" كان الأطفال يخرجون من مدارسهم ، فلا يرون سيوفا ولا دروعا ، ولا مشاة ولا فرسانا ، فيتساءلون : اين إذا آباؤنا ؟ ويكون الجواب : إن الحرب قد انتهت ، وإن قيصر (نابليون )قد مات ، وإن صور ولنجتون وبلوخر قد اصبحت زينة غرف استقبال السفارات ودور القناصل ، وقد كتب من تحتها : إلي منقذي العالم
هكذا جلست على اطلال عالم مندثر شبيبة مهمومة ، شبيبة نبتت من قطرات الدماء الحارة التي غمرت الأرض ، ولدوا في جوف الحرب للحرب ، وقد رنحت احلامهم خمسة عشر عاما ثلوج موسكو وشمس الاهرام ، لم يخرجوا من قراهم ، ولكن كم حدثوا ان كل باب من ابواب تلك القري يقود إلي عاصمة من عواصم أوربا . لقد تمثل بعقولهم عالم بأكمله ، ثم ها هم ينظرون إلي الأرض والسماء والمسالك والطرق ، فإذا الكل صامت خال ، لا يسمع فيه غير دق النواقيس تتردد أصداؤه في الآفاق البعيدة
لقد كانت نفس الشبيبة عندئذ تتنازعها قوي ثلاث : من خلفهم ماض قد تحطم إلي غير رجعة ، وإن كان لا يزال ينتفض تحت ما خلف من أنقاض يرقد بين حناياها من تحجر من شيعة عهد الاستبداد المنصرم ومن أمامهم فجر أفق شاسع قد أخذ يرسل أول أشعة المستقبل ، وبين هذين العالمين محيط كذلك الذي يفصل قارتنا القديمة عن العالم الجديد ، ضباب يختلج ممحو العالم ، بحر عاصف يقص بالغرقى ، وإن لاح بآفاقه البعيدة من حين إلي حين شراع أبيض أو سفين ينفث البخار كثيفا ، ذلك هو عهدنا الذي يفصل الماضي عن المستقبل ، فلا هو
هذا ولا هو ذاك ، وإن أشبه كليهما . وما نخطو به قدم إلا تساءلنا : أبذرة ما نطأ أم طلل ؟
وسط هذا السديم كان على أولئك الشباب ، أبناء الإمبراطورية وحفدة الثورة الذين يقتضون قوة وإقداما ان يتخيروا ما يريدون أن يشقوا من سبيل " .
في هذه القطعة التي تنقلها عن " اعترافات فتي العصر لألفريد دي موسيه فهم دقيق للحالة النفسية التي خلقها ما اصطلح على فرنسا من احداث جسام في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر ، وعن تلك النفسية صدر الأدب الرومانتيكي
وذلك ان الرومانتزم ليست في الحق مذهبا أدبيا دعا إليه الكتاب أو اصطنعوه اصطناعا وهي على النقيض خروج علي كل مذهب وتحطيم لكل قيد ؛ وإنما هي حالة نفسية ولدتها الثورة وما تلاها من مجد نابليون ، ثم من انهيار ذلك المجد ؛ وإنما اصبحت مذهبا عند المقلدين الذين طوي الزمن ما أجهدوا انفسهم فيه من سخف مصنوع ، على نحو ما هو طاو ما لا يزال المتأدبون منا يأخذون به أنفسهم من التحدث في شعرهم عن جبال تنهار أو قلاع تشرق عليها شمس مصر بوادينا المنبسط
شبت الثورة فقلبت أوضاع الحياة : أعزت رجالا واذلت رجالا ، بل كم من مرة أكلت بنيها : وجاء نابليون ذلا الوجود بمجده حتى أصبح الشباب لا يحلمون بغير المعارك وقيادة الجيوش يكتسحون بها العالم ، فيتحدث الناس ببطولتهم كما يتحدثون عن امبراطورهم العظيم ؛ ثم كانت واثرلو التي تحطم فيها مجد ذلك البطل ، وإذا بجزيرة سانت هيلانة رمز لما يخبىء القضاء للرجال من محن وتساءلت الشبيبة : تري اذلك ما ينتظرنا من مصير أما من سبيل إلي تحقيق أحلامنا ؟ ثم أبصرت ما بين الواقع وتلك الاحلام من هوة لم يعد سبيل إلي عبورها ،
فانطوت على أنفسها ، وعز العمل فاتخذت حياتها موضوعا للنظر ، وشغل الأدب نشاطها المتعطل فاذا به ادب شخصي .
