_1_
الأدب ملكة فنية ، يمضى وقت طويل حتى تتكون ، ويمضي وقت طويل حتى تتطور ، فالتطور الفني لهذا يكون عادة بطيئاً .
ولعل من أهم الأسباب في ذلك أن الحياة الأدبية متصلة بحياة العاطفة ، والعاطفة ، كما يقرر علماء النفس ، لا تتكون ولا تنمو إلا بالتجارب ، ولكل عاطفة تاريخ طويل ، وهي لا تظهر ولا تنمو فجأة ، ولكنها تظهر لأسباب تقتضي ظهورها ، وتنمو نمواً تدريجياُ بكثرة مثيراتها .
ومن هنا نستطيع أن نفهم السبب الثاني لبطء التطور الفني ، وهو أن الطفرة محال في الملكات الأدبية ، فمرور الزمن وتوالي الفرص ، كما يقرر علماء النفس أيضا ، أهم الأسباب لتنمية العاطفة التي هي أساس الملكات الأدبية ، ومن الممكن أن توجد الطفرة في العلم ، إذ هو يعتمد كل الاعتماد على العقل ، والعقل بطبيعته جريء وثاب ، وأكثر الحقائق العلمية قد ظهرت هذا الظهور الفجائي . فقد ظلت الأرض في أذهان الناس ثابتة لا تتحرك أزماناً متطلولة ، حتى ظهر فجأة من ينادي بأنها تتحرك . فإذا الأرض بين عشية وضحاها تدور حول نفسها بعد أن ظلت تلك الاحقاب الطوال ثابتة ؛ وأظن أن هذه الطفرة الواسعة التي حركت الكرة الأرضية فجأة لا يوجد لها نظير في الحياة الأدبية .
وسبب ثالث لبطء التطور الأدبي ، هو أن حاجة الحياة إلى الأدب أقل من حاجتها إلى العلم ، ومعنى هذا ان عوامل الحياة تدفع العلم إلى التقدم والتطور لشدة حاجتها
إليه ، في حين تقف من الأدب موقفاً أقرب إلى أن يكون مسا رفيقا منه إلى أي شئ آخر ، وأقرب دليل على هذا ذلك الاستعداد للحرب الذي أشهدنا تطوراً رائعا خصباً في الحياة العلمية حطم الذرة ، في حين ظلت الحياة الأدبية نائمة حيث حلا لها النوم من قبل .
وسبب رابع هو أن الحياة الأدبية مردها إلى الذوق ، والذوق يحتاج إلى تربية ومران طويلين ، فإذا انتهت فترة التكوين الذوقي فمن أصعب الأشياء أن يغير الذوق اتجاهه ، وهذا التغيير ، إن لم يكن منه بد ، يحتاج إلى زمن طويل وصراع عنيف حتى يتم ، ولهذا السبب ترى دائما ذلك الصراع التقليدي بين القديم والجديد في كل مرحلة من مراحل التطور الأدبى ذلك لأن ذوق المجتمع الأدبي الذي ألف أدباً خاصاً يحتاج إلى زمن وصراع حتى يألف مزاجاً آخر من الأدب ، وهذا الصراع بين القديم والجديد لا نراه في التطور العلمي ، لأن العلم ليس مرده إلى الذوق ، وإنما إلى قواعد مقررة ولكنها ليست مفروضة على العقل فرضاً ، فقد يأتي عقل يغيرها من أساسها ، فيتغير العلم تبعاً لذلك دون صراع بين القديم والجديد
وسبب خامس لبطء التطور الأدبي ، هو أن المحاكاة أساس من أسس الحياة الأدبية . ويرجع ذلك إلى وجود مثل أدبية قديمة واحترام الأدباء لها ، ولعل هذه النظرة الأولى من ناشئة الأدب إلى الماضي هي حجر الأساس في بنائهم الأدبى . ومن القواعد المقررة في النقد الأدبى ، أن كل أديب ناشئ يصرف اتجاهه عن المثل الأدبية القديمة
يسقط أدبه عن مستوي الأداء ، ومعنى هذا أن التطور الأدبي لا يأتي إلا بعد دور المحاكاة الذي قد يطول وقد يقصر تبعاً لاستعداد الأديب وموهبته الفنية
هذه أهم الأسباب التي تجعل التطور الأدبي بطيئاً ، ولكن يجب أن نقيد كلامنا قليلاَ ، فليس الشعر والنثر سواء في هذا التطور الفني ، بل هناك اختلاف ملحوظ بينهما في سباق هذا التطور يدعونا إلى التساؤل أى الفنين أسرع استجابة لعوامل التطور ؟.
