عثرت من عهد قريب وأنا أنبش في أكداس الكتب المحشودة حشدا بإحدي المكتبات على كتاب صغير عنوانه : " منظر أوربا العجيب ، وملخص رحلات نجيب لمؤلفه نجيب حسين الجندي - والكتاب مطبوع القاهرة سنة ١٩١١ .
والذي لفت نظري في هذا الكتاب أمران : الأمر الأول أن مؤلفه من سكان القرى بالريف المصرى ؛ فقريته طنامل بمديرية الدقهلية - ولم يكن سكان الريف في ذلك العهد ممن يهتمون بالرحلة خارج القطر . والأمر الثاني أن المؤلف قام برحلاته هذه ولم تتجاوز سنه العشرين من عمره ، وهذا أمر كان نادر الحصول بالنسبة لشباب ذلك الجيل . والذي زاد في إعجابي أيضا أن المؤلف - كما يقول في مقدمة كتابه - لم يكن على قسط يذكر من الثقافة ؛ فوفاة والده في سنة ١٨٩٧ اضطرته إلى الانقطاع من المدرسة وهو لا يزال حدثا ، وإلى الإقامة في بلده طنامل لإدارة أملاكه .
ثم يقول المؤلف إنه لما كان بطبعه محبا للاطلاع خامرته فكرة السفر والرحلة لاستكمال ما فاته من أسباب العلم والمعرفة ، وكانت باكورة أسفاره الأرتجال إلى الآستاذة في سنة ١٩٠٤ ، ويتبين من مقدمة الكتاب أن الذي هداه إلى هذا الاختيار نزعة دينية في نفسه وأخرى جنسية ، " فالآستانة العلية - كما يقول - دار الخلافة العظمى ، ومقر عرش آل عثمان العظام ، وعاصمة الممالك العثمانية التي من ضمنها مصر " . ثم يشير المؤلف إلى نزعته الآخرى عندما يقول : " إنه ولد من أبوين وفد آباؤهما على مصر من بلاد الأناضول ، وكانوا من الضباط الترك الذين اشتغلوا بالجيش المصري " .
وقد رأي المؤلف بعد أن زار تركيا وأوربا أن يجمع مشاهداته في هذه البلاد في كتاب ، وهو هذا الكتاب الذي نحن بصدده وقد جعله هدية زهيدة لأبناء وطنه الأعزاء . .
ومع أن المؤلف محدود الثقافة ؛ فإن وصفه لمشاهداته وتصرفاته في دار الغربة يدل على فهم سليم ، ودقة في التعبير ، وخيال خصب .
يقول المؤلف في وصف سفره : ركبت الباخرة من ثغر الإسكندرية يوم أول أغسطس بعد توديع الآل والأصدقاء . ولما كانت تلك هي أولى رحلاتي إلى بلاد أجهلها ولا أعلم إلا القليل من عاداتها ، وكانت حتى لم تتجاوز العشرين ؛ فما سرت قاصدا الباخرة حتى شعرت بضيق بالصدر ووحشة ، وكأني كنت قادما على شيء هائل كما يصور الوهم لمن لم يسعده الحظ على احتراق البحار ، وكانت نفس تحدثني عن العدول عن السفر . ولكن وجود بعض الأقارب والأصدقاء ، بصحبتى جعلني اتشجع ، ولا أظهر نفسى أمامهم بمظهر الخائف الوجل . . فلما تحركت الباخرة وصارت باسم الله مجراها . وقفت أنظر إلى الإسكندرية التى كانت تغيب عن نظري قليلا قليلا حتى توارت عنا بعد أن اخترفنا البوغاز وابتعدنا عنها بضعة أميال ، وعندها شعرت بالوحشة والغربة . . وقضيت ليلتي وعيناي لم يعاودهما النوم ، بل ظلتنا مفتوحين إلى الصباح . . وصعدت إلي ظهر الباخرة ، واستلقيت على ذلك المقعد المستطيل ؛ فعرفني أحد الأروام من أصحاب الفنادق بالمنصورة ، وجاء يحدثني وقد أذهب عني الوحشة . . وصرت انظر إلي ماء البحر الضارب إلى الزرقة وإلى السماء الصافية ، والنسيم العليل ، فعاودتني قوتي وصرت أتأمل في قوة الله جل وعلا خالق السموات والأرض ، وكيف أوجد العالم ، وجعل من الأرض يابسة وماء تسير فيه البواخر حاملة لخلقه من بني الإنسان .
