الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 633الرجوع إلى "الثقافة"

من مطالعات الكتب

Share

في العدد ٦٣٠ من الثقافة فحصت للقراء بعض ما ورد في كتاب " الصيد في غابات السودان " لمؤلفه الأستاذ جاد الله طانبوس خاصا بصيد الأسد ، وفي هذا العدد الخص للقراء بعض ما ورد في الكتاب المذكور خاصا باعتقدات سكان الغابات الاستوائية وخرافاتهم ؛ وذلك فيما له علاقة بموضوع الكتاب .

عروق الإشجار :

يقول المؤلف : إن لعروق الأشجار شأنا أى شأن في اعتقاد الذين يسكنون الغابات ؛ فهم يزعمون أن في بعض العروق قوة علوية تنفع الإنسان أو تضره. ويسرفون في هذا الاعتقاد إلى حد بعيد ، فيتخذون من عروق بعض الأشجار ترياقا لسم العقرب والأفاعي ، وعائم لإبعاد الأذي أو جلبه ، وعروقا لإبطال السحر ، وعروقا لاقتناص الحيوان ، أو لمعالجة بعض الأمراض وهكذا .

ثم يقول المؤلف : ولكن الذي يدعو إلى الدهشه حقا  اني جربت مره عرق الاثر في صيد الافيال ... نظرت الي  آثار قطيع من الأفيال ، ثم انقيت اكبر اثر فيها وطعنته بالعرق كما يفعلون . ثم تتبعت الأثر فإذا بفيل ضخم اقطع من القطيع وبقي في مكانه كانما علي موعد معي ... ولست أدري فلعل هذا عن طريق المصادقه

ثم يروي المؤلف القصة الآتية : كنت مرة في جبل اللادو في مديرية متجلا ، ونزلت ضيفا على أحد الكجور ( هو الرئيس الديني للطوائف الوثنية هناك ) ، وقد أهديت إليه بعض الهدايا التي يرغب فيها أهل هذه البلاد كالخرز والحديد والسكر والشاي والمناديل الحمراء ؛ فاكبر هديتي وأكرمني ، واعترافا بفضلي أراد أن يكافئني فقال : إذا رأيت وحيد القرن يسير وحده في الغابة . وكان ذكرا كبر السن فاتبع اثره حتى تراه واقفا عند شجرة يحفر جذورها ويأكل عروقها . . ثم خذ بعض هذه العروق واطبخها في

الماء كما تطبخون الشاي واشرب مغلتيها ، فإنها تجدد القوة وتعيد للشيخ شبابه . فشكرت الكجور على هذه النصيحة ومضيت هازئا بهذه الحرافة .

ولكن الأستاذ جادالله يحس فيما بعد بالتقصير فيما عمل ويأسف على انه لم يجمع عددا من هذه العروق ويعرضها على الإخصائيين لفحصها وتحليلها ، فربما وجدوا فيها ما ينفع الناس .

الثعبان المقدس :

يقول المؤلف : زرت ذات يوم أحد مشايخ الزنوج في خلدة بور بإقليم بحر الغزال . " وانزلني في الواق - وهو عبارة عن فناء مستطيل مسفوف تبيت فيه الأبقار ليلا لكي تكون في مأمن من الأمطار والوحوش المفترسة - ثم أمر أتباعي أن يضعوا سريري السفري بقرب الكجور - والكجور في اعتقاد الوثنين بهذا الإقليم هو الروح المقدسة المنقمصة في جسم ثعبان ، وهو صاحب السلطة الروحية الذي يجلب الخير ويمنع الشر - والشيخ لا يبغي من إيجادي في الواق - حيث تبيت المواشي التي يبجلونها ويغرب الكجور ( الثعبان ) إلا المبالغة في  إكرامي والوصول بي إلى أرفع درجات الاحترام .

دخلت هذا الواق وابتدأ مضيفي يبالغ في تحيتي ، وبينما نحن نتجاذب أطراف الحديث إذ بأولاده يقدمون اللبن والزبدة للثعبان ويلاعبونه كأنه قط أليف ، والثعبان يلاعبهم كذلك من غير أن يمسهم بضرر ، مع أنه من النوع الناشر شديد السم . . فهمت عندما رأيت هذا المنظر وسألت الشيخ : أيفهم الكجور لغتك ؟ قال : ويعلم الغيب .

وفي أثناء ذلك كان الثعبان يرفع رأسه ويمد لسانه ويلحس ما علق في فمه من آثار الزبدة .

