الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 679 الرجوع إلى "الثقافة"

من مطالعات الكتب

Share

تتخذ العدة في هذه الأيام ، لإعلان قيام مملكة ليبباء الجديدة ، وتنصيب سيدي محمد إدريس المهدى السنوسي ملكا عليها ، وهذا حدث لاشك له أهميته . وأظن أنه سيكون له في مستقبل الأيام أثر بالغ في مجري الحياة ، التي يعيشها غالبية سكان هذه المملكة الناشئة منذ آلاف السنين . وأعني بهم البدو القاطنين بصحراء ليبياء ، المتوطنين في واحات منعزلة ، متباعدة ، متناثرة كالجزر في محيط خضم من الرمال وهؤلاء البدو يكونون ، في الوقت الحاضر .

وحدة متجانسة ، متحدة في العقائد والانتقادات والتقاليد ، والعادات . وذلك بالرغم من اختلاف السلالات التي انحدروا عنها ، إذ يرجع أصلهم غالبيتهم إلى القبائل الليبية القديمة ، التي استوطنت الصحراء قبل عصر التاريخ بزمن طويل . كما لا يزال يجري في عروق فريق كبير منهم دم العرب ، الذين اجتازوا شمال أفريقية ، في طريقهم إلي مراكش والأندلس ، في عهود الفتوحات الإسلامية .

في سنة ١٩٢٣ - وهو عهد ليس ببعيد - رحل المرحوم الرحالة أحمد حسنين باشا إلى صحراء ليبياء واخترقها من أقصي الشمال إلى أقصي الجنوب ، على ظهور الجمال - من البحر الأبيض المتوسط إلى بلاد كردفان بالسودان . وقضي في ذلك مدة طويلة ، اختلط في أثنائها بمكان الصحراء وعاشرهم واطلع على الكثير من تقاليدهم وعاداتهم ، ثم دون مشاهداته وتجاربة ، وملاحظاته عن هذه الرحلة في كتابه " في صحراء ليبياء وقد رأيت أنه من المفيد أن أنقل لقراء الثقافة بمناسبة قيام هذه المملكة - بعض ما جاء في هذا الكتاب خاصاً بذلك .

في الوقت الذي زار فيه الرحالة الصحراء ، كان لا يزال للسنوسية فيها شأن كبير ، وكانت تدين الصحراء لهم بالولاء . و " للاخوان ، بالطاعة . وفي ظل هذا الولاء وهذه الطاعة أمكن لرحالتنا أن يخترق الصحراء ويطوف بها . وان يستقبل في كل مكان حل فيه بالترحاب ، وان تقضي

حاجاته بالرضي والإذعان . وذلك بفضل ما كان يحمله من توصيات " الإخوان " لأصحاب النفوذ والسلطان من رؤساء العشائر وزعماء القبائل .

ويعجب الرحالة بالتنظمات السنوسية ، وبالخدمات الجليلة التى يقدمونها للبدو ، وللتمكين لدعوة الإسلامية بينهم فيقول :

لا يكون السنوسيون شعبا أو ممك أو وحدة سياسية ، وإن كان فيهم من هذه الأشياء خواص كثيرة ، على أنهم من البدو الذين يسكن معظمهم صحراء ليبياء وبيبسطون نفوذهم على مساحة عظيمة من تلك النواحي . . ويعتبرون قوة حقيقية في شئون أفريقية الشمالية الشرقية . . والقوم السنوسية على ثلاثة أركان : الزاوية . والإخوان . والوكيل .

أما الزاوية فهي عبارة عن ثلاثة أبنية رئيسية : المدرسة حيث يتلقى صغار البدو الدروس عن الإخوان . والمضيفة حيث ينزل المسافرون لتقضية ثلاثة الأبام التي يقضي بها كرم البدو - والمنزل حيث يسكن الإخوان . . أما الإخوان فهم الأعضاء العاملون في هذه الطائفة ، وهم الذين ينشرون تعاليمها وأغراضها - وأما الوكيل فهو ممثل شيخ السنوسيين والقائم عنه بالأمر . . وأهم تعاليم شيخ السنوسيين الدعوة إلى الدين الإسلامي الحق . والتمسك الشديد بأوامر الله سبحانه وتعالي وبنبيه الكريم ، وتقوم دعوته في سبيل رضاء الله وخدمة الدين على الأركان الآتية : تنبيه الغافل وتعليم الجاهل ، وهدى من ضل سواء السبيل . . وأعظم أعمال السنوسية كانت في الصحراء بين البدو والقبائل السود القاطنة جنوب الكفرة . فقد جعل من السنوسيين قوة روحية في تلك الأصفاع ، وعاملا قويا على بث السلام والإخاء بين القبائل ، بل جعل منهم فوق هذا هيئة تجارية كبرى ، بفضلهم تمت التجارة وازدهرت .

