الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 630الرجوع إلى "الثقافة"

من مطالعات الكتب

Share

قرأت في الأيام الأخيرة كتابا بعنوان : " الصيد في غابات السودان " لمؤلفه الأستاذ جاد الله طانيوس عضو ناري الصيد الملكي المصري ، والكتاب مطبوع في القاهرة سنة ١٩٤٠ على نفقة النادي المذكور . والأستاذ جاد الله من أهالي إدفو ، وعمل موظفا في حكومة السودان ، وولع منذ حداثته بالصيد والقنص ودفع به حبه الصيد إلى اختراق غابات المنطقة الاستوائية وأدغالها ، وأحراج شرق السودان وغربه، يصيد الوحوش الكاسرة والغزال والزراف والطيور وغيرها من حيوانات هذه المناطق .

وهو يروي في كتابه ما وقع له من أحداث ومخاطر ومغامرات في أثناء تجواله في هذه الأرجاء لإشباع هوايته هذه، مدة تزيد على ثلث قرن ، من سنة ١٩٠٧ إلى  سنة ١٩٤٠ .

وقد رأيت أن أنقل لقراء الثقافة بعض ما احتواء الكتاب من مشاهد ونوادر وموعظة لطرافة الموضوع.

يقول المؤلف في مقدمة الكتاب : في الغاب علم وحكمة، وموعظة وعبرة ، وفيه حب ووفاء .وهجر وجفاء ، وفيه كل ما في الحضر من مشاعر وإحساسات . .

. . وتوفرت لدي صور عدة من صور الحياة فيه ، وشاهدت من طباع حيواته وخصائص نياته ما حسبت في إذاعته نفعا للراغبين فيه وشفاء لنفوس المستطلعين وإثارة لرغبات الهواة ، وفتحا لباب سدته في زماننا مبوعة الحياة . . إلى أن يقول : لقد أثر في نفسي ما كنت أراه في الرجال من أهلى من ميل لحمل السلاح ورغبة في إصابة المرمي ؛ فتشوقت أن أكون مثلهم ، واتخذت سبيلي للصيد غرضا فأصبحت واذا بي أجيد الرماية والإصابة ، وكنت أتشوق إلى الغابات الكثيفة ذات الأدغال والكهوف ، وأحلم بذلك اليوم السعيد الذي يهيئ لي القدر فيه صراعا عنيفا بيني وبين وحوش الغاب ، ولكم تمنيت أن أقف وجها لوجه أمام سيد الوحوش لأتبين

بنفسي مبلغ ما يرويه الناس عن هيئته وقوته وعن مرءوته وعزته، حتى حققت الأيام هذا الحلم السعيد وأتيحت لي فرصة من أندر الفرص . إذ كان أول بلائي في هذا الميدان موقعة من المواقع الرائعة التى لا يزال أهل السودان يتحدثون بذكرها ، تلك هي الموقعة التي صرعت فيها الأسد المشهور (أبا تليس) - ثم يحكى المؤلف قصة صيده لهذا الأسد بإسهاب ووصف مثير رائع . نقتطف منه ما يأتي مع بعض التصرف :

كنت ببلدة الغضارف بالسودان الشرقى وسمعت حديث الناس عن هذا الأسد ، ورأيت مبلغ رعبهم منه لشراسته وقوته وشدة ولعه بافتراس الناس ؛ فسعيت إليه لألقاه في عرينه ، وكان ركبنا مؤلفا مني ومن خادمي ومن الدليل ، وكان مع كل منا السلاح الذي يناسبه ؛ فحملت أنا بندقيتي عيار ٤١٠ ملليمتر بخزينة ، وحمل الدليل بندقيني ذات الخرطوش ، وحمل خادمي سيفه . وقابلنا في الطريق رعاة الأغنام الذين يكثرون على نهر عطيرة ؛ فاشترينا منهم خروفا . . الشمس الآن في الطفل ترسل أشعتها الثائرة على الكون ، وقد انقطع ما بيننا وبين التفكير في العودة . . وفي هذه اللحظة جلجل في الجو صوت دوي مرعب ينذر بشر وبيل . لقد كانت زأرة هائلة حقا ، زلزلت لها الأرض زلزالها ، وتناثرت الرمال تحت حوافر الدواب التي تحملنا ، وارتعدت فرائص الخادم والدليل . وتقيدت المطايا في مواقفها برعبا ، ولم نستطع لها إناخة إلا بعد جهاد عنيف . .

