الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 646الرجوع إلى "الثقافة"

من مطالعات الكتب

Share

تواترت الإشاعات أخيرا بأن اليهود يشيدون مرفأ بحريا وميناء تجاريا عند رأس خليج العقبة بالقرب من بلدة العقبة ، وأنهم يقيمون استحكامات قوية عند المرشش وبير القطار بالقرب من الطرف الجنوبي للحدود المصرية الشرقية . وقد رددت الجرائد المحلية وبعض الجرائد الأجنبية هذه الإشاعات في نشراتها المختلفة .

وفي زيارني للسويس من نحو أسبوعين قابلت اتفاقا أحد ضباط مصلحة الحدود الذين يعملون في شبه جزيرة سيناء ، فسألته جلية الخبر ، فأكد الإشاعة وزاد عليها بأن قال إن اليهود يحفرون آبارا إرتوازية في وادي العربة لمد المنطقة بالماء العذب ، وينشئون مطارا كبيرا في صحراء النجب .

وبينما هذه الإشاعات يتردد صداها هنا وهناك ، ويتساءل الناس عن غرض اليهود من إقامة هذه المنشآت في هذه البقعة النائية المجدية من منطقة

صحراء النجب المتاخمة لحدود مصر الشرقية ، تشاء المصادفة أن تقع عيني وأنا أقرأ في كتاب السلوك لمؤلفه المقريزي على العبارة الآتية عند ذكر حوادث سنة ٥٧٨ هجرية . يقول المقريزي :

" وفيها قصد الفرنج ( يقصد الصلبيين ) بلاد الحجاز وأنشأ البرنس أرناط صاحب الكرك سفنا وحملها على البر إلى بحر القلزم ( يقصد خليج العقبة ) وأركب فيها الرجال وأوقف منها مركبين على حرزة قلعة القلزم (يقصد قلعة أيلة أي قلعة العقبة ) لمنع أهلها من استقاء الماء ، وسارت البقية

نحو عيذاب ( كانت ميناء على البحر الأحمر بالقرب من القصير الحالية ) فقتلوا وأسروا وأحرقوا في عر القلزم ( يقصد البحر الأحمر ) نحو ست عشرة مركبا ، وأخذوا بعيذاب مركبا يأتي بالحجاج من جدة ، وأخذوا في الأسر قافلة كبيرة من الحجاج فيما بين قوص وعيذاب وقتلوا الجميع ، وأخذوا مركبين فيهما بضائع جاءت من اليمن ، وأخذوا أطعمة كثيرة من الساحل كانت معدة لميرة الحرمين ، وأحدثوا

حوادث لم يسمع في الإسلام بمثلها ، ولا وصل قبلهم رومي إلى ذلك الموضع ؟ فإنه لم يبق بينهم وبين المدينة النبوية سوى مسيرة يوم واحد ، ومضوا إلي الحجاز يريدون المدينة النبوية فجهز الملك العادل وكان نائب السلطان ( يقصد السلطان صلاح الدين الأيوبي ) بالقاهرة الحاجب حسام الدين لؤلؤ إلى القلزم ؛ فعمر مراكب بمصر والأسكندرية وسار إلى أيلة ( أي العقبة الحالية ) وظفر بمراكب للفرج فحرقها وأسر من فيها وسار إلى عيذاب وتبع

مراكب الفرنج فوقع بها بعد أيام واستولى عليها وأطلق من فيها من التجار المأسورين ورد عليهم ما أخذ منهم ، وصعد البر فركب خيل العرب حتى أدرك من فر من الفرنج وأخذهم فساق منهم اثنين إلى مني ونحرهما كما تنحر البدن وعاد إلى القاهرة بالأسرى في ذي الحجة فضربت أعناقهم كلهم " .

فكرت طويلا وبإمعان في هذه الفقرة من كتاب السلوك وتواردت في ذهني شتى الخواطر واستجمعت شتات

ما وعته الذاكرة من مشاهدات وملاحظات في أثناء رحلاتي في بلاد الطور وخليج العقبة وشواطئ البحر الأحمر والمداخل الشرقية لبلاد الصعيد ، وقلت لنفسي : إذا كان غزو سواحل مصر الشرقية ممكنا في سنة ٥٧٨ هجرية بواسطة مراكب شراعية تستند في تموينها على قاعدة في رأس خليج العقبة ، فإنه يكون الغزو الآن أكثر سهولة وأيسر إحكاما بعد اختراع الطيارات والسفن البخارية الحديثة ؛ ثم إن خليج العقبة صالح لسير السفن بأنواعها وأحجامها ، وتقطع السفن في هذه الأيام طوله في نحو ست ساعات . وسواحل مصر الشرقية من السويس إلى السودان لا تزال كما كانت في عهد صلاح الدين الأيوبي مكشوفة من غير استحكامات تحميها من الغزو المفاجئ . ومرافي الغردقة وسفاجة والقصير تصلح لرسو السفن الكبيرة ، ويربطها بوادي النيل من الأقصر إلى قنا طرق صحراوية مفيدة لا يزيد طول أطولها على مائتي كيلومتر ، وتقطعها السيارات الثقيلة في ست ساعات والسيارات الخفيفة في أربع ساعات . ويوجد في رأس غارب والغردقة مطارات تصلح بعد تمهيد بسيط لنزول الطيارات الكبيرة . وتوجد منابع زيت البترول التي تمد القطر المصري بمصادر الطاقة الميكانيكية في رأس غارب والغردقة ، كما تقوم مصانع تكريره في السويس عند رأس خليج السويس .