وهال الشبيبة ما أحست من عجز وحزنت ، فقال قائل منهم : " المرء طفل يهذبه الالم " لا شئ يسمو بنا قدر ما تسمو الآلام " . وقال آخر : " إني أحب جلال الآلم البشري " ، ولقد يعود قائلهم إلى نفسه ، فاذا بها قد ضاقت بحزنها ، وإذا بها تود أن تلتمس العزاء فيما تصيب من مسرات عارضة تقدرها قدرها لأنها عرفت الأحزان .
واستمع بعضهم إلي نداء الطبيعة تدعوهم إلى صدرها الرحيم ؛ فمنهم من خف إليها يلتمس في جمال زينتها سلوي عن آلامه ، ومنهم من أخذته العزة بالإثم فقال : " لا ، ما بي حاجة إليك ، وما أنت لنا أم ، بل زوجة أب - كم أفنيت من أجيالنا يمرون وأنت باقية خالدة تحديثا بما نحن صائرون إليه من فناء ثم انصرف إلي أطلال الماضي يخصها بحبه ، ولم لا ؟ وما هي إلا صورة لنفسه
تلك هي الرومانتزم : خروج على تقاليد الأدب الكلاسيكي ، بل وعلى كل ادب ، في زمن بلغت فيه الحاجة إلي العبارة عن النفس مبلغا لم يدع مجالا للتفكير في أصول الأدب - نظر في المصائر الخاصة ، وقد التوت السبل ، واستحال العمل ، فانطوي كل على نفسه حزن عميق يصرف الشعراء إلى مناظر الطبيعة ، بل إلى انقاض الماضي ، يفكرون خلالها وتفكر خلالهم ، ثم إحساس دقيق بما بين الواقع والخيال ، بما بين الفرد والجماعة ، بما بين الحرية والقيود ، بما بين الماضي والحاضر من صراع هو مصدر البلوي .
وأما ما دون ذلك من بحث عن طرق الأداء في آداب القرون الوسطى القومية النشأة ، او من استلهام لآداب الآلمان أو الانجليز التي بصرهم بها مدام دي ستابل وشانو
بريان وامثالهما بدلا من الرجوع إلي الآداب اللاتينية اليونانية ، فأعراض لا تمس روح الأدب الرومنتيكي في شئ يذكر
وعلى هذا النحو نلمس الدور الذي أحبته شخصية نابليون في نشأة هذا الأدب الفني لمسا قريبا اليس هو مصدر تلك الآحلام التي رمحت الشباب حينا من الزمن ثم جاء الواقع القاسي فحطم تلك الاحلام ، وإذا بالأدب ينحو هذا النحو الحزين الثائر الذي يتميز به ما بين ايدينا اليوم من آثار ذلك العهد الأدبي الرائع
جاهدت فرنسا في ثورتها ، وحسبت أن العناية الالهية قد ساقتها لتحمل الحرية إلي شعوب الأرض قاطبة على يد نابليون ، ثم هاهو نابليون يلقي اسيرا محطما بجزيرة موحشة ، بل ها هي فرنسا ذاتها في قبضة اعدائها يملون عليها إرادتهم ، وقد انزلت بها الحروب الطويلة البؤس والدمار فأي غرابة إذا في ان نكتسح الرومانتزم الأدب الكلاسيكي - أدب الحقائق العامة - أدب التقاليد الأدبية والأرواح المطمئنة
وبعد لقد تحدث الناس عن نابليون كقائد عظيم ، فمنهم من نقم عليه تحطيم فرنسا وإفناء ابنائها في سبيل مجده الخاص الذي لم يلبث ان انهار ، تاركا حسرة مرة بنفسه ، وخرابا مخيفا ببلاده ؛ ومنهم من التمس له عذرا فيما كان يدعي من رغبة في تحرير الشعوب التي غزاها ، وحمل لمبادىء الثورة العريقة إليها ؛ وتحدثوا عنه كمصلح خلف في فرنسا آثارا مدنية ما تزال إلي اليوم موضع فخارها - القانون المدني المعروف باسمه . والمكتبة الأهلية التي تضم اليوم ملايين المجلدات ، ثم المعهد الفرنسي ، وبنك فرنسا
وأما عن نابليون كمثل احتذاء الشبان ، فكان له في نفوسهم أكبر الأثر ، وأما عن نابليون كمصدر من مصادر حركة ادبية خصبة ، واما عن نابليون كاسطورة قومية ، فذلك ما قل أن يتحدث عنه المحدثون
وفي الحق أن الرجل العظيم لا يصح أن تقاس عظمته بما استطاع تحقيقه ، أو بما خلقه من آثار فتلك أشياء قليلة الأثر مهما عظمت إلي جانب قوة إبحاثه قوة قد تبلغ في توجيه النفوس ما لا يبلغه أكبر الأحداث ؛ وذلك لما هو واضح من أن الأشعاع الشخصي انفذ إلى القلوب . وبخاصة قلوب الشباب ، من اي معنى من المعاني او امر من أمور الحياة العامة
ولكم من شاب يحدثك عن أمله في أن يكون هذا الرجل او ذاك قبل ان يكون صاحب هذه الحرفة او تلك ؟
ذلك تأثير الأبطال في نفوس الشباب الطامح تأثيرا فيه الخير وفيه الشر : الخير إن تحققت الآمال وهذا ما يتاح للقليل ، والشر إن تنكرت لهم حقائق الحياة المرة ، وذلك لسوء الطالع مصير الكثيرين ممن لا يهتدون إلى الايمان بأن الجهاد في سبيل المثل الأعلى لا يقل نبلا عن تحقيقه .
