ثانيا : الأساسات
وناهيك بناء ، وطيد الأركان ، أن آل الأمر بصاحبه في حفر الأساسات إلي شدة الإيغال في التراب ترسيخا لصرحه وتمكينا لدعائمه . ذكر الذهبى أن معز الدولة " حفر لها ) للدار ( الأساس نيفاً وثلاثين ذراعاً " ) ١ ( . ومثل ذلك ما نقلة اليافعى ) ٢ ( وابن العماد الحنبلى ( 3 )
وقد زاد مسكويه الأمر وضوحا بقوله إن معز الدولة " نزل سفلا في الأرض لبعض الأساسات ستا وثلاثين ذراعا ، ورفعها إلي وجه الأرض بالنورة والآجر إلي أن ارتفع فوق الأرض بأذرع ) ( 4) " . ووافقه ابن تغري بردي في مقدار عدد الأذرع حين تطرق إلي هذا الموضوع ) 5 (
ولا يخفى أن هذه الأذرع الستة والثلاثين ، تساوي بمقاييس وقتنا نيفاً وخمسة عشر متراً .
ولا نستطيع القول أنه احتاج إلي النزول في جميع الأساسات إلي مثل هذا العمق ، فإن بعض المرافق الضئيلة كان يكفيها الأساس القليل الغور .
ثالثا : المسناة
المستناة ، بضم الميم وفتح السنين وتشديد النون يليها ألف فهاء منقوطة : هي العرم ، اي ما يبنى بين يدي القصر الواقع على النهر ليرد الماء عنه ، وتجمع على مسنبات ، وهي بالفرنسية Quai و بالإنكليزية Quay . والمسناة لفظة معروفة إلي يومنا هذا في العراق ، وهي تلفظ عندهم " مسنابة " و " هي مشتقة من سنن بسنن المخففة بصورة سنى.ومعنى سنن : عمل سنا او اتخذ في الماء سنا . والسن عند العراقيين : بناء يتقدم في الماء الكسر صولته وشدته ، واسمه بالفرنسية Epi " (2).
ولما كانت الدار المعزية مطلة علي دجلة ، كان لابد لها من مسناة تقيها شر طغيان النهر وتمنع عنها تسرب مياهه إلي داخلها . وفي الواقع ، كانت هذه المسناة عظيمة راسخة . ذكر المحسن التنوخى فى جملة ما بناه معز الدولة في داره " والمسناة العظيمة التي من حد رقة (3) الشماسية إلي بعض الميدان ، وطول ما بناه منها ألف وخمسمائة ذراع . وعرضها نيف وسبعون آجرة كبارا ، سوى
الدستاهيجات ) ١ ( التي تخرج منها إلي داخلها لتضبطها ) ٢ (
وفي بعض المراجع ان عرض هذه المسناة كان مائة آجرة ) ٣ ( . ولكن هل كانت تلك الآجرات مبينة بوجه مغروز على نحو ما تنضد الكتب على الرفوف اليوم ، أم بوجه منبطح ؟
إننا إذا لاحظنا المسنيات القائمة في بغداد ، وحسبنا حساب المياه الجارية وما تفعله من التخريب والتدمير ، سلمنا ان تلك الآجرات ينبغي ان تكون قد نضدت أفقيا ، أي منبطحة ، بحيث يصبح تحتها مطلا علي النهر .
فكم كان عرض هذه المسناة يا ترى ؟
يستدل من ملاحظة أنواع الآجر المكتشف في العراق ، أن آجر المائة الرابعة للهجرة ، كان مربع الشكل ، يبلغ طول ضلع ذي الحجم الكبير منه ٣٥ سنتمترا ، وتخنه بين ٨ و ٩ سنتمترات .
فإذا أخذنا بالرأي القائل إن عدد الآجر سبعون آجرة ، بلغ عرض المسناة نحوا من ٢٥ مترا ، وإذا اتبعنا رواية من قال إنه مائة آجرة ، بلغ عرضها حينذاك نحوا من ٣٥ مترا .
ولا يغربن عن البال ، ان المسنيات حينما تبنى ، يملأ جوفها بالتراب ، وتحصن أقسامها الظاهرة بالآجر .
فهذه المسناة الهائلة العظم ، سطت عليها يد الدهر الهدامة ، فقوضتها قطعة بعد قطعة ، بحيث لم يبق منها في زمن باقوت الحموى ) ٤ ( إلا آثار !
ولكن يبدو مما قاله ابن الجوزي ، إن معز الدولة " لم يعمل من مسناتها ) أي مسناة الدار ( إلا البعض ، لأنه أراد أن يصل المسناة بمسناة دار الصيمرى ، فعاجلته المنية ) ١ (
وأشار باقوت في كلامه عن " سوق العطش " الممتدة بين باب الشماسية والرصافة أنها " تتصل بمسناة معز الدولة " ) ٢ ( . ) يتبع (