فقلت للشيخ مرة اخري : هل يمكنك أن تكلمه لكي يخرج الآن ثم يأتينا في الصباح ؟

فقال : طبعا - ووقف يتحدث بلغته ثم أشار إلي السماء ؟ فما كان من الثعبان إلا ان انسحب وخرج من الواق .

فتعجبت من ذلك وقلت له : بماذا حدثته ؟ فقال : التمست منه الخروج الآن . ثم العودة عند ما تكون الشمس في الكان الذي أشرت إليه في السماء - ولشد ما دهشت عندما رأيت الثعبان قد عاد في الموعد المحدد - وقد دفعني حب  الاستطلاع إلى الوقوف على مدى عقيدتهم في هذا الثعبان . فاستدرجت الشيخ في الحديث عنه . حتى عرفت منه انهم يرجون منه الخير ويستعطفونه لرد المكروه . ثم استمر في الحديث معي حتى قال : وإذا صاهرت أسرة أسرة أخرى ورحل العريس لريارة عروسه وأسرتها لحق به الثعبان إلى دارها مهما بعدت منفردا بدون مرشد ، ويتخطى أناء رحيله الأنهار والجيران ؛ فإذا ما رأوه تهللوا بقدومه واحتفاوا به وأكرموه . فيمكث معهم ما يشاء من الوقت ! وعندما يريد العودة إلى مقره يحضرون نورا ويسيرونه أمامهم وهم يهللون ويرقصون . وعند وصولهم إلى الواق بذبحون الثور فتضرب المغارة ، ويقيمون الأفراح وتقدم المريسة للضيوف ، ويشرب الثعبان من دم الثور المذبوح ويستمر الحال علي هذا المنوال من ثلاثة إلى سبعة أيام .

السير :

ويقول المؤلف : يمارس شيوخ قبيلة الباديه الوثنية طقوسا دينية غريبة ، ومن هذه الطقوس ما يسمي ( بالسير ) وهو تميمة تمنح لطالب الصيد وتعد عندهم من الأسرار التي لا تكشف لكل صياد ، وقد أدلوا لى بها بعد أن عدوتى من المقربين إليهم تقديرا لحسن معاملتى لهم ، وذلك بعد أن أقمت بينهم مدة طويلة . .

ذهبت مرة إلى الكجور ( الرئيس الديني ) وتقدمت له برجاء إعطائي السير لصيد الفيل ، فقلت له : أنا زول ( إنسان ) مسكين ودابر ( طالب منك ) تديني ( تعطيني ) فيلا أو اثنين من غابتك - ثم قدمت له هدية من الخرز والسكر والشاي ومنديل أحمر - عند ذلك دعا الكجور ستة من رجال القبيلة المعمرين فجلسوا حوله في

شبه دائرة وفي يد كل منهم قطعة رفيعة من فروع الشجر الأخضر طولها نحو عشرة سنتمترات - ثم قال لهم : الأفندي هذا مسكين وداير فيل أو فيلين بتاع غابتنا . وبعد صمت قصير أرسل الكجور هذه الدعوات :

" يا الله بتاع الغابة بتاعنا . يالله بتاع ابهاتا ( آبائنا ) . يا الله بتاع الأفيال . يالله بتاع تراب بلدنا . يا الله بتاع المطر . يا الله بتاع البحر . الأفندي مسكين  ووصل لغاية عندنا ، أعطوه فيل أو فيلين من الأفيال ، فتشوا عن الأفيال الكبيرة في الغابات واطردوها إلى غابتنا . ثم صمت الكجور ونحو خمس دقائق وقال بلهجة التوكيد :

" الفيل وصل . الأفندي قابله . الأفندي ضربه بالرصاص . الفيل وقع مات " .

قال الكجور ذلك وكأنه بصور حالة واقعة - وفي هذه اللحظة كسر الرجال الستة فرع الشجرة الذي بيد كل منهم ورموها دفعة واحدة على الأرض ثم صاحوا جميعا هراء هراء . هراء ( أي أمين ) - وبعد ذلك سار الكجور إلي مهنئا لأنه اعتقد أني قد نلت مرامي .

ثم يقول المؤلف : والغريب أنه لم يمض أكثر من ثلاثة أيام بعد منحي هذه التميمة حتى وجدت توفيقا عظيما في صيد الأفيال .

اشترك في نشرتنا البريدية