بذلك الملاهى واعمال الفساد وانما نشاطا مفيدا للطالب من حيث تكوين شخصيته وتربيته الاجتماعية كالحضور فى المسامرات والمشاركة فى المسابقات الرياضية ، والارتحال بقصد الاطلاع واحتكاك الافكار .... هذا العصر تعددت فيه لوازم الانسان ومشاكل حياته فاصبحت اوقاته قصيرة وصار فكره مشغولا فى الليل والنهار . والشاب قطعة من عائلته ومن المجتمع الذي يعيش فيه ولا مناص من ان يهتم ولو قليلا بمشاكلهما .
زد على هذا ايضا تكاثر الامتحانات التى نجريها على التلامذة . فلا ينخرط
طفل فى سلك التعليم الثانوى الا بعد امتحان الدخول فيعيش هو وعائلته اياما يعلم الله مرها ، ويعيش بعد ذلك فى جو الامتحان وفي خشية الرسوب وتمنى النجاح بين ضاغوت الخيبة ولذيذ احلام النصر وذلك طيلة دراسته الثانوية كلها . ومن خصائص الامتحان التى اثبتتها التجارب ان النتيجة ليست مطابقة لاعتناء الطالب والمدرس وعنائهما فجزاء التلميذ النابغ الذي انكب على دروسه وانهك قواه فى تحضير الامتحان هو . . الرسوب او ، إذا اسعفه الحظ ، النجاح مع الآخرين الذين اعارتهم لجنة الامتحان بعض نقط او تصدقت بها عليهم . فالنتيجة تعكس حظ المنخرط اكثر مما تعكس قيمته الثقافية . كنت يوما حالسا بلجنة من لجان الباكلوريا جمع فيها القدر " اكرم " الممتحنين وفي نفس الوقت والمكان كانت لجنة اخرى تنظر فى قسم آخر من نفس الرتبة . وقد ألفتها يد القدر من " ابـخل " الممتحنين - فكانت النتيجة فوق الستين في المائة بالنسبة للــلجنة الاولى ودون العشرين فى المائة بالنسبة للــلجنة الثانية - وتختلف النتيجة ايضا حسب حالة بدن الطالب يوم الامتحان - فالتلمذ المجتهد يرهق بدنه حتى يكاد يسئ اليه فيتقدم الى مـمتحنيه فارغ الرأس رغم الليالي التى قضاها في حشوه بالمعرفة واعصابه متوترة وعيناه محمرتان ولسانه ابكم وقلبه يخفق ويده ترتعش وغاية ما يستطيع هو ان يأتيك بقشاشى مقطعة مـمزقة من المعارف التي ابتلعها قبيل الامتحان حتى كاد ان يـختنق .
ومن " محاسن " الامتحان ارغام المدرس على الاعتناء بتحضيره - فينسى شيئا فشيئا مهمته الاساسية اى اكساب تلاميذه الثقافة الحقة .
هذه بسطة وجيزة لبعض الامراض التى اصابت التعليم الثانوي بهذه الديار - واملنا ان نجد عاجلا اطباء حكماء نكلفهم بعلاجها - ومما يتحتم علينا التخفيف من البرامج والتنقيص فى ساعات الدراسة وتخليص نفسية الطالب من طيف الامتحان حتى يرجع التلميذ ومعلمه الى الطريق الموصلة الى منابع الثقافة الحية الحقيقية - وليكن المبدأ الاساسي لهذا التحوير هو ايجاد تعليم يرضى قوميتنا وعصرنا دون ان نتعصب لنظام من نظم الشرق او الغرب او لشكل من اشكالهما او لطريقة من طرقهما .
