في ٢٤ يونيه سنة ١٨٣٩ انتصرت جيوش محمد على باشا إلى جوار الفرات على سلطان تركيا في حرب سوريا الثانية ، وفي أوائل يوليو توفي السلطان محمود ، وخلفه طفل في الثالثة عشرة من عمره ، وانسحب أمير البحر التركي من سوريا إلى الإسكندرية ، حيث أسلم أسطوله إلى باشا مصر ؛ ونظرت أوربا فرأت الدولة العثمانية على وشك أن تقع كلها في يد والى بلادنا ، فهالها الأمر ، وسرعان ما تضافرت جهودها لحماية الدولة العثمانية .
ولكن فرنسا ظلت من بين دول أوربا الدولة الوحيدة التي تعطف على مصر وتود أن يصل واليها في مفاوضة منفردة مع السلطان إلي الاستفادة من انتصاراته الحربية ، وهذا ما حاوله سرا " تير " Thiers وزير فرنسا إذ ذاك .
وأحس بلمرستون ما تسعى إليه فرنسا ، فأسرع إلي عقد معاهدة لندن في ١٥ يوليو سنة ١٨٤٠ مع الروسيا والنمسا وبروسيا ، وبمقتضاها اتفقت الدول الأربع على أن تحمل محمد على على أن يكتفى بمصر له ولأولاده من بعده ، وبسوريا مدى حياته فقط . وسار أسطول انجليزي نمساوي إلي الإسكندرية ، حيث أرغم والينا على قبول هذا الحل ، بل ورد سوريا كلها إلي السلطان .
لم تشترك فرنسا طبعا في هذه الحركة ، بل اعتبرتها جرحا لعزتها ، ورأت في تحالف أوربا كلها ضد صديقها والى مصر تحالفا ضدها ؛ فهاجت النفوس ، واوشكت الحرب أن تقع بينها وبين أوربا ، لولا تسليم محمد على،
وحكمة لويس فيليب ، وحلول Aberdeen أبردين محل بلمرستون في رياسة وزارة إنجلترا .
وهكذا مرت تلك الأزمة الخطيرة ، ولكنها بعثت آلام الفرنسيين الوطنية ، فذكروا ما نزل ببلادهم من محن منذ هزيمة نابليون في واترلو سنة ١٨١٥ ، واحتدم سخطهم بوجه خاص ضد البلاد الألمانية التي حرمتهم بفضل معاونة بلوخر لولنجتن على هزيمة أمبراطورهم من حدودهم الطبيعية على ضفاف الرين ، فسارت جموعهم في شوارع باريس منشدة المرسييز مطالبة بالاستيلاء على الضفة اليسري لذلك النهر الخطير .
وتجاوبت الأصداء ، إذ ثارت ثائرة الألمان ، فنادوا بتحطيم فرنسا واسترداد الالزاس واللورين ، حتى قال أحد قوادهم : " إن فرنسا تمثل في الأرض مبدأ انحلال الأخلاق ، وإنه لابد من استئصالها من الوجود ، حتى لا يمحى الله من السماء " .