لو أننا ألقينا نظرة تجلي ، ولكنها متعمقة ، على هذين الفنين في الأدب العربي ، للاحظنا أن الشعر من أقدم عصوره إلى اليوم يكاد أن يكون سائراً في طريق متشابهة المعالم لم يحد عنها إلا بقدر .
وأول ما يلفت النظر أن الشعر العربي لم يخرج في عصر من عصوره عن كونه شعراً غنائياً ، أما الشعر التمثيلي وشعر الملاحم ، والشعر التعليمي ، فلا نكاد نعثر على شيء منه إلا مع شئ من التجوز والتعصب ، أما أسباب ذلك فلسنا الآن بصدد البحث فيها ، وإنما نحن بصدد تقرير حقيقة واقعة ، وسواء أكانت هذه الحقيقة الواقعة لسوء حظ الشعر العربي أم لحسنه ، فالشئ الذي لا ريب فيه هو أن الشعر العربي سلك علي مر عصوره هذه الطريق الغنائية " الليريك " ولم يحد عنها إلا بقدر .
وملاحظة ثانية تستحق النظر ، وهي مسألة " عمود الشعر " كما يسميها القدماء ، أو "كلاسيكية الشعر العربى " كما يصح أن نسميها ، تلك " الكلاسيكية " التى جعلت الشعراء يدورون حول عمودها كأنه ضريح لأحد الأولياء الصالحين لا يكادون يبعدون عنه حتى تتعالي صيحات شيوخه بوجوب التمسك به والتمسح بأركانه ؛ وكان من أكبر جنابات هذا العمود على الشعر العربي أنه خنق محاولات التجديد فيه وعاق تطورها وتقدمها ؛ وإذا لاحظنا أن الشعراء حتى أواخر القرن الماضي وأوائل القرن الحاضر ظلوا متمسكين بذلك " العمود الأثري " الذي أصبح رمزاً للجمود في الشعر العربي ، استطعنا أن ندرك بسهولة مدى التطور الذي تطوره الشعر العربي منذ أقدم عصوره حتى اليوم .
ولسنا ننكر أن القصيدة العربية اليوم صورة متطورة من القصيدة القديمة ، ولكنه تطور يجب أن يطأطئ رأسه أمام أي تطور آخر تطورته الحياة في مظاهرها المختلفة ؛ فقد ظلت الأوزان هي الأوزان ، ونظام القافية هو نظام القافية ، وظلت الموضوعات هي الموضوعات ، وظل البيت وحدة القصيدة العربية ، وظلت القصيدة العربية .
كما يقول بعض المستشرقين ( ١ ) : " حبلاً من حقائق متفرقة يمكن أن تتكوم ولكنها لا يمكن أن تترابط " وعلي ما في هذا القول من مبالغة فانها مبالغة كالحقيقة أو حقيقة كالمبالغة . ولا أكاد أستثني من ذلك إلا بعض المحاولات التي يحاولها شباب الشعر في هذه الأيام ، ولكنها على كل حال لم تعد دور المحاولات ، وإن كنت ألاحظ أن التجديد في أكثرها منصب على تغيير نظام القافية ووحدة الوزن فحسب ، دون اهتمام بالبناء الداخلى للقصيدة ، وليس هذا ما نريده من التجديد الشعري ، لأنه تجديد يمس الصورة والعرض - كما يقول المناطقة - دون مساس بالجوهر ،
ورب قصيدة ذات قافية واحدة ووزن واحد أشد إيغالاً في التجديد من حيث جوهرها من قصيدة ذات قواف متعددة وأوزان متعددة ، وجوهرها قديم ، ولكننا على كل حال نأمل أن تنضج هذه المحاولات فتزيل عن الشعر العربي تلك الوصمة التي لحقته ، وصمة الجمود والتوقف في عصر الطيارات التي تسبق الصوت ! .
