-1-تمهيد
كان من نتائج اتساع رقعة الدولة العباسية ، وامتداد نفوذها إلي أغلب بقاع المعمورة ، أن انهالت الخيرات العميمة إلي بغداد مقر الخلافة ، وتدفقت نحوها ينابيع الثروة ، تلك الثروة الطائلة التى كان ينفق اقلها في تسيير أمور الدولة ، وأغلبها كان يذهب إلي خزائن الخلفاء والأمراء والسلاطين وأعيان الدولة ، ومنهم ينساب إلي التجار والصناع والزراع وغيرهم من أصناف الناس . وكان لنمو المال الوارد إلي عليه القوم ، بشتي الوسائل والطرق ، الأثر الواضح في جلب الرخاء إلي تلك الطبقة ، فأقبل كثير من أبنائها إلي حياة البذخ والترف ، وعمدوا إلي الإسراف في العيش ، والإنصراف إلى تشييد الدور الحسنة والمبالغة في تجميلها وتزينها بكل ما وهبوه من ذوق ، وما أوتيه الصناع من حذق ومهارة . فكنت تري الخلفاء ، ومن دونهم من الامراء والسلاطين والوزراء وغيرهم من اماثل الناس ، يتنافسون في جعل قصورهم ودورهم آية في الفن . ويتناهون في إحكام مرافقها ، فتأتي مثالا في روعة البناء وجمال المنظر .
ولكن شيئا من هاتيك القصور التي توافرت فيها آثار النعم لم ينته إلينا ، إذ أن يد الإنسان المانية التي لا تلبث أن تقوض اليوم ما بنته بالأمس ، ومثلها يد الدهر التي من دابها التخريب والتدمير ، تعاونتا على محقها وجعلها أثرا بين عين . فلا باقي إلا الله !
ولقد كانت بغداد في إبان عزها ، حافلة بطائفة من القصور الشامخة والدور الفخمة ، ما ظل امرها احدوثه
الدهر وقد تباري الكتاب والمؤرخون والشعراء في وصفها وإطرائها . من ذلك دار معز الدولة البنويهي المعروفة بالدار المعزية التي نحن في سبيل الكلام عليها في هذا البحث .
٢ -من هو معز الدولة؟
بنو بويه اسرة فارسية عرفت باسم مؤسسها ابى شجاع بويه . ذكر التاريخ من أفرادها نيفا وعشرين رجلا ، اشتهر منهم بوجه خاص " معز الدولة " وابن اخية " عضد الدولة ومعز الدولة - وهو المقصود من كلامنا هو أبو الحسين أحمد بن أبي شجاع بويه ، ولد في سنة ٣٠٣ للهجرة . كان في صباه امرءا لا يتميز بشئ عن غيره من أبناء الطبقة العاملة ، فكان يحتطب علي رأسه (1) مثلما كان أبوه بويه يصيد السمك (2).
وعرف معز الدولة بالأقطع ، لأنه كان مقطوع اليد اليسري وبعض أصابع اليمنى (3)، قطعت في بعض حروبه بكرمان .
ثم تقلبت به الأيام من حال إلي أحوال ، فأخذ شأنه وشأن أخويه " ركن الدولة "و " عماد الدولة " يرتفع ويتألق ، فامتلكوا كثيرا من البلدان بنحو ما هو مدون في المظان التاريخية . وما زال معز الدولة في نجاح مطرد إلي أن جاء بغداد " فدخلها متملكا يوم السبت لاحدي عشرة ليلة خلت من جمادي الأولى سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة في خلافة المتكفي ، ومليكها بلا كلفة (4)
أما الخليفة المستكفي ، فقد خلع من الخلافة وسمل وتلاشي أمره (5) وصار الخلفاء العباسيون من بعده ألعوبة
بيد البويهيين ، على ما هو مذكور في أسفار التاريخ .
ودامت إمارة معز الدولة على العراق إحدي وعشرين سنة وأحد عشر شهرا ويومين(1)
واشتهر معز الدولة ببعض الأعمال العمرانية في العراق فذكر ابن الجوزي أنه " سد فوهة نهر الرفيل ) ٢ ( ، وشقي النهروانات ) ٣ ( ، وعمل المقبض
بالسند يه) ١ ( ) 2 ( . وهذه اصلاحات خطيرة ، كان لها ولا شك ابلغ الأثر في تحسين ري العراق في ذاك الزمان
ومما عرف عنه أنه أول من اجري السعاة بين يديه ليبعث بأخباره إلي أخيه ركن الدولة سريعا إلى شيراز ، وحظى عنده أهل هذه الصناعة، وكان عنده في بغداد ساعيان ماهران وهما فضل وبرغوش(3) ونظرا إلي ما لقيه هذان الرجلان من تقدير الناس وإعجابهم بهما ، فانهما " فاقا جميع السعاة ، وكان كل واحد منهما يسير في اليوم نيفا وأربعين فرسخا " ) ٤ ( .
وقد ذهبت المراجع التاريخية كل مذهب في تحليل شخصية معز الدولة والحكم على اخلاقه وطباعه ومعاملته الناس . ويستخلص من ذلك كله إنه إلي جانب ما عرف
عنه عن ظلم وجسور وعسف واذي للناس ، كان حازما سايسا مهيبا ) ١ ( حليما كريما عاقلا ) ٢ (
وأصيب معز الدولة في آخر عمره بعلة الذرب ، فصار لا يثبت في معدته شئ بالكلية . وتوفي في السابع عشر من شهر ربيع الآخر سنة ست وخمسين وثلاثمائة ببغداد ، ودفن في داره ، ثم نقل إلي مشهد بني له بباب التبن في مقابر قريش ) ٣ (
وعاش معز الدولة ثلاثا وخمسين سنة ، وخلفه من بعده ابنه بختيار الملقب بعز الدولة ، وكان دون أبيه سطوة وتدبيرا . وليس من شأننا الكلام عليه في هذا المقال .
) يتبع (