ولكن الزمن ما يلبث أن يسير ، فيتغلغل حديث هؤلاء الأبطال في طبقات الشعب ، وإذا به يصبح أسطورة قومية يقصها الشيوخ للأطفال ، والجدات والأمهات للأبناء ، وقد قضي الخيال الشعبي ما كان لهؤلاء الأبطال من أثر سئ ، أو ما انتهت إليه حياتهم من بؤس ، بل إن الاعجاب ليأخذ السبيل على كل تفكير ، فإذا بالبطل منهم قد خرج عن طبائع البشر ، وإذا ببطولته معجزة من معجزات الحياة
إلي هذا صار نابليون بعد موته سنة ١٨٢١ بجزيرة سانت هيلانة ، فقد رفض الشعب أن يصدق نبأ تلك الوفاة قائلا : إنه لم يمت وإنما افلت من اسره كما أفلت من قبل من جزيرة البا ، وإنه لابد عائد فناج بنا من قبضة المستبدين . وتراخي بهم الامل حتى كان اليأس ، ولكن ذاكراه لم تمت في قلوبهم ، وكأنه رسول منتظر ، سيأتي
يوما ما لخلاصهم ، إلي أن سقطت الملكية الاستبدادية سنة ١٨٣٠ ، فزادت ذكراه مجدا ، وبلغ من تعلق الشعب به ان لم ير لويس فيليب وحكومته خيرا في تملق هذا الشعب الوفي من ان يحملوا رفاته من سنت هيلانة إلى باريس ، حيث دفنوه في متحف الجيش بساحة الانفليد سنة ١٨٤٠ في قبر ضخم من خالص الرخام
وتحدث الشعراء بمجده من أمثال هيني الألماني وهيجو الفرنسي ، ولكنه شعر خواص لا يعنينا اليوم في صدد الحديث عن اسطورة هذا البطل الأدبية ، وخير منه أغاني الشاعر الشعبي الجميل جان بيردي برانجبيه (١٧٨٠-١٨٥٧ ) Jean pierre de Beranger الذي ابتدأ حياته بأغان مرحة فذت شوارع باريس وملاهيها زمنا طويلا بنغماتها البهيجة إلى أن جد الجد ، فتسقطت قيثارته آمال الشعب وآلامه ، تردها باسمة يوما ، حزينة في أغلب الأيام ، حتى لم يعد لأبناء الشعب أغان غير أغانيه يرددونها كما يرددون نجوي قلوبهم ، وهال رجال الحكم أمره وخشوا بأسه ، فزجوه في السجن مرتين عامي ١٨٢١ و ١٨٢٤ ثلاثة شهور ، ثم تسعة ، كما غرموه في المرة الأولى ٥٠٠ فرنك ، وفي الثانية عشرة آلاف ؛ ولكن الشعب لم يزد به إلا تعلقا ، حتى ليجمع المؤرخون على أن باريس كلها قد شيعته إلى قبره في حفل رائع سنة ١٨٥٧
وكان سر نجاح هذا الشاعر صدوره عن وحي الشعب المباشر في أغان بسيطة ساذجة ولغة مألوفة قريبة إلى قلوب العامة قرب ما تموج به من معنى او إحساس ، بحيث انه ما كان ينظم المقطوعة إلا وقد انتشرت على كل الآلسنة وجابت فرنسا طولا وعرضا
ثم إن لهؤلاء الشعراء الشعبيين الصادقي الحس سرا رائعا ، هو قدرتهم على ان يوضحوا للشعب ما يجول بخاطره من أمال وألام لا يستبينها بوضوح ، بحيث ما يسمع
العامة حديثهم إلا وكأنهم وقد عثروا علي مفقود في نواحي نفوسهم ، او اضاءوا مظلما منها ، فيطمئنون إلي ذلك الحديث ، وإذا بالشاعر لا يقف من التسقط ، بل يعدوه إلى التوجيه .