وجد أن عرجت به السفينة على ثغر بيريه باليونان ، وتغر أزمير بالآناضول تصل به إلى مدخل الدردنيل ، وكان وقت الفجر والركاب نيام . . " فنهضنا وصعدنا إلى ظهر الباخرة ونظرنا إلى ذلك المضيق العجيب ، الذي أكسبته الطبيعة منعة وقوة لأن طريقه متعرجة ؛ فبينما تسير الباخرة في بحيرة تحيط بها الجبال من كل الجهات ؛ إذ تظهر أمامك
فتحة يقوم على حافتيها جبلان عاليان يكادان يلتطمان والحصون باسفلهما ، فتمر السفينة إلي مضيق ، وهكذا من بحيرة إلى مضيق ومن مضيق إلى بحيرة . . وأخيرا دخلنا بحر مرمرة ، وكانت تظهر أمامنا جبال الرومللي وبعض هضاب آسيا حتى وصلنا إلي استفانو وصرنا بحذاء جزائر الأمراء ، وظهرت لنا الآستانة بمظهرها البديع ، وقد أكسبتها مساجدها المقامة فوقي ربواتها العالية بمناراتها المتعددة ، منظرا بكل عن وصفه الواصفون ، والباخرة سائرة إلى أواسط للدينة ؛ لأن مباني المدينة الشاهقة كائنة على هضاب الأناضول والرومللى . فتظهر كأنها ملتفة حول مرسى البواخر ثم نزلنا من الباخرة إلي رصيف الجمرك حيث مكثنا ما يزيد على ساعتين ، قضينا أكثرها مع عمال الباسبورتات في سؤال وجواب ، حتى تضايقنا كثيرا ، خصوصا من تلك الأسئلة الثقيلة المختصة بكيفية حضورنا . . ثم أقلتنا عربية من الجمرك إلى الفندق الذي اختاره لنا صاحبنا الصايغ المصري الذي تعرفنا به على ظهر السفينة . . ولما دخلنا الفندق وجدناه كثير الشبه بالفنادق الكائنة بالحي الحسيني بمصر ، ولكنه يزيد عنها في النظافة ويطابقها في النظام حيث توجد في أسفله قهوة عمومية يومها الناس من جميع الأجناس ، وبالأعلى توجد الغرف المعدة للنوم كل غرفة بها ثلاثة أو أربعة من الأسرة ، وقمنا قاصدين الصعود إلي غرفتنا فلاحظنا وجود كثير من الأحذية بأسفل الدرج ، وما كدنا نعلوه حتى أقبل خادم الفندق بشير إلينا بتغيير أحذيتنا بأخري من الخشب (القباقيب) الموضوعة أسفل الدرج قبل صعودنا إلي الغرف فصدعنا لأمره ، وخلعنا أحذيتنا ونحن نخشي ضياعها بين تلك الألوف من الأحذية الملقاة هناك . . فاشمأزت نفسى من حالة الفندق ونظامه لأني لم أتعود النوم إلا في غرفة خاصة بي ، وعولت أن لا أقيم به إلا ريثما أجد الفندق المناسب . . وتذكرت أني سمعت وأنا بمصر بوجود حي راق بالأستانة بدعي (بك أوغلي) . . وفي الصباح نزلت إلي الشارع واستفهمت من أول رجل صادفته عن الطريق الموصل إلى (بيك أوغلي) فدلني إليه . . ووصلنا إلى جسر (علطه) ، وعندما أردنا اجتياز الجسر ، وجدنا بأوله بعض الحراس الذين يجبون من كل راجل يمر فوق الجسر عشر بارات ، ومن كل عربة مائة بارة ، ويستثني من ذلك
العرب الذين يلبسون أزياءهم العربية والعلماء وحفظة القرآن وتلاميذ المدارس ورجال الجندية . . ثم وصلنا محطة (بيك أوغلي) ومنها إلى حي يبرا ، وسرنا هناك في شوارع فخمة كل مبانيها من الطراز الأوربي ، وبها الفنادق العظيمة والميادين الواسعة الجميلة . . ونزلنا بأحد الفنادق بحي يبرا وتعرفنا به بأحد العرب الذين قدموا من مكة منذ سنتين . واستوطنوا الآستانة هربا من اضطهاد عون الرفيق باشا شريف مكة له ، ويدعي الشيخ عبد القادر كردي .
وبعد الفندق استأجر المؤلف غرفة في منزل بحي (شتلي) ، وكانت نوافذ غرفته تشرف على أجمل أحياء الآستانة ، وعلى مياه البوسفور وجبال الأناضول ، وبعد أن استقر بالمؤلف المقام وطابت له الحياة بمنزله الجديد ، أخذ في التفرج على معالم المدينة ومزاراتها ومساجدها ومتاحفها وقصورها وأسواقها وجزائر الأمراء والبوسفور ، ووصف كل ذلك في كتابه وصفا شائقا مسهبا .
وطالت إقامة المؤلف بالآستانة وتغلغل في حياتها ، وعرف الكثير عن حياة الناس بها ، وزار بصحبة الشيخ كردي الباب العالي ودوائر المابين ورجالات العرب في قصورهم واستمع إلى أحاديثهم وأخبارهم - يقول المؤلف : وأشار على صاحبى الشيخ كردي بزيارة الشريف حسين (الملك حسين فيما بعد) فقصدنا منزله بحى (يبوك دره) ، وهو كائن على ربوة عالية تحيط به حديقة اتساعها ثلاثون فدانا مصرية . . واستقبلنا أنجاله الكرام بلطفهم المعهود ، وجلسنا معهم بغرف السلاملك التى كانت مكتظة بالعرب والترك . . ثم دعينا إلى الغرف فوجدت بها موائد الطعام أشبه بما يوجد في الأفراح والولائم المصرية وكانت كثيرة .
يقول المؤلف : ولاحظت أثناء مروري يديوان النافعة (نظارة الأشغال) كثرة وجود المستخدمين بها الذين لم يكن لديهم عمل يعملونه . وقد اخبرني أحد هؤلاء الموظفين بأن له عدة أشهر لم يقم بأداء عمل ، بل يحضر في الصباح ليقيم أمام منضدته التى يتركها عند انصراف الدواوين ولم تتحرك عليها يده بجرة قلم ، ولما سألت عن السبب . قال إن المحسوبية وكثرة الانتساب إلى المقربين جعلت الدواوين أقرب إلى النكايا من نظارات الحكومة .
ثم اقرأ المؤلف وصفه لحفلة السلاملك (صلاة الجمعة)
(البقية على الصفحة التالية)
وكانت من أجمل حفلات الآستانة في ذلك العهد وأروعها فيقول : ثم ذهبت والشيخ كردي إلى دائرة الحاج على باشا كبير المابين . . حيث أوقفنا مع بعض السائحين قريبا من محل خروج السلطان وكانت الجند قد اصطفت على الجانبين من الباب الذي يخرج منه السلطان إلى المسجد . وكانت الجنود تحضر بموسيقاها وبأزيائها المختلفة مدججين بالأسلحة المختلفة الأجناس ، ووقفت الفرسان بموسيقاها مصطفة جهة الميدان ومن خلفها عربات المتفرجين . . وكان الجند المحتشد في تلك الساحة يزيد على الثلاثين ألفا . . ثم فتحت البواية الكبرى لسراي يلدز ، وخرج منها السلطان في مركبته لابسا ملابس بضاء وأمامه السر عسكر رضا باشا بملابسه الرسمية ، وحول المركبة الأمراء والوزراء ، وكبار رجال المابين يسيرون على الأقدام . . فنادي الجند دفعة واحدة بالسلام العسكري (بادشاهمز جوق بشا) وبعدها سكت الجمع كأن على رءوسهم الطير ، فلم تكن تسمع إلا صوت المؤذن قائلا : (الله أكبر) . . وعندما توسط الموكب الطريق نادي الجند بالسلام العسكري مرة أخرى ،
وكذلك عندما وصل السلطان باب المسجد . . فكان منظرا رهيبا يلقي الهيبة في القلوب ، وأي منظر أرهب من هذا : ثلاثون ألفا من الجنود شاكي السلاح ينادون في نفس واحد بالسلام العسكري ، حتى إن أصواتهم باجتماعها تشبه قصف الرعد ، والأمراء والوزراء وكبار رجال الدولة بملابسهم المزركشة ونياشينهم المرصعة ، يسيرون على الأقدام حول مركبة مجلس بها رجل نحيف الجسم ، شاحب الوجه ، مطرق الرأس ، ذو لحية كساها الشيب ، لا يلتفت يمنة أو يسرة إلا قليلا . وأمامه ناظر الحربية ، الرجل الممتلئ الجسم الكبير الرأس ، والغليظ الساعدين ، يضع يديه فوق بعضهما على صدره تأدبا وخشوعا لمولاه . . وبعد انتهاء الصلاة عاد الموكب بالنظام السابق ، ثم عاد المؤلف إلى مصر في نهاية شهر سبتمبر من نفس السنة ليعاود رحلته إلى تركيا وأوربا في السنة التالية .