لقد أحس الأسد باقترابنا فخذرنا من هناك حرمته . . ومرت الحوادث سراعا ، بعضها بهيج خلاب ، وأكثرها سوط عذاب ، يذيب القلوب هولا . . رضعت خرطوشتين في بندقية الخرطوش وسلمتها للدليل ، وأمرته انه متي صار الأسد قريبا جدا منا فليطلق العيارين دفعة واحدة في وجهه ليعمى عينيه ، وتخيرنا للوقعة مكانا مناسبا ، وربطت

الحروف في كتلة من الخشب ليكون بمثابة الطعم للسمك ، ثم اخذت مجلسي في قطعة من الأرض رملية مستطيلة وأجلست الدليل ومعه البندقية خلفي لجهة اليمين على بعد أربع باردات ، وأجلست الخادم بسيفه خلفي لجهة الشمال على بعد أربع باردات كذلك . ثم صوبت بندقيقتي إلي الحروف حتى ازن اتجاه الطلقة ، ولما اطمأننت إلي إحكام هذا الترتيب جلست انظر . . كل ما في الكون من نقائض يكتنف هذه الدقائق من الزمن : هذا البدر في السماء يريد أن يكون شاهدنا في هذه القبلة . وأغصان الأشجار تلفنا في أستار ظلالها ، وهذا التقسيم الرخي الرقيق يداعب الكائنات بحيائه . ثم هذا صخب الوادي وفحيحه ؟ فعلى بضع خطوات منا تقوم معركة عنيفة تدور رحاها في نهر عطيرة بين عدد من افراس البحر ؛ فتسمع لعراكها شيقا وزفيرا ، وحمحمة وصهيلا ، ويتطاير رشاش الماء خلال نضالها حتى ليصل إلينا في مكننا

وهذا صوت فهد خرج من الغابة قادما ليشرب وذلك أصوات الضباع تتداعي للفاء . ونقيق الضفادع في الضحل من الماء ، وهذا هو الأسد يمشي وئيدا مدلا بقوته تباها بعظمته وهذا دوي زئيره تهتز له القبعان والربي . ويحاول كل حي فيها مهربا . . هذا وذلك إلى أصوات الصدي ترددها الغابة في كل مكان فترتد إلينا مضاعفة مكبرة . فكأن الغاية قد صارت كتلة هائلة من الصوت لا تحس فيا إلا دويا . . لقد أحسست وأنا في مكمني بين هذه العوالم أني أحط من البعوضة شأنا وأدنى من الذبابة قدرا . فكدت أنس نهمي وأنسي ما أنا مقدم عليه لولا أن نهي (أبو تليس) إلى مكانه مني . ففزعت على صوت زأرات ثلاث أطاحت رشد زميلي ، وإذا لا يبعد عنا أكثر من مائة باردة ، وبينما الأسد يعث الخطا متبخترا كان زميلاي يتعثان استسلاما لقضاء الله فيهما وتسليما للموت الذي لا مفر منه . أما أنا فقد اعددت نفس وتهيأت للقاء حتى إذا ما وصل الأسد إلى الخروف رفع يده فلطمه بها لطمة قاتلة تحته من طريقه مجدلا ، فأطلقت عندئذ عليه البندقية فدوى صوت الطلق في الغابة ودوى معه زئير الغضب والألم من الأسد . . فنظرت فإذا في ثورة الغضب قد انفتحت أوداجه