ويعتقد البدو أن لمؤسس الطائفة السنوسية ، وخلفائه ، وكبار الإخوان ، قوة خفية ومعرفة بالغيب ، يسميها البدو

" كرامات " . وقد أخبرني أحد الإخوان في جنبوب بقصة عنه قال :

" كنت مسافرا مع جماعة من الرفقاء من بنغازي إلى جغبوب لزيارة السيد المهدي ، فأخطأنا موضع بئر في الطريق ، وشعرنا بضيق شديد لنفاذ الماء وأمسى المساء فالتفت إلي أقل رجال القافلة رغبة في زيارة المهدي وقال : " أما وقد احضرتنا لزيارة ذلك الرجل التقي ذي الكرامات فهلا سألته أن يرسل إلينا ما يبل أوامنا إن كان من التقوي والصلاح بحيث تقول وحدث في تلك اللية بجغبوب أن السيد المهدي استيقظ من نومه . و نادي عبدين من عبيده ، وأمرهما أن يقوما في الحال فيحملا الزاد والماء على خمسة جمال وان ينطلقا إلي الصحراء ، ويأخذا السبيل التي أشار إليها ، فلا يقفا حتى يلتقيا بقافلة في الطريق . فمضيا في سبيلهما . وتلاقيا بقافلتنا . وقد أشرف رجالها على الهلاك

وأعجب الرحالة بتقاليد السفور السارية بين عامة البدو ، وفي هذا يقول :  

وشباب البدو وعذاراهم مطلقون في الاختلاط بعضهم ببعض . ولا تحجب المرأة إلا في الأسر الكبيرة ، ويعرف الشاب موضع أصله في الزواج . فيقصد خيامها ، ويغنيها من شعره . فإن مالت نفسها إليه ، خرجت وسأجلته الغناء من مقولها ، أومن منقولها . ويقصد الشاب أهلها بعد ذلك ، ويدفع المهر ، إن تم الاتفاق ، ثم يعود إليها في حفل من أصحابه . ويأخذها إلي داره . تحف بهما الفرسان المتخطرة . وتدوي فوق رؤوسهما طلقات البنادق . . وقد يفر الحبيبب بحبيبته فينتهي الأمر بين قبيلتهما بسفك الدماء لأن البدو يعدون الفار بحبيبته سارقاً لها .

ولقي رحالتنا في جغبوب وجالو والكفرة من ضروب الكرم الحائمي ، ما جعله يلهج بذكرها بإطناب ويخص مضيفيه في هذه الواحات ببالغ المدح والثناء وفي هذا الصدد يقول :

إنما يبين كرم البدوي في كثرة ألوان الأطعمة التي يقدمها لضيفه ، فإن الطعام في الصحراء ؛ أهم مظاهر الكرم ، وهو في تلك الأصفاع الساذجة كل ما يتحدث به الناس - ثم

يقول : كان يقيم بجالو نساء كثيرات من الأسرة السنوسية . وقد أرسل إلي أولئك السيدات الكريمات بعد وصولي جالو بقليل ، يدعوني للعشاء . وهذا حادث غير عادي ، لأن نبيلات الصحراء لا يولمن الولائم للرحال ، وأدركت ، بطبيعة الحال ، أني غير مدعو لتناول العشاء مع داعيائي ، ولكي قدرت هذا العطف من ناحيتهن . فقبلت دعوتهن راضياً شاكراً ، وجاءني السيد الزروالي والحاكم في الوقت المحدد لمرافقتي إلي دار الضيافة ، فأدخلنا إلى غرفة فسيحة ، ينبعث في جوها بخور ذكي الرائحة ، وينتشر فيها نور ضعيف ، من سراج نحاسي فاخر . وشموع كثيرة ، ويلقي أشعته الندية على ما في الغرفة من سجاحيد ثمينة ، وطنافس حريرية ، فيرسل عليها أضواء بهيجة . وكان القائم بإكرامنا سيدي صالح ، وهو بعل سيدة من سيدات الأسرة السنوسية ، فأشرف على نفر من العبيد قدموا لنا مالذ وطاب من طعام وشراب ، وبعد أن نلنا من كل ماقدم إلينا جرياً على عادة البدو جاءنا العبيد بطسوت من النحاس ، فغلسنا أيدينا ، ثم تناولنا الثلاثة أكواب الشاي المعتادة . ونثرت علينا قطرات الورد ، وأطلق ذكي البخور ، وبعد ذلك تقدم إلي رئيس العبيد باحتشام وهمس في أذني سائلا إن كنت أحب أن أسمع شيئا من الأغاني ، فأبيت شاكرا علي تلطفه .