وعلى هذا النحو ساهم بير نجيبه في خلق اسطورة نابليون بما لم يصل إليه هيجو أو هيني أو غيرهما ممن لم يصدروا عن وحي الشعب أو يحاولوا توجيه غطاء
وها هي إحدي أغانيه سماها ذكريات الشعب " وكتبها بلغة ساذجة قريبة إلي لغة العامة يقص فيها أحدوثة كالتي تقصها جداتنا عن الشاطر حسن " وعن " أبو زيد الهلالي " أنقلها محتفظا ما استطعت ببساطتها
" بمجده سيتحدثون في الكوخ بعد نصف قرن لن يسمع السقف المتواضع قصة اخري هناك ستأتي الريفيات يسألن إحدي العجائز : سلى عشيتنا ، حدثينا بما كان في غاير الزمان يقولون ( قد اضر بنا " ولكن الشعب ما زال يحبه . نعم يحبه حدثينا عنه يا جدة حدثينا عنه
بهذه القرية مر يا أولادي ، ومن خلفه الملوك ، كان هذا من زمان بعيد ، بعد زواجي مباشرة صعدت فوق التل ، وجلست لأري . كان يلبس قيمة صغيرة ومعطفا رماديا . وقال لي : " صباح الخير ايتها الصديقه صباح الخير " .
آه أحدثك حقا يا جدة ؟ أحدثك في السنة التالية كنت بباريس ، فرايته في احد
الأيام مع حاشيته وهو ذاهب إلي نوتردام كانت كل القلوب في فرح وإعجاب بموكبه والكل يقول ما أجمل الجو ، إن السماء ترعاه : " ما أحلي ابتسامته وقد رزقه الله ولدا
- ما كان أجمل يومك هذا يا جدة ! ما كان أجمله
ولكن عند ما وقعت شمانيا المسكينة في يد الأجانب تحدي وحده كل الاخطار كأنه يحارب بمفرده وفي ليلة مثل هذه الليلة ، سمعت دقا علي الباب ، ففتحت . يا إلهي : كان هو ، يقيمه قليل من الجند ، وجلس في مكان هذا وهو يصيح : " يا لها من حرب يا لها من حرب
أحقا جلس هنا يا جدة أحقا جلس هنا !
وقال : أنا جائع ، فأعطيته بسرعة خبزا وقطعة لحم ثم جفف ملابسه على النار واحس بالدفء فنام ، ثم صحا فرأي دموعي فقال : " لا تيأسي سأعدو إلي باريس حيث أنتقم لفرنسا من محنتها ، ثم سار وإلي اليوم وأنا احتفظ بكوبه ككنز ، نعم أحتفظ به
أما زال الكوب عندك يا جدة ؟ أما زال عندك ؟ !
ما هو . ولكن البطل قد سار إلي قبره . البطل الذي توجه البابا يموت في جزيرة مهجورة ؟ زمن طويل لم يصدق أحد هذا الخبر ، وقال الكل : سيعود ثانية لقد نزل إلي البحر ، سيري الأعداء سيدهم من جديد ، ثم ضاع الأمل فكانت حسرتي مرة ، نعم ما أمرها :
ألا بارك الله فيك يا جدة ! ألا بارك الله فيك
تلك أسطورة نابليون ما قرأتها إلا انتفض قلبي متجها بالدعاء إلى الله أن يهب هذا الوطن المسكين وطننا العزيز من بين شبابنا بطلا كهذا تتحدث بمجده الجدات ، ونحن بعد في زمن وفي وطن لن ينقذه إلا بطل صلب العود ، وقد تفاقم خطبنا ، بحيث لم يعد للكلام مجال ، وإنما نحن في مجال العمل فهيا أيها الشباب ، فقد دقت الساعة ، ولتتركوا الحديث إلي الأجيال اللاحقة تتحدث ببطولتكم ، بل اتركوه لأفواه الزمن .