فبدا جسمه ضخما هائلا وهجم على هجوم المنتقم الجبار . . فأطلقت عليه رصاصة أخرى أصابته ولكنه استمر في هجومه وثورة غضبه لولا أن بادرته برصاصة ثالثة كسرت ذراعه اليمني . ولم يكن بيني وبينه في هذه اللحظة أكثر من مترين ، عند ذلك دب اليأس في قلبه فلوي عنانه ، وارتد يجر ذيول الخيبة والفشل ، وهو يئن من شدة الألم ، ووقع الهزيمة ، ثم تواري في ظلام الأشجار وظلالها فودعته واعدا إياه باللقاء في الصباح . أما زميلاي فقد أصابهما من الرعدة ما خبل عقلهما ، فالدليل ضغط على تلك البندقية قبل أن يرفع زنادها لذلك لم تخرج ولا طلقة ، أما الخادم فقد تصور أني اشتبكت مع الأسد بالأيدي فأراد أن يضرب الأسد بسيفه ونسي أن السيف في عمده فانفلت السيف من يده وأصاب رجلي ووقع في الأرض ، وكان من فضل الله على أنه لم يخرج سيفه من غمده . . ثم كل هذا في سرعة البرق، ولعل المعركة لم تدم أكثر من دقيقتين لم يفارقني أثناءها إيماني بالله وثقتي بقضائه وقدره . لذلك لم أحس شيئا غير عادي ، وسارت الأمور في الطريق التي قدرتها . . ولما أسفر الصبح لدي عينين عدنا ندأب للوصول إلي غابتنا . قصصت أثر (أبي ابليس) ورأيت دماءه قد رسمت خطوطا حمراء غير منتظمة فوق الرمال في الغابة وآثارا قادتنا إلى عرينه . . ودخلت العرين فانحنيت ومشيت أحبو علي يدي ورجلي في مجري ضيق ، يطعنني الشوك والحسك من فوقي فلم أبال بطعنهما حتي قطعت نحو تسعين ياردة في خط مستقيم ، ثم أنحني بي الممر لجهة الشرق وهناك وجدت الأسد ملقى في كوخ أقامته الطبيعة من أغصان الأشجار ولحائها على حافة نهر عطيرة يطلق عليه من فوق جرف عال يشرف منه الأسد على كل ما يمر به من وحش وطير وإنسان . . وقفت على فتحة الكوخ، وكانت أشعة الشمس تلمس طريقها بين الأغصان المدلاة من شرفة الكوخ فتستقر على لبدة الأسد الذي كان قد رقد على بطنه ووضع رأسه فوق يديه وهو ينازع سكرات للوت ، ولم ينتبه لدخولي فتأملات حالتينا مليا ، ثم فكرت في أن أعزيه عن حالته فصفرت له صغير الغزال فلوي الأسد عنقه إلي بثقل ونظر إلي بعينين كلهما ألم وشكوي ، فأشفقت عليه أيما إشفاق وأرحته من هذا الألم

(البقية على الصفحة التالية)

البعض بطلقة أصابته في عينه اليسري فخر صريعا . . ثم عدت إلى معسكرنا ، وفي منتصف الليل ونحن في سبات عميق صحونا على صوت زئير مرعب ملأ الأرجاء دويا ، وإذا باللبوة البحث عن اسدها وتناديه وتتجه بندائها صوب الجهات الأربع ، ولما لم يرد عليها توقعت شرا نزل به فأسرعت إلى العرين في لهفة وجزع ، ولم تثبت لهفتها ان انقلبت عويلا ونواحا ملأ الغابة حزنا وأسى . ولست اكتمك أيها القارئ

شعوري فإن عاطفة الإشفاق عليها والرثاء لمصابها أثارت في قلبى الندم على ما فجعتها به . .

وبعد أن تتبع المؤلف أثر اللبوة في الغابة قتلها هي الأخرى . . ثم يقول : على أن الذي أرجو الإشارة إليه أنك إذ تقرأ كتابي هذا لا تقع عينك فيه إلا على وقائع ثابتة ليس للخيال فيها مجال ولا للابتكار فيها أثر .

اشترك في نشرتنا البريدية