الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 639 الرجوع إلى "الثقافة"

من مطالعات الكتب

Share

عثرت من عهد قريب وأنا أنبش في أكداس الكتب المحشودة حشدا بإحدي المكتبات على كتاب صغير عنوانه : " منظر أوربا العجيب ، وملخص رحلات نجيب لمؤلفه نجيب حسين الجندي - والكتاب مطبوع القاهرة سنة ١٩١١ .

والذي لفت نظري في هذا الكتاب أمران : الأمر الأول أن مؤلفه من سكان القرى بالريف المصرى ؛ فقريته طنامل بمديرية الدقهلية - ولم يكن سكان الريف في ذلك العهد ممن يهتمون بالرحلة خارج القطر . والأمر الثاني أن المؤلف قام برحلاته هذه ولم تتجاوز سنه العشرين من عمره ، وهذا أمر كان نادر الحصول بالنسبة لشباب ذلك الجيل . والذي زاد في إعجابي أيضا أن المؤلف - كما يقول في مقدمة كتابه - لم يكن على قسط يذكر من الثقافة ؛ فوفاة والده في سنة ١٨٩٧ اضطرته إلى الانقطاع من المدرسة وهو لا يزال حدثا ، وإلى الإقامة في بلده طنامل لإدارة أملاكه .

ثم يقول المؤلف إنه لما كان بطبعه محبا للاطلاع خامرته فكرة السفر والرحلة لاستكمال ما فاته من أسباب العلم والمعرفة ، وكانت باكورة أسفاره الأرتجال إلى الآستاذة في سنة ١٩٠٤ ، ويتبين من مقدمة الكتاب أن الذي هداه إلى هذا الاختيار نزعة دينية في نفسه وأخرى جنسية ، " فالآستانة العلية - كما يقول - دار الخلافة العظمى ، ومقر عرش آل عثمان العظام ، وعاصمة الممالك العثمانية التي من ضمنها مصر " . ثم يشير المؤلف إلى نزعته الآخرى عندما يقول : " إنه ولد من أبوين وفد آباؤهما على مصر من بلاد الأناضول ، وكانوا من الضباط الترك الذين اشتغلوا بالجيش المصري " .

وقد رأي المؤلف بعد أن زار تركيا وأوربا أن يجمع مشاهداته في هذه البلاد في كتاب ، وهو هذا الكتاب الذي نحن بصدده وقد جعله هدية زهيدة لأبناء وطنه الأعزاء . .

ومع أن المؤلف محدود الثقافة ؛ فإن وصفه لمشاهداته وتصرفاته في دار الغربة يدل على فهم سليم ، ودقة في التعبير ، وخيال خصب .

يقول المؤلف في وصف سفره : ركبت الباخرة من ثغر الإسكندرية يوم أول أغسطس بعد توديع الآل والأصدقاء . ولما كانت تلك هي أولى رحلاتي إلى بلاد أجهلها ولا أعلم إلا القليل من عاداتها ، وكانت حتى لم تتجاوز العشرين ؛ فما سرت قاصدا الباخرة حتى شعرت بضيق بالصدر ووحشة ، وكأني كنت قادما على شيء هائل كما يصور الوهم لمن لم يسعده الحظ على احتراق البحار ، وكانت نفس تحدثني عن العدول عن السفر . ولكن وجود بعض الأقارب والأصدقاء ، بصحبتى جعلني اتشجع ، ولا أظهر نفسى أمامهم بمظهر الخائف الوجل . . فلما تحركت الباخرة وصارت باسم الله مجراها . وقفت أنظر إلى الإسكندرية التى كانت تغيب عن نظري قليلا قليلا حتى توارت عنا بعد أن اخترفنا البوغاز وابتعدنا عنها بضعة أميال ، وعندها شعرت بالوحشة والغربة . . وقضيت ليلتي وعيناي لم يعاودهما النوم ، بل ظلتنا مفتوحين إلى الصباح . . وصعدت إلي ظهر الباخرة ، واستلقيت على ذلك المقعد المستطيل ؛ فعرفني أحد الأروام من أصحاب الفنادق بالمنصورة ، وجاء يحدثني وقد أذهب عني الوحشة . . وصرت انظر إلي ماء البحر الضارب إلى الزرقة وإلى السماء الصافية ، والنسيم العليل ، فعاودتني قوتي وصرت أتأمل في قوة الله جل وعلا خالق السموات والأرض ، وكيف أوجد العالم ، وجعل من الأرض يابسة وماء تسير فيه البواخر حاملة لخلقه من بني الإنسان .

وجد أن عرجت به السفينة على ثغر بيريه باليونان ، وتغر أزمير بالآناضول تصل به إلى مدخل الدردنيل ، وكان وقت الفجر والركاب نيام . . " فنهضنا وصعدنا إلى ظهر الباخرة ونظرنا إلى ذلك المضيق العجيب ، الذي أكسبته الطبيعة منعة وقوة لأن طريقه متعرجة ؛ فبينما تسير الباخرة في بحيرة تحيط بها الجبال من كل الجهات ؛ إذ تظهر أمامك

فتحة يقوم على حافتيها جبلان عاليان يكادان يلتطمان والحصون باسفلهما ، فتمر السفينة إلي مضيق ، وهكذا من بحيرة إلى مضيق ومن مضيق إلى بحيرة . . وأخيرا دخلنا بحر مرمرة ، وكانت تظهر أمامنا جبال الرومللي وبعض هضاب آسيا حتى وصلنا إلي استفانو وصرنا بحذاء جزائر الأمراء ، وظهرت لنا الآستانة بمظهرها البديع ، وقد أكسبتها مساجدها المقامة فوقي ربواتها العالية بمناراتها المتعددة ، منظرا بكل عن وصفه الواصفون ، والباخرة سائرة إلى أواسط للدينة ؛ لأن مباني المدينة الشاهقة كائنة على هضاب الأناضول والرومللى . فتظهر كأنها ملتفة حول مرسى البواخر ثم نزلنا من الباخرة إلي رصيف الجمرك حيث مكثنا ما يزيد على ساعتين ، قضينا أكثرها مع عمال الباسبورتات في سؤال وجواب ، حتى تضايقنا كثيرا ، خصوصا من تلك الأسئلة الثقيلة المختصة بكيفية حضورنا . . ثم أقلتنا عربية من الجمرك إلى الفندق الذي اختاره لنا صاحبنا الصايغ المصري الذي تعرفنا به على ظهر السفينة . . ولما دخلنا الفندق وجدناه كثير الشبه بالفنادق الكائنة بالحي الحسيني بمصر ، ولكنه يزيد عنها في النظافة ويطابقها في النظام حيث توجد في أسفله قهوة عمومية يومها الناس من جميع الأجناس ، وبالأعلى توجد الغرف المعدة للنوم كل غرفة بها ثلاثة أو أربعة من الأسرة ، وقمنا قاصدين الصعود إلي غرفتنا فلاحظنا وجود كثير من الأحذية بأسفل الدرج ، وما كدنا نعلوه حتى أقبل خادم الفندق بشير إلينا بتغيير أحذيتنا بأخري من الخشب (القباقيب) الموضوعة أسفل الدرج قبل صعودنا إلي الغرف فصدعنا لأمره ، وخلعنا أحذيتنا ونحن نخشي ضياعها بين تلك الألوف من الأحذية الملقاة هناك . . فاشمأزت نفسى من حالة الفندق ونظامه لأني لم أتعود النوم إلا في غرفة خاصة بي ، وعولت أن لا أقيم به إلا ريثما أجد الفندق المناسب . . وتذكرت أني سمعت وأنا بمصر بوجود حي راق بالأستانة بدعي (بك أوغلي) . . وفي الصباح نزلت إلي الشارع واستفهمت من أول رجل صادفته عن الطريق الموصل إلى (بيك أوغلي) فدلني إليه . . ووصلنا إلى جسر (علطه) ، وعندما أردنا اجتياز الجسر ، وجدنا بأوله بعض الحراس الذين يجبون من كل راجل يمر فوق الجسر عشر بارات ، ومن كل عربة مائة بارة ، ويستثني من ذلك

العرب الذين يلبسون أزياءهم العربية والعلماء وحفظة القرآن وتلاميذ المدارس ورجال الجندية . . ثم وصلنا محطة (بيك أوغلي) ومنها إلى حي يبرا ، وسرنا هناك في شوارع فخمة كل مبانيها من الطراز الأوربي ، وبها الفنادق العظيمة والميادين الواسعة الجميلة . . ونزلنا بأحد الفنادق بحي يبرا وتعرفنا به بأحد العرب الذين قدموا من مكة منذ سنتين . واستوطنوا الآستانة هربا من اضطهاد عون الرفيق باشا شريف مكة له ، ويدعي الشيخ عبد القادر كردي .

وبعد الفندق استأجر المؤلف غرفة في منزل بحي (شتلي) ، وكانت نوافذ غرفته تشرف على أجمل أحياء الآستانة ، وعلى مياه البوسفور وجبال الأناضول ، وبعد أن استقر بالمؤلف المقام وطابت له الحياة بمنزله الجديد ، أخذ  في التفرج على معالم المدينة ومزاراتها ومساجدها ومتاحفها وقصورها وأسواقها وجزائر الأمراء والبوسفور ، ووصف كل ذلك في كتابه وصفا شائقا مسهبا .

وطالت إقامة المؤلف بالآستانة وتغلغل في حياتها ، وعرف الكثير عن حياة الناس بها ، وزار بصحبة الشيخ كردي الباب العالي ودوائر المابين ورجالات العرب في قصورهم واستمع إلى أحاديثهم وأخبارهم - يقول المؤلف : وأشار على صاحبى الشيخ كردي بزيارة الشريف حسين (الملك حسين فيما بعد) فقصدنا منزله بحى (يبوك دره) ، وهو كائن على ربوة عالية تحيط به حديقة اتساعها ثلاثون فدانا مصرية . . واستقبلنا أنجاله الكرام بلطفهم المعهود ، وجلسنا معهم بغرف السلاملك التى كانت مكتظة بالعرب والترك . . ثم دعينا إلى الغرف فوجدت بها موائد الطعام أشبه بما يوجد في الأفراح والولائم المصرية وكانت كثيرة .

يقول المؤلف : ولاحظت أثناء مروري يديوان النافعة (نظارة الأشغال) كثرة وجود المستخدمين بها الذين لم يكن لديهم عمل يعملونه . وقد اخبرني أحد هؤلاء الموظفين بأن له عدة أشهر لم يقم بأداء عمل ، بل يحضر في الصباح ليقيم أمام منضدته التى يتركها عند انصراف الدواوين ولم تتحرك عليها يده بجرة قلم ، ولما سألت عن السبب . قال إن المحسوبية وكثرة الانتساب إلى المقربين جعلت الدواوين أقرب إلى النكايا من نظارات الحكومة .

ثم اقرأ المؤلف وصفه لحفلة السلاملك (صلاة الجمعة)

(البقية على الصفحة التالية)

وكانت من أجمل حفلات الآستانة في ذلك العهد وأروعها فيقول : ثم ذهبت والشيخ كردي إلى دائرة الحاج على باشا كبير المابين . . حيث أوقفنا مع بعض السائحين قريبا من محل خروج السلطان وكانت الجند قد اصطفت على الجانبين من الباب الذي يخرج منه السلطان إلى المسجد . وكانت الجنود تحضر بموسيقاها وبأزيائها المختلفة مدججين بالأسلحة المختلفة الأجناس ، ووقفت الفرسان بموسيقاها مصطفة جهة الميدان ومن خلفها عربات المتفرجين . . وكان الجند المحتشد في تلك الساحة يزيد على الثلاثين ألفا . . ثم فتحت البواية الكبرى لسراي يلدز ، وخرج منها السلطان في مركبته لابسا ملابس بضاء وأمامه السر عسكر رضا باشا بملابسه الرسمية ، وحول المركبة الأمراء والوزراء ، وكبار رجال المابين يسيرون على الأقدام . . فنادي الجند دفعة واحدة بالسلام العسكري (بادشاهمز جوق بشا) وبعدها سكت الجمع كأن على رءوسهم الطير ، فلم تكن تسمع إلا صوت المؤذن قائلا : (الله أكبر) . . وعندما توسط الموكب الطريق نادي الجند بالسلام العسكري مرة أخرى ،

وكذلك عندما وصل السلطان باب المسجد . . فكان منظرا رهيبا يلقي الهيبة في القلوب ، وأي منظر أرهب من هذا : ثلاثون ألفا من الجنود شاكي السلاح ينادون في نفس واحد بالسلام العسكري ، حتى إن أصواتهم باجتماعها تشبه قصف الرعد ، والأمراء والوزراء وكبار رجال الدولة بملابسهم المزركشة ونياشينهم المرصعة ، يسيرون على الأقدام حول مركبة مجلس بها رجل نحيف الجسم ، شاحب الوجه ، مطرق الرأس ، ذو لحية كساها الشيب ، لا يلتفت يمنة أو يسرة إلا قليلا . وأمامه ناظر الحربية ، الرجل الممتلئ الجسم الكبير الرأس ، والغليظ الساعدين ، يضع يديه فوق بعضهما على صدره تأدبا وخشوعا لمولاه . . وبعد انتهاء الصلاة عاد الموكب بالنظام السابق ، ثم عاد المؤلف إلى مصر في نهاية شهر سبتمبر من نفس السنة ليعاود رحلته إلى تركيا وأوربا في السنة التالية .

اشترك في نشرتنا البريدية