إذا كان لك في نفسك وسيارتك من الثقة ما يجعلك تقدم على السفر من القاهرة إلي الإسكندرية ، فلا تخش كثيرا من السفر بهذه السيارة إلي انجلترا عن طريق شاطئ إفريقية الشمالي . لقد قمت أنا وزميل لي بهذه
الرحلة منذ اربع سنين ونصف سنة ، أي قبل أن تتأجج نار الثورة في إسبانيا ، فإذا شئت أن تخترق هذه البلاد سالما فانتظر بعض الوقت حتي يخبو سعير هذه الفتنة الحماء فإذا لم تر الانتظار ، وجب عليك أن تنتقل أنت وسيارتك في سفينة من مدينة الجزائر إلي مرسيليا ، ثم تتم منها رحلتك إلي انجلترا ، أو أن تبحر من طنجة أو الدار
البيضاء إلي انجلترا أو فرنسا وإذا صحت عزيمتك على السفر ، فإن أول ما يتبادر إلي ذهنك هذان السؤالان . " هل في استطاعتى أن أقوم بنفقات الرحلة ؟ " و " كم من الزمن تستغرق ؟ " وجوابي عن السؤال الأول أنك إذا كنت ممن يرغبون في السفر منعمين ، فينزلون في فنادق من الطبقة الأولى كلما استطاعوا ، فإن أمر النفقات لا يعلق ببالك بطبيعة الحال ، أما أنا وزميلى فقد عسكرنا في طريقنا إلي لندن إحدي وعشرين مرة ، ولم ننزل في الفنادق إلا عندما ألجأتنا الظروف إلي ذلك .
وتتوقف النفقات بعدئذ علي معدل ما تستهلكه سيارتك من الزيت والبنزين . وقد يكون في مقدورك ان تحسب الحساب بنفسك ، إذا قلت لك إن ثمانية عشر يوما تكفي لقطع الطريق البالغ طوله خمسة آلاف من الاميال تقريبا .
وإذا ظفرت بعربة متوسطة الحجم حديثة الطراز ، فإن أربعة عشر يوما تكفي للسفر من اهرام الجيزة إلي كتبسة القديس بولس في انجلترا ، ذلك اننا نحن لم تستغرق في سفرنا إلا عشرين وما ونصف يوم ، مع وجود مرحلتين لم يكن فيهما طريق معبد فوق رمال الصحراء . أما الآن
فان في شمالي إفريقية بعد السلوم طريقا من أجود الطرق الصحراوية ، في حين أن بين القاهرة والعامرية طريقا جيدا أيضا . ويجدر بنا كذلك أن نذكر أننا امتطينا سيارة خفيفة بلغت من العمر تماني سنين ، وأننا اخترقنا الصحراء في حر الصيف اللافح الذي زادته شدة على شدته موجة من موجات الحر التي تطغي علي شمالي
إفريقية في بعض الأحاينن
إن ركوب السيارات في مصر يعلم الراكب الجرأة ويكسب اعصابه الشدة والصلابة ، ولذلك لا اعتقد ان في القراء كثيرين يظنون اننا لافينا في سفرنا بالسيارة إلي انجلترا عن طريق شمالي إفريقية نصبا كبيرا . أما القنادق فليس منها في المرحلة الاولي الواقعة بين القاهرة ودرئة ، والتي يبلغ طولها ستمائة ميل إلا اثنان ، ويوجد في شاطئ طرابلس من درية إلي اجدابية ما يحتاجه المسافر منها ، ثم تأتي بعد ذلك اربعمائة ميل اخري من اجدابية إلي مصراطة
ليس بها إلا نزل صغير حقير ، ولما كان رفيقي تشارلس دكي الموظف السابق بمصلحة المساحة من المغرمين مثلي بالسفر في الصحراء والبيت في الخيام ، فقد استقر رأينا على أن نعسكر في الطريق كلما استطعنا ، ولهذا أخذنا حاجتنا من ادوات المعسكرات والطهي والزاد وحوضا من الماء يسع أربعة عشر جالونا وما تحتاجه من البترول ، وجهزنا السيارة ايضا تصنع صغير لإصلاح ما قد يطرأ عليها من العطل في الطريق ، ثم غادرنا القاهرة في مساء يوم من أيام شهر يوليو سجل الترمومتر فيه درجة ١٠٤ فهر نهيت .