وملاحظة ثالثة نلاحظها على تاريخ الشعر العربي ، هي تلك المحاولات التجديدية التي كانت تظهر بين حين وآخر وهذه المحاولات نستطيع أن نردها إلى نوعين :
إما محاولات سطحية تتصل بالطلاء الخارجي للقصيدة لا ببنائها الداخلي . وإما محاولات كانت تكون ناجحة لو أنها وجدت من يفهم رسالتها ، ولكنها لم تجد ، فذهبت مع الريح ، كما يقال .
على أنني لا استطيع أن أغفل محاولتين ناجحتين في التجديد الشعري الحقيقى ، وربما أضيف إليهما محاولة ثالثة .
أولى هذه المحاولات الناجحة كانت محاولة الرجاز تطوير الرجز العربي في العصر الإسلامي علي أيدي العجاج وأبي النجم ورؤية وأضرابهم ، هذه المحاولة التي نقلت الرجز من " فن شعبى " تقال فيه الآبيات القليلة في موضوعات شعبية محدودة إلى فن يتسع لكل الموضوعات التي يقال فيها القصيد . حتى أصبحت الأرجوزة لها كل ما للقصيدة من خصائص وتقاليد ، وظل الرجز في تطوره حتى رأيناه في العصر العباسي يتسع لمحاولات الشعر التعليمي التي قام بها أمثال أبي العتاهية وصالح بن عبد القدوس ، وحتى رأيناه في العصر الحديث متسعاً لمحاولات الشعر القصصى التى حاولها بعض الشعراء فيه أمثال شوقي في ديوانه الرجزي " دول العرب وعظماء الإسلام" .
والمحاولة الثانية الناجحة كانت في العصر الإسلامي أيضاً على أيدي شعراء السياسة من مختلف الأحزاب السياسية التي ظهرت في ذلك العصر ، تلك المحاولة التي دفعت الشعر السياسي العربي من طور الجاهلي الساذج من فخر بالقبيلة أو ثورة عليها إلى نهضة رائعة ممتازة لها شعرها السياسي بمعناه الواضح الدقيق .
ونستطيع أن نضيف إلي هاتين المحاولتين محاولة ثالثة كانت ناجحة إلى حد ليس بالقليل ، وهي محاولة شعراء الغزل في العصر الإسلامي أيضا الاستقلال بفنهم المترامى وهي المحاولة التي نقلت شعر الحب من أن يكون مقدمات للقصائد إلى لون من الفن يتخصص فيه شعراء يفنون حياتهم في صلوات صادقة يسكبونها في محاريب معبده ، وهي محاولة استمرت في العصور التالية ، وكانت مجددة في نواح كثير تقربنا على أن نسلكها مع المحاولتين السالفتين ، إلا أنها كانت مقلدة في بعض النواحي ، وإن يكن تقليدها "شكلياً " إن صحت العبارة .
أما ما عدا هذه المحاولات فنستطيع أن نردها في سهولة إلي النوعين السابقين . * فمحاولة زهير بن أبي سلمي ومدرسته الذين كان القدماء يسمونهم " عبيد الشعر " تقدمت بالشعر من طور النضح الطبعي الذي تم عند امرئ القيس إلى طور النضج الصناعي ،
هذه المحاولة كان يمكن أن تكون أكثر نجاحا لو أنها وجدت من اسير برمالتها قدما دون ان يقف بها او يفسدها ، إلا أنها عندما وصلت إلي شعراء البديع ، وهم آخر من خرجتهم هذه المدرسة ، وصلت إلي نهايتها ؛ ذلك أن أبا تمام قد انتقل بفن هذه المدرسة إلى قمة لم يستطع غيره من الشعراء أن يساميه إليها ، ومن هنا لم نجد تقدما بعد أبي تمام في هذه المدرسة ، وعند هذه القمة التي وصل إليها أبو تمام كفن فن هذه المدرسة في أكفان بديعية منمقة ، وخط له مثواه بين أشجار من الطباق والجناس والتورية ؛
وجاءت بعد ذلك محاولة المتنبي لبث القوة في الشعر . وأحب أن أسجل هنا أن فن المتنبي غير فن أبي تمام ، وان مذهب المتنبي في الشعر ليس امتداداً لمذهب أبي تمام ، كما يقول بعض مؤرخي الأدب العربي . ومن الحق أن المتنبي تأثر بابي تمام ، ولكن التأثر شئ والمذهبية شيء آخر ، فذهب المتنبى يقوم في مجموعه على القوة ، وأما مذهب أبي تمام فيقوم في مجموعه على التجميل والتنميق . وكانت محاولة المتنبي تكون ناجحة لو وجدت من ينعم رسالتها ، ولكن المتنبي ابتلى بشاعر بعده ترسم خطاه فأساء إليه ، ذلك الشاعر هو المعرى ؛ فالمعرى أعجب بفن المتنبي إعجابا شديداً حتى لقد اعتبر شعره معجزاً ، فسمى كتاب عنه " معجز أحمد "
وبالغ المعرى في تصنعه ، وأتيح له من الفراغ ما جعله يصل بالشعر إلى درجة من التصنع الثقيل حاول فيه أن يخضع الشعر للفلسفة ، لا أن يخضع الفلسفة للشعر ، فوصل إلي شئ لا هو من الشعر في شيء . ولا هو من الفلسفة في شئ وإنما هو أقرب الأشياء إلى تمرينات لغوية كتلك التمرينات الحسابية التي يحاول فيها الرياضى أن يجرب كل الوجوه الممكنة في عدد من الأعداد ، وكانت النتيجة أن محاولة المتنبى بث القوة في الشعر لم تتطور إلي كمال ، بل انحرفت إلي اتجاه آخر أفسدها .
وأما محاولات بشار وأبي نواس ، قبل ذلك فلم تكن محاولات مخلصة أو جادة ؛ فبينما نري بشارا وأبا نواس يدعوان الشعراء إلى طرح القديم والارتماء في أحضان الجديد
( البقية على صفحة ٢١ )
( بقية المنشور علي صفحة ١٧ )
نجدها يقلدان القديم في كثير من قصائدهما ؛ ومعنى هذا أن دعوتهما للتجديد لم يكن ينتظر لها النجاح لأن صاحبيها لم ينتصرا لها كل الانتصار ، ولأنها إلى جانب ذلك قد سلكت طريق الهزل واللهو والعبث ، فنظر إليها الناس على أنها من عبث هؤلاء الشعراء العابثين ، أو " عصابة المجان " كما كانوا يسمون أنفسهم ، وأنها ليست من الجد في شيء .
وأما محاولة أبي العتاهية في الشعر التعليمي فلم يقدر لها النجاح الفني الذي كان ينبغى لها ، ولم تجد من يتم رسالتها فنيا كما بدأها أبو العتاهية ، وتقول " فنيا " لأن من اتبع أبا العتاهية في شعره التعليمي كانوا جماعة من العلماء اتخذوه وسيلة لنظم علومهم تيسيراً لحفظها ، فبعدوا به عن طابعه الفني الذي طبعه به أبو العتاهية ، وانتقلت المسألة عندهم من شعر تعليمي إلي تعليم شعرى .
وأما محاولات شعراء الأندلس التي أنشأت الموشحات ، فأظن أنني لست في حاجة إلى أن أقول إنها كانت محاولات سطحية تتصل بالطلاء الخارجي لا البناء الداخلي ؛ وهي ، عندي ، ليست أكثر من قتل لأوقات الفراغ التي كانت تملأ حياة هؤلاء الشعراء بأمثال هذه الألوان من التسلية الفنية التي لا تكلفهم مجهوداً كبيراً ، والتي هي أشبه الأشياء بألعاب التسلية التي تقتل بها أوقات الفراغ .
وأما المحاولات الحديثة في الشعر التمثيلي والشعر القصصى التي بدأها شوقي ، ومحاولات شعراء المهجر في سبيل الشعر المهموس ، كما يحلو لبعض النقاد المحدثين أن يسميه ، فهي لا تعدو أن تكون محاولات لم نشهد بعد خط تطورها ، ولا نستطيع أن نسبق الزمن لإصدار حكمنا عليها ، وإن كنا نلاحظ أنها لم تصل إلى درجة النجاح الكامل ، وان شعراء المهجر قد أضعفوا مستواهم الأدائى بقطع صلتهم بالتراث العربي القديم .
هذا شأن الشعر ، أما النثر الفني فقد كان شأنه غير ذلك .
( البحث بقية )