واستعدت قافلة رحالتنا في منتصف شهر مارس لمغادرة جالو والسفر إلى الكفرة ، واجتمع أعيان الواحة لتوديعها وفي هذا المقام يقول :

بعد أن حمتلنا الجمال بدأت حفلة الموادعة التي اعتادها العرب ، فوقفت مع رجالي على شكل نصف دائرة . وواجهنا شيوخ جالو وإخوانها . وقد وقفوا على شكل نصف دائرة اخري ورفعنا الأكف خاشعين . مبتهلين أن يبارك الله رحلتنا ، وان يسدد خطانا ، ويرجعنا سالمين إلى الأوطان وقرأنا الفاتحة . وأمتن عليها أكبر الإخوان سناً ، ثم تبادلنا الشد على الأيدي وبدأنا السير بين صراخ الرجال تستحث الجمال . وزغردة النساء تدوي في الفضاء . ويمتدح الرحالة جمال البدوبات ورشاقتهن فيروي القصة التالية - وزاد إقبالنا على السفر ما حدث لنا عند اختراقنا اللية

( البقية على الصفحة التالية )

وهي قرية مجالو . فقد لاح لنا على جانب الطريق بدوية رشيقة القوام . قد افردت وهي مسدلة نقابها على وجهها . فلما مررنا بها أدار رجالي الأبصار إلي الفانية وصرخوا بصوت واحد : " وجهك . " وجهك  فعطفت البدوية وأزاحت نقابها . وهي خفرة . فكشفت عن وجه بديع القسمات ، صافي الأديم ، ينم عما عرف في غواتي البدو من حياء وجلال ، وبهر جمالها رجالي . وملك أدبها نفوسهم فأرسلوا عبارات الإعجاب والسرور ، ولم يسعني أمام ذلك إلا أن أسير على عوائد البدو ، في مثل هذه الظروف ، فأمرت رجالى أن يفرغوا البارود عند قدميها ، فتقدم حامد ورقص أمامها رقصا رشيقاً ، وهو ممسك ببندقيته فوق رأسه بكلتا يديه جاعلاً فوهتها إلي الأمام ، ثم اقترب منها . وهو يغني انشودة بدوية من أناشيد الغرام ، حتى إذا صار قبالتها هوي على ركبة واحدة ، وصوب بندقيته إلى موطئ قدميها ، ثم أطلق النار على قيد شعرة منهما . وكان هدفه

من القرب والدقة بحيث أصاب لهب البارود حذاء الصبية ، فشاطت جوانبه ، ولم تجفل عند إطلاق النار . بل ظلت منتصبة القامة ، فخورة بالشرف العظيم الذي نالته . لأن الحذاء الشائط في قدمي العادة البدوية ، دليل فخر تسمو إليه فتيات الصحراء .

وسارت المطايا بالرحالة شهوراً . واحتازت في سيرها أقطاراً . وظن البدو برحالنا الظنون ، وفي هذا يقول : وأهل الصحراء سريعون إلى التكهن بمقاصدك إن أمكنهم ذلك ، فإن عجزوا ظنوا الظنون في كل ما تفعل . أو تريد أن تفعل . وكان أكثر متاعنا في صناديق ، والأعراب لا تفهم من الصناديق إلا أنها تحوي كنوزا . وليس عجيباً منهم . وقد ظنوا أني مخترق الصحراء بهذه الثروة الطائلة . لسبب خافى عنهم . ففكروا مرة في سرقتي ونهب القافلة .

اشترك في نشرتنا البريدية