ولقد حرصنا على أن نأخذ حاجتنا من إطارات المطاط الضخمة الجديدة الصحراوية ، ولذلك لم تغص سيارتنا في الرمال الناعمة التي صادفتنا في اسوا مراحل السفر . وقد يدهش القارئ إذا قلت له إن اشق اجزاء الرحلة وا كثرها خطورة هو المنخفضات الرملية الواقعة بين القاهرة وأخر بحيرات وادي النطرون ، أي التسعة والتسعون ميلا الأولى بعد اهرام الجيزة ، وذلك بالطبع قبل ان ينشأ طريق الإسكندرية الصحراوي . ولم نصادف بعد ذلك رمالا حتى وصلنا إلي حدود طرابلس . لكن هذا الجزء ايضا قد انشئ فيه الان طريق صحراوي جيد ، ويوجد بعد العامرية جزء
صحراوى آخر تتوقف صلاحيته على كثرة ما يسير فيه من السيارات الحربية بين السلوم والإسكندرية ، وعلى ما يبذل من العناية في تعهده وإصلاحه . ويري عند السلوم طريق متسع يصعد فوق الهضبة بعدة درج ملتوية سهلة الانحدار يصل المسافر بعدها إلي احد المخافر الأمامية بين مصر وطرابلس ، وبعد أن اخترقنا خطوط الاسلاك الشائكة ومررنا بالجمارك إلايطالية وجدنا انفسنا في طريق واسع لا يقل طوله عن مائة وعشرين ميلا تتخلله اجزاء غير معبدة . وقد اصلح هذا الطريق الان فأضحي ولا خطر فيه من السير السريع ، وهو مستقيم لايري فيه تموج ، ويتجه غربا إلي طبروق ، إلا انه لا يحسن السير فيه آخر النهار لان الشمس تسطع في وجه المسافر حتي تغيب . ويمتد الطريق كله فوق هضبة مستوية تغطها الأعشاب القصيرة وتكتشفها صحراء
هي أجدب البقاع التي صادفتها في تجوالى خلال صحاري العالم المتدة من ممر خبير في الشرق إلي المحيط الاطلنطي في الغرب ، وهو إلي ذلك ساكن موحش إلا من قليل من الغزلان أو الطير البري الذي يصادفه المسافر من حين إلي حين . وثمة طريق ثان إلي طبروق يبدأ من امسيت ويمر ببلدة برديه ، ولكنه اطول من الطريق الاول . ويصبح السفر بالسيارة بعد طبروق متعة حقة ، فالطريق فخم ممهد تكتنفه
من الجانبين الاحجار البيضاء والسوداء ولوحات الابعاد مرقوم عليها عدد الكيلومترات ، شأن الطرق الإيطالية
جميعها ويستمر كذلك إلي اخر حدود طرابلس . ويخترق المسافر بين درنه وببي فازي إقليما من اجل الأقاليم وأفخمها منظرا ولقد خيل إلينا ونحن غرية انه جزء من بور كثير والحذر نارت فيه أجزاء من إقليم الغابة السوداء بأنانيا ذلك أن السيارة تنقلت من صرح أخضر جميل إلي آخر أجمل منه ، تعلو بك حينا وتنخفض حينا وكلها قليلة السكان وقد رأينا في تلك البقاع سكانها العرب البائسين وقد تجمعوا
في الغالب في محلات واسعة ولم يفتنا في سفرنا ان تجمع الخلنج والأزهار البرية ، حتي أنسانا ذلك في كثير من الأحيان أننا لا نزال في خط عرض الاسكندرية وعلى مسيرة يومين لا أكثر من مدينة القاهرة . ويكثر قيرونة الاثار الرومانية الفخمة التى تستهوي الكثيرين من المسافرين وتبهرهم بجلالها أما انا وزميلي المعلقان اللذان لم نثقف ثقافة عالية فلم نقف إلا ريثما نجتلى مشاهد الطبيعة ونمتع انفسنا بجمالها الخلاب.
ولا عجب إذا ترك الرومان ذوو العقول الراجحة اوربا الجنوبية واستدلوا جنات افريقية الشمالية . ذلك ان جمالها جمال لا يدركه إلامن راه بعينه واستمتع به بنفسه ولاتزال الفاس والمحرات يعملان في شق الأرض الخصبة الشجراء وإذا ابتعدت عن المدن العامرة فقلما فقد تقع عيناك على إنسان ، لكن الغابات والأغياض التي تكسو التلال المتماوجة تجعل المسافر لا يصدق انه لا يزال سائرا في قارة أفريقية . ( يتبع)