ويوجد الماء العذب في الطور تجاه رأس غارب على مرحلة قصيرة منه .

والمعروف عن اليهود أنهم قوم ماكررون خبثاء ، وأنهم يكنون لنا العداوة والبغضاء ، ويضمرون لنا نية الغدر فإذا تسنى لهم يوما ما أن يحشدوا أسطولا من السفن عند رأس خليج العقبة مزودا بالقوات والمعدات الكافية . وبالطيارات ، وفاجأونا بغارة خاطفة على سواحلنا الشرقية كما فعل البرنس أرناط في سنة ٥٧٨ ه . فإنه يكون في الاستطاعة بفضل الوسائل الحربية الحديثة أن يصلوا في يوم واحد بقواتهم الآلية إلى مدينة قنا والأقصر ، وبهذا يشطرون الوادي نصفين ويهددون خزان أسوان ومدينتى سوهاج وأسيوط تهديدا مباشرا ، كما يمكنهم الاستيلاء بواسطة الجنود المنقولة بالطيارات على منابع البترول في رأس غارب وتهديد مصانع التكرير في السويس تهديدا شديدا .

ولكن من حسن الحظ أن مصر تملك في خليج العقبة ثلاث جزر تتحكم في الملاحة البحرية فيه . اثنتان منهما عند مدخله تجاه رأس محمد ، هما جزيرة تيران وبينها وبين الرأس مضيق حرج لمرور السفن ، وجزيرة سنافر في الشرق منها ، وكلتا الجزيرتين قفر بلقع ، وتقع الجزيرة الثالثة عند رأس الخليج ، وتسمى جزيرة فرعون وتتكون من أكمتين بينهما فرجة ضيقة ، وعلى قمتى الأكمتين خرائب قلعة قديمة كان يحيط بها سور منيع ، والأرجح أن القلعة من بناء صلاح الدين الأيوبي ، ويظهر أنه بناها لمقاومة الصلبيين ، وبين الجزيرتين وساحل سيناء مسافة قصيرة تبلغ نحو ٢٥٠ مترا ، فإذا حصنت الجزيرة تحصينا عصريا تحكمت بقوة بالغة في الملاحة البحرية في الخليج وفي بلدة العقبة وفي مرفأ اليهود ومينائهم .

كذلك من حسن الحظ بالنسبة لأسباب الدفاع أن جميع مداخلنا الشرقية من السويس إلى حدود السودان عبارة عن مسالك في وديان جرداء تكتنفها في كثير من أجزائها سلاسل من جبال وعرة ، فيسهل سدها في وجه أى اعتداء مسلح بواسطة قوات عسكرية صغيرة ، كما ان عدم وجود مصادر غنية للماء العذب في هذه المناطق وتعذر نقله إليها بكميات كافية في حالة الحرب يجعل الإقامة لمدة طويلة في الموني الساحلية وفي داخلية المنطقة أمرا عسيرا .

ومما يدل على شدة اهتمام اليهود بطور سيناء وخليج العقبة ودأبهم الشديد من زمن بعيد للوقوف على أحوالها ، ما شاهدته بنفسي في سنة ١٩٣٥ في أحد وديان بلاد الطور ؛ وتفصيل ذلك أنه في أحد أيام شهر مارس من تلك السنة غادرت القاهرة مع بعض الرفاق في رحلة إلى رأس محمد ووصلنا الطور في اليوم التالي ، وبعد أن تزودنا منها بالماء والبنزين والطعام واصلنا السير إلى رأس محمد على عزم أن نقضي هناك سواد الليل وتعود في الصباح إلى الطور ، ولكن بدا لنا في الصباح ما غير رأينا ، فبدلا من العودة إلى الطور حاولنا الوصول إلى العقبة سائرين مع تعاريج شاطئ خليج العقبة ، ولكن حدث بعد أن قطعنا مسافة طويلة أن اعترض سبيلنا لسان من الجبل ممتد في الماء وتعذر على السيارات اجتيازه فعدنا أدراجنا ، وفي أثناء العودة جلس الرفاق عند مدخل أحد الوديان التماسا للراحة ، وتشاء

( البقية على الصفحة التالية )

المصادفات أن أدخل الوادي للفرجة فأري في إحدي جنباته خياما منصوبة ، ويدفعني حب الاستطلاع إلى التقدم نحوها فيقابلني تابع مصري من أهل العريش ، فأعرف منه أن الخيام لبعثة من علماء أمريكا وأنهم جاءوا من العقبة على ظهور الجمال متنقلين على طول الشاطئ وأنهم يحملون معهم الكثير من العدد والآلات ، وأنهم يزورون الوديان وينقبون في الجبال ويفحصون الصخور ويعملون مقاسات بآلاتهم في البر والبحر . وتشاء المصادفات الغريبة أيضا أن أعثر في الوادي

في طريق عودتي علي دفتر صغير لتدوين المفكرات مكتوب على ظاهر خلافه عبارة باللغة الإنجليزية مطبوعة بالحروف ترجمتها ( الجمعية اليهودية للبحث العلمي ببرية سيناء ) وتحت هذه العبارة اسم صاحب المفكرة ( الدكتور ف . ب . ماير ) وداخل المفكرة معلومات منوعة عن أسماء الوديان والجبال وعيون الماء واصطلاحات كثيرة مكتوبة بالرموز لم أفهم معناها .

اشترك في نشرتنا البريدية