تمهيد
اختص كل قطر من الأقطار العربية بطراز خاص من العمارة . والمعروف أن كثيرا من البلدان تأثرت بما يجاورها من الحضارات السالفة ، فكان الطراز " الهليني" المنتشر في سواحل بحر الروم قد تسرب إلي العراق فتوطن الحيرة : المدينة الغربية الجاهلية ، المشتهره بقصورها التي تردد صداها في الكتب القديمة . والحيرة هذه هي أم الخورنق والسدير وسنداد؛ فتنة الشعراء والمؤرخين والبلدانيين . وفيها العذيب والصنير ، اللذان قال فيهما الشاعر :
ليت شعري متي تغب به الناقة نحو العذيب والصنير
كما اشتهر فيها من القصور ؛ الأبيض ، والفرس. والزورآء ، والعدسيين وقصر ابن مازن ، والعلين وقصر بنى مقيلة الذي قال فيه بانيه :
لقد بنيت للحدثان قصراً لو أن المرء تنفعه الحصبون
طويل الرأس أقص مشمخرا لأنواع الرياح به أنين
وقصر مقاتل الذي انشد فيه الشاعر :
كأن لم يكن بالقصر قصر مقاتل
وزورة ظل ناعم وصديق
ومن بين هذه القصور ، قصر البدير الذي شيد علي الطراز الهليني السالف الذكر ، وأطلق على هذا الطراز بعد توطنه الحيره ب " الحيري والكمين" نسبة إلي الحيرة ، وإلى ضرب من الثوب المصنوع فيها .
وظهر الإسلام ، فمال الخلفاء إلي العمارة وشغفوا بها ،
فشيدوا المدن والقصور وكان المعتصم يقول " إن فيها أمورا محمودة ، أولها عمران الأرض التي يحيي بها العالم ، وعليها يزكو الخراج ، وتكثر الأموال ، وتعيش البهائم، وترخص الأسعار ، ويكثر الكسب ، ويتسع المعاش . وكان يقول لوزيره محمد بن عبد الملك : إذا وجدت موضعاً مني أنفقت فيه عشرة دراهم ، جاءني بعد سنة إحدي عشر درهما ، فلا تؤامرني به (1)"
يحدثنا التاريخ أن الخليفة العباسى ، المتوكل على الله ، سمع يوما بخبر الطراز الحيري بكمين ، فشغف به واعجبه ، وشيد غير قصر في سر من رأي على هذا الطراز ، ثم أعقبه خلفاء آخرون بنوا قصورهم في بغداد والشام ومصر وغيرها من الأقطار الإسلامية علي هذا الطراز وسنعرض فيما يلى ما وققنا عليه من أخبار هذا الطراز من البناء .
١ - ما ورد في كتب اللغة والأدب والبلدان عن السدير والسدلي ) ١ ( : السدير :
بفتح أوله ، وكسر ثانيه ، ثم باء مثناة من تحت وآخره راء هذه التسمية لغير موضع ؛ غير ان اشهرها في التاريخ هو القصر الذي بناه الملك النعمان بن امرئ القيس بن أوس ، أحد العمالقة ، لأن المحرق اصحاب القصور
الشامخة في العراق ، وفيهم يقول الأسود بن يعفر النهشلي وهو جاهلي قديم ؟ بعد نكبة الأكاسرة لهم :
ماذا أومل بعد آل محرق تركوا منازلهم وبعد إباد
أهل الخورنق والسدير وبارق
والقصر ذي الشرفات من سنداد (1)
قال ابن قتيبة الدينوري ( المتوفي سنة ٢٧٦ للهجره ) :
" السدير : فارسي معرب ، وأصله سادلى ، أي قبة فى ثلاث قباب متداخلة ، وهو الذي يسميه الناس ( سيه دلى ) فأعرب
وكان سبق له أن قال : " السدير سهد لى : كان له ثلاث شعب " (3)
وذكر ابن سيدد ( المتوفي سنة ٤٥٨ ه ) أن " السدير بناء ، وهو بالفارسية ( سهد لي ) أي ثلاث شعب وثلاث مداخلات " ( ٤)
وقد نقل ياقوت الحموى (المتوفي سنة ٦٢٦ ه ) في مادة السدير ، بعض آراء الأقدمين في أصل الكلمة ؛ فمن ذلك قوله " السدير : وهو معرب واصله بالفارسية ( سه د له ) أي فيه قباب مداخلة مثل الجارى ( كذا ، وصوابه الحاري ) بكمين . . وقال ابن السكيت : قال الأصمعى : السدير فارسية أصله ( سادل ) ( ٥ ) أي قبة فيها ثلاث قباب مداخلة ، وهو الذي تسميه الناس اليوم ( سد لى ) فأعربته العرب فقالوا : ( سدير) قال أبو حاتم : سمعت أبا عبيده يقول هو ( السد لى ) اي له ثلاثة ابواب ، وهو فارسي معرب . . . " (6)
وقال الخفاجى ( المتوفي سنة ١٠٦٩ ه ) : إن " السدير علم ، قصر معروف ، وقد قيل إنه معرب من الرومية ، وأصله ( سه دل ) أي فيه ثلاث قباب متداخلة ؛ وهو الذي نسميه اليوم سد لى " (١) .
أما صاحب التاج فقد جمع كلام الأقدمين ، ثم ذهب مذهب أبي عبيدة في تفسير السد لى ، قال : " . . وسدير قصر في الحبرة من منازل آل المنذر وأبنيتهم ، وهو بالفارسية ( سه دلى) أي ثلاث شعب أو ثلاث مداخلات . وفي الصحاح وأصله بالفارسية ( سه دله ) اي فيه قباب مداخله مثل الحاري بكمين . وقال الأصمعى : السدير فارسية كان أصله ( سه دل ) أي قبة في ثلاث قباب مداخلة
وهي التي تسميه اليوم الناس ( سد لى ) فأعربته العرب فقالوا : ( سد ير ) . قلت : وما ذكره من أن ( السد لى ) يمعنى القباب المتداخلة ، فهو كذلك في العرف الآن . وهكذا يكتب في الصكوك المستعملة ؛ وأما كون ان (السدير) معرب عنه فمحل تأمل ، لأن الذي يقتضيه اللسان أن يكون معرباً عن ( سه دره ) أي ذا ثلاثة أبواب ) ٢ )، وهذا أقرب من ( سه دلى ) كما لا يخفى " ( ٣)
( ب ) - السدلى
قال في التاج : " السد لي كزمكى معرب ، وأصله بالفارسية ( سه دله ) كأنه ثلاثة بيوت ( كالحارى بكمين ) كما في العباب واللسان " ( ١)
وقد خامر الخفاجى بعض الشك في أصل الكلمة ومعناها ، فانه قال : " سد لى : على فعلى ؛ وقيل ( سه دله ) قيل : معناه ثلاثة بيوت في بيت ، ولست على ثقة منه . وأهل مصر تستعمله بمعنى الصفة - قال ابن حجاج :
ما للخليفة مثل هذه حك والسد لي والرواق
ومعربه سدير كما في الجوهري وغيره ، وفي شعر لابن طباطبا في القيل :
أعجب بفيل آنس وحشي مثل السد لي الموثق المبنى (1)
٢ - أقوال المتأخرين والمستشرقين في السدير والسدلى
الظاهر أن كبار المستشرقين لم يفهموا معني السدلى ، ومن بينهم " فريتاغ " فإنه قال في تفسيرها بعد ان نقل كلام الجوهري إلي اللاتينية : لم أجد شيئا عن " الحاوى بكمين" !
وقال " لين " المستشرق الانجليزي في " مد القاموس " ما هذا تعريبه . " هو بيت طويل فيه سهونان في كل من الجانبين ، يبدو لك بينهما بهيئة ثوب منتفخ فيه كمان ضخمان ويطلق هذا اللفظ في أيامنا هذه على سهوة واحدة من الجنس المذكور فويق هذا ، تكون أرضها مرتفعة فوق الغرفة الرئيسية بنحو نصف قدم او يكاد . وهناك فراش ووسائد
على جانب من جوانبه الثلاثة أو على كل منها . نقل ذلك فوليوس معتمداً في شرحه هذا على الصحاح الذي ليس فيه إلا قوله : السدلى علي فعلى معرب وأصله بالفارسيه ( سه دله ) كانه ثلاثة بيوت في بيت كالحارى بكمين " انتهى كلام لين .
فالظاهر من هذا الكلام أن غوليوس لم يفهم كلام فصحاء العرب ، وكذلك لبن . أما قزميرسكي فإنه أغفلها ولم يتعرض لها .
وقال دوزى ( ٢ ) : " سد لة كد لي ، وهي تخت طويل محشو يجلس عليه كالسرير ، وله متكأ للظهر " .
فالسدلة ليست مرادفة للسد لى كما ظن دوزي ، بل
هي معربة عن الرومية أي اللاتينية Sedile بالمعنى الذي أشار إليه اللغوي المذكور ومن تابعه (١)
وقد ذكر السيد أدي شير كلا من السدير والسد لى ، فقال في الأولى : " السدير وهو معرب ( سه دير ) ، قال في البرهان القاطع : ( سه دير هو قصر الخورنق المشهور الذي بناه السمار ، وقيل له سه دير لأنه كان في داخله ثلاث قبب ؛ فإن دير باللغة البهلوية معناها القبة . . " ( ٢)
وقال في الثانية : " السدلى : هو كثلاثة بيوت في بيت كالحاوى بكمين ، مركب من ( سه ) اي ثلاثة ، ومن ( دل ) أي وسط ، أو من ( د ر ) أي القبة ؛ او هو تصحيف السدير " ( ٣) .
وخلاصة هذه الأقوال في السدير والسدلي ؛ أن كلمة السدير معربة وأصلها بالفارسية " سه د له " ومعناها قبة في ثلاث قباب متداخلة . وعلي مر الأيام جرت الكلمة على ألسن الناس ب " السدلى " .
٣ - السدلى في دار الخلافة العباسية ببغداد
أكثر أخبار السدلي في دار الخلافة ؛ يلقاها المرء في اوصاف الاحتفالات المقامة في هذه الدار . ولعل حفلة الخلع على عضد الدولة وتلقيبه بتاج الملة ، والعهد إليه بولاية الأمور ( سنة ٣٦٧ ه ) من أروع الاحتفالات التى أقيمت في هذه الدار ، وللسدل في هذا الحادث اخبار
حسان ، ودونك بعض ما ذكره هلال بن المحسن الصابى ( المتوفي سنه ٤٤٨ ه ) بصدد هذا الاحتفال . قال : " وحدثني على بن عبد العزيز بن حاجب النعمان : ان عضد الدولة راسل الطائع لله عند استقرار ما استقر من الخلع عليه وتلقيبه تاج الملة ، والعهد إليه بولاية الأمور ، وذلك
في سنة سبع وستين وثلاثمائة ، وقال : أسأل أن يكون دخولي دار السلام ( ١ ) راكباً لأتميز تميزاً يعرف به موضعى من زيادة التكرمة ، وان يمد في وجه الخليفة ستارة لئلا يراه أحد قبل مثولى بين يديه . وأراد بهذا الا يراه الناس وهو يقبل الأرض ، فوعد بما سأله ، وعمل دون الباب الذي يدخل منه قطع بأجر وطين . فلما دخل راكباً لم يمكنه تجاوزه . وكان ترتيب الأمر ان جلس الطائع
لله رحمة الله عليه على السرير في صدر السدلى من دار السلام في دست خز أسود نسيج بالذهب ، وحوله من خدمه الخواص نحو مائة خادم بالزينة الحسنة ، والاقبة الملونة ، والناطق ، وسيوف الحمائل المحلاة ، وبايديهم الدبابيس والطير زينات ، ومن جانبي السرير الخدم الشيوخ الصقالية الطبعية . وضربت على الأساطين الوسطى ستاره ديباج ....... ومدت الجبال في صحن السلام علي اعمدتها........ز ( ٢)
ثم واصل كلامه بقوله " ووصل عضد الدولة إلي باب السد لي بين السماطين ، وما يتحرك احد هما وراء الحبلين، وكان مرجان الخادم واقفاً في الصحن وبيده قوس جلاهق ؛ حتى إن طار غراب او نصب رماه ومنعه . ولما انتهى عضد الدولة إلي باب السد لى ؛ التفت الطائع لله الى خالص وقال له : استدبه . فصمد عضد الدولة العتبة وقبل الأرض دفعتين في عرض السدلى ، وقال له الطائع . " (1)
وقال بعد ذلك : " وأعاد الطائع لله القول في التفويض إليه ، والتمويل عليه . ثم التفت إلي طريف الخادم ، فقال : يا طريف نقاض عليه الجلع ويتوج. فنهض عضد الدولة وحمل إلي الرواق الذي يلي السد لى ودخل معه عبد العزيز بن يوسف . . " ( ٣)
وقبيل انتهائه من وصفه لهذا الاحتفال التاريخى قال : فلما أراد عضد الدولة أن يتصرف ، راسل الطائع لله وقال : إني أنطير أن أرجع على عقبي ، وأسأل أن يتقدم بفتح هذا الباب لي . وأوما إلي الباب الدواري المنفتح من السد لي الي الحدائق ، وكان للحدائق باب ينفتح إلى دجلة ، فأذن في ذلك .... (2)
للبحث بقيه