ونفث الشعراء نارهم - ومن أقدر منهم على ذلك ؟- في تلك الثورة النفسية الحادة ، وما هي إلا أيام حتى كنت لا تسمع بألمانيا كلها صوتا يتغني بغير " نشيد الرين " . وضعه الشاب نيكولا بيكرNicolas Becker (١٨٠٩ -١٨٤٥) المولود بمدينة " بون " على الضفة اليمنى لنهره المحبوب . ومن عجب أن تتطاول ألسنة حتي بأنه شاعر مجهول ، إذ لم يعرف بغير هذه الأغنية الرائعة ، حتى لكأن الشهرة لا يصبها إلا المكثرون من الهذر يرددونه على الأسماع مشفوعا بأسمائهم التي لا تستحق أن تشرق عليها شمس ، أو كان الشعر صناعة يحترفها الناس مدى الحياة ، فيقولون بأفواههم ما لا ترغمهم على قوله القلوب ،
أو كأن المجد لا يجوز أن يبتسم لنفس كبيرة أودعت مكنونها نغمات قليلة ، فاذا بها نجوي شعب بأكمله . بل من يدرينا ان " بيكر " قد قصد من نشيده إلي ذيوع
الصيت أو خلود الذكر ، وما نشيده إلا نفثة قلب جاش بنار الوطنية ، فإذا به يتغني غناء سهلا قريبا من الحياة ، وإذا بمواطنيه يستجيبون لغنائه ، لأنه يمس مألوف شعورهم . وهل الوطن إلا هذه المياه الجميلة التي تتدفق وسط الحقول او الغابات ؟ وهل الوطن إلا تلك الخيرات قوتنا وقوت عيالنا ؟ وهل الوطن إلا تلك المسرات التي تتوفر لنا بين ربوعه ، فإذا نحن راضون عنه حريصون على مجده ؟ وهل الوطنية إلا استعداد دائم لأن نريق دماء ذودا عن بلادنا التي هي عزنا ولا عز لنا في سواها.
" لن ينالوه - ريننا الألماني الحر - وإن علت بالمطالبة به صيحاتهم كغربان متكالبة . لن ينالوه ما ندفق هادئا بمعطفه الاخضر وما ضرب مجداف أمواجه . لن ينالوه - ريننا الألماني الحر- ما ارتوت القلوب من لهيب نبيذه .
لن ينالوه ما نتأت بمجراه الصخور ، وما انعكست بمرآة مياهه كنائسنا العالية . لن ينالوه - ريننا الألماني الحر - ما داعبت شبيبتنا الجريئة فتيات رشيقات القدود. لن ينالوه - ريننا الألماني الحر - أو تصير أواذيه قبرا لعظام آخر رجل منا " .
وردد الألمان على بكرة أبيهم نشيد " بيكر " ، حتى كان يوم تسقط فيه شاعر آخر هو " شنيكنيبرجر " Schneckenbuger رجع صيحات الفرنسيين خلف النهر ، فنادي مواطنيه في أغنيته الخالدة "حرس الرين" : " ها النداء يرتفع كقصف الرعد وقمقمة السنان وصخب الموج داعيا - إلي الرين ؛ إلي الرين ؛ إلي الرين الألماني - فمن منكم يريد أن ينهض حاميا له ؟
أيها الوطن العزيز ! باستطاعتك أن تطمئن علي
سلامتك ، فحرس الرين يسهر عليك امينا قويا "...
ووصلت أناشيد الرين إلي أسماع الفرنسيين ، بل وأرسل بيكر نص أغنيته إلى لامارتين ، والشاعر الذي بلغ من رقة النفس ووداعة القلب أن حاول أن يطفئ من لهيب القلوب ، وقد غضب الالمان من صيحات الحرب التي ترتفع بها نغمات مرسييز الثورة ، فلم لا يكتب " مرسييز السلام " مناشدا الشعبين أن يذكرا أنهما إخوة في الانسانية ، وأنه لا يجب أن تفصل بينهما حدود :
" تدفق - أيها الرين - حرا أبيا بين ضفافك الفسيحة ، تدفق يا نيل الغرب فيصلا بين الشعوب التي تحنو لتشرب من مياهك الحية ، ولتجرف صيحات الطمع والتحدي .
فيم العداوة والبغض ولم نقيم بين الشعوب تلك الحدود أو تلك المياه التي يمقتها الرب ؟ وهل تري في السماء آثارا لتلك الفواصل ؟ هل لقبابها حوائط أو حدود أو حواجز..؟
ألا فلتمزقوا تلك الأعلام ، ولتستمعوا إلي ذلك الصوت الذي يناديكم أن لا وطن لغير البغض والأثرة ، وأما الأخوة فلا وطن لها " .
وجاء شعر لامرتين على عادته فاترا ، فلم يصب آذانا مصغية ، وللشعوب غضبات من الحمق إن لم يكن من الاجرام أن تحاول إخمادها ، إذ يا ويل شعب يحبو ، ويا ويل رجال لا تعرف كيف تثب ، بل يا ويل قلوب تخشى ثورة الدماء في حناياها .
وكان مساء سمع فيه الفريد دي موسىيه أغاني الألمان ورد لامرتين الرخو ، وكان ذلك بمنزل مدام جراردان Girardin صاحبة الصالون الشهير في تاريخ الأدب الفرنسي ؛ فانتفض هائجا وقد انطوت قلوب الألمان على وطنهم ، فتعصبوا له وثاروا من أجله ، بينها يتنكر لامرتين
لفكرة الوطن - الوطن المقدس - وحدة الآمال والآلام ، قيود أن لو يحل محله الانسانية الموهومة الغامضة ، حتى لينادي بتمزيق الأعلام القومية ، وحتى ليزعم أن الوطن لا يخط حدوده غير الأثرة والبغض تحمله الشعوب بعضها لبعض . وما إن غلت نفس هذا الشاعر الحارة حتى جري لسانه مرتجلا ذلك النشيد الرائع العنيف " الرين الألماني " الذي ما يزال الفرنسيون إلي اليوم يلقنونه أبناءهم طفلا عن أب :
" لقد سبق أن نلناه - رينكم الألماني - يوم أن احتواه كونها . وهل تستطيع أغنية تدندنون بها أن تمحو ما خلفت حوافر خيولنا الأبية بدمائكم من آثار ؟
لقد سبق أن نلناه - رينكم الألماني - وما يزال صدره يحمل جرحا فاغرا منذ أن مزق بطلنا كونديه Conde معطفه الأخضر - وحينما مر الآباء ممر الأبناء .
لقد سبق أن نلناه - رينكم الألماني - فأين كانت رجولتكم الجرمانية يوم غطي قيصرنا (1) الجبار بظله سهولكم - حدثونا أين سقطت آخر عظامكم؟
لقد سبق أن نلناه - رينكم الألماني - فان كنتم أنسيتم تاريخكم فان بناتكم لا شك قد احتفظن بذكرانا خيرا مما احتفظتم . ألم يسكبن " نبيذكم " الأبيض بكؤوسنا ؟
إن كان رينكم الألماني ملكا لكم فاغسلوا فيه مباذلكم ، ولكن أخفضوا الصوت عندما تتحدثون عنه ، ولتذكروا كم كنتم من غربان تكالبت على النسر (2) المحتضر يوم تناهشتم أشلاءه.
ألا فليتدفق رينكم الألماني ، ولتنعكس في تواضع كنائسكم القوطية بمرآة مياهه ، ولكن احذروا أن
توقظوا بأغانيكم المستهترة - الأموات من راحتهم الدامية".
وبعد ، فلنا نيل كما للألمان والفرنسيين رين ؛ ولكن لرينهم أناشيد ، بينما نحن نغني : " يا لوعتي يا ضنايا" ، "يا وبور قول لي رايح علي فين" ، " بكره السفر يا حبايب". وقد تصل إلي " النيل نجاشي " وأما أناشيد الرجولة التي تسمو بالقلوب إلي النضال عن نهرنا العزيز الذي استهنته الأقدام ، فذلك ما نطالب به شبيبة هذا الجبل ربيب الثورة الوطنية ، وطلائع مجدنا القومي ؛ ولا نتحدث عن شعراء النيل وشعراء الوادي ، فشعرهم قد أفسدته صناعة الألفاظ والطنطنة بالمعاني الكبيرة الخاوية ، ونحن بحاجة إلي غذاء جديد نستمده من حياتنا القريبة وجزئياتها المألوفة ، وذلك أشق الشعر وأنبله.